القيامة في واقع شرق أوسطيّ
- Sermon By: الدكتور القس أندرية زكي
- Categories: دراسات متنوعة
مقدمة: القيامة في زمن التحديات
يا إخوتي وأخواتي، المسيح قام! حقًّا قام! لكن، وبينما نُعلن هذه التحية القديمة المملوءة بالرجاء والنصرة، لا بد أن نعترف بأن منطقة الشرق الأوسط تمتلئ بالتحديات والصراعات المؤلمة. وهنا يبرز التساؤل الأهم: كيف نحتفل بالقيامة وسط التحديات؟ وما هو الواقع الذي يتحدانا اليوم؟ نحتفل هذا العام بعيد القيامة وسط أزمات متلاحقة:
في غزة: الأحياء تحوّلت إلى أنقاض، والعائلات تعيش وسط الدمار، وقد خلّفت الحرب عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى.
في سوريا: ملايين يعيشون في خيام أو بيوت مهدَّمة بلا كهرباء أو مياه.
في لبنان: أزمة مالية خانقة، وغلاء أسعار، وهجرة شبابية جماعية.
في العراق: مجتمعات ما زالت تحاول التعافي من دمار العنف.
اللاجئون: ملايين يعيشون في الخيام، يعتمدون على المعونات، ويحتفلون بالعيد بعيدًا عن أوطانهم.
هذه ليست مجرد إحصاءات؛ بل قصص أناس نعرفهم: جيراننا وأقاربنا.
ورغم كل ذلك، نرفع الشكر لله من أجل بلادنا، مصر، ومن أجل سلامها واستقرارها رغم التحديات الداخلية والخارجية. فستظل مصر بلد الأمان والتماسك.
القيامة: دعوة إلى التغيير
دعونا نعود إلى كلمة الله في رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس (5: 17): “إذًا إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة: الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا.” هذه الآية تُلخّص جوهر رسالة القيامة: لأن يسوع قد قام من بين الأموات، فإن كل من هو فيه يُصبح إنسانًا جديدًا. القيامة ليست حدثًا تاريخيًّا فقط، بل عمل مستمرّ في الحياة اليومية. أن “تعيش القيامة” يعني أن حياتك وهويتك ومستقبلك قد تغيّروا جذريًّا. التغيير الذي تمنحه القيامة ليس رمزيًّا، بل حقيقي يشمل النفس، والعلاقات، والاتجاه، والرجاء.
كنيسة كورنثوس والتحديات
السياق الخارجي
مدينة كورنثوس كانت غنيّة ظاهريًّا، لكنها منقسمة داخليًّا، مليئة بالفساد والانحلال، وتُمجّد القوة وتحتقر الضعفاء.
السياق الداخلي
الكنيسة نفسها كانت تصارع الانقسامات، وتواجه الشكوك في القيادة، والتحديات من كل جانب.
ورغم كل ذلك، يكتب بولس: “أنتم لستم ما كنتم عليه… أنتم خليقة جديدة.”
رسالة في وسط الألم
قوة كلمات بولس تنبع من أنها كُتبت وسط الألم، لا من قصر مريح. كتبها وهو مرفوض ومُضطهد، لكنه آمن من كل قلبه أن قيامة المسيح غيّرت كل شيء. وهكذا يتحدى واقع كورنثوس واقعنا في الشرق الأوسط اليوم، حيث نواجه التحديات الاقتصادية، والصراعات، والقلق، والإقصاء. لكن تبقى القيامة تعلن: “في المسيح نحن خليقة جديدة.”
هذا هو سرُّ القيامة، الله لا ينتظر تحسُّن الظروف ليُجري التغيير. بل يُقيم الحياة من الموت، ويخلق نورًا في قلب الظلام، وينبت رجاءً في الأرض اليابسة.
كيف نعيش كخليقة جديدة؟
- ترك الحياة القديمة: “الأشياء العتيقة قد مضت.” يشمل ذلك الخطيئة، لكن أيضًا المرارة، والخوف، واليأس. كما ترك المسيح الأكفان في القبر، نحن مدعوون لترك أنماط فكرية قديمة مصدرها الألم.
- الهوية الروحية الجديدة: هذه الهوية ليست شعارًا، بل مصدر كرامة وثبات، ودافع لخدمة الآخرين.
- جماعة لها رسالة: نحن سفراء عن المسيح، نحمل رسالة المصالحة. كل عمل محبة، وكل غفران، وكل خدمة للآخرين، هو مشاركة في تجديد العالم.
- جماعة لها رجاء: رجاء القيامة ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل إيمان بأن الله قادر أن يقيم الحياة من الموت. الموت ليس له الكلمة الأخيرة. القيامة لا تُنكر الألم، بل تعلن أن الله يعمل رغم الألم، وأن فجرًا جديدًا آتٍ.
خاتمة: الرجاء في زمن الألم
أحبائي، هذه هي رسالة عيد القيامة لنا في منطقة الشرق الأوسط: في المسيح، نحن خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. والخوف والانكسار واليأس لا يملكون السيادة. هوذا، الكل قد صار جديدًا. آمين.
وفي هذا السياق أود أن أشير على مفهوم القيامة من منظور وواقع شرق أوسطي في القضايا التالية: القيامة وصناعة السلام، القيامة ومفهوم العدالة، هويتنا الروحية الجديدة في قيامة المسيح. كيف تغير القيامة قلب الإنسان، القيامة انتصار على التمركز حول الذات.
القيامة وصناعة السلام([1]):
في صباح يوم الأحد كانت قيامة المسيح إعلانًا جديدًا عن رؤية الله تجاه البشر: الحياة، لا الموت. الرجاء، لا اليأس. المصالحة، لا القطيعة. وفي عالمنا المعاصر، الذي يئنُّ تحت وطأة الحروب، الصراعات، الانقسامات الدينيّة والفكريّة والسياسيّة، يحتاج العالم لصانعي السلام.
نشهد في عصرنا الراهن تزايد الحواجز بين البشر، بين الدول وبعضها، وفي داخل المجتمع الواحد وحتى بين أفراد الأسرة الواحدة؛ فالخلافات لا تهدأ، وتُبنَى جدران من الكراهية والخوف، وصراعات تزدري حياة الإنسان وحقه في العيش آمنًا وسالمًا. وسط هذا المشهد، تطمئننا القيامة بالأمل في تجديد كل شيء، بأن الكراهية لا تنتصر في النهاية.
في العصر الذي عاش فيه المسيح كان الرومان يسيطرون على كل العالم القديم. وساد في العالَم نوع من السلام منذ بداية عهد أغسطس قيصر، حتى إن بعض النقوش الأثرية تصفه بأنه الزعيم الذي أرسلَتْه العناية الإلهيّة. إذ وضع حدًّا للحرب وأسَّس السلام. وقد بنى هذا السلام على أربعة أُسس: أساس عسكري يتحقّق في ميادين المعركة، ويعتمد على قوة الرومان العسكريّة التي بلا منازع. وأساس اقتصادي حيث تزدهر الفنون والحِرَف، وتتطوّر الزراعة، وتنمو التجارة والتبادلات، وتُبنى المدن الجديدة. وأساس قانوني وثقافي؛ حيث يسود القانون، وتنتشر طريقة الحياة الرومانيّة الحضريّة في كلِّ أنحاء الإمبراطوريّة. وأساس ديني؛ بمحاولة إيجاد ديانة موحدة، وكان أغسطس أوَّل مَنْ دعا نفسه ابن الله.
في كل هذه المحاور يُبنَى السلام الروماني على «غياب الصراع». لكن السيد المسيح، رئيس السلام، قدّم نوعًا آخر ومفهومًا آخر للسلام عندما يقول يسوع لتلاميذه: سلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. فإنّه يحرص على أن يحدِّد: لَيْسَ كَمَا يُعْطِى الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. سلام يسوع ينتمي إلى السلام الذي يعنيه الكتاب المقدّس.
أول خطوةٍ نحو السلام الحقيقيّ تبدأ من الداخل؛ فكثيرٌ من الانقسام حولنا نابعٌ من انقسامات داخلية بين ما نؤمن به وما نعيشه، بين ماضٍ لم نتصالح معه وحاضرٍ نحاول أن نحيا فيه. القيامة تعنى أن الإنسان يمكن أن يقوم من ماضيه، فيتحوّل من شخص جريح إلى شخص يُجبر الجراح. والسلام مع الذات هو الأساس لكلِّ سلامٍ آخر. المسيح القائم لم يوبّخ التلاميذ الذين هربوا، بل قال لهم: «سلام لكم». كم نحتاج أن نسمع هذه الكلمات نحن أيضًا، كل يوم!


