مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

الكوارث الطبيعية في الكتاب المقدس

Watch Now

Download

الكوارث الطبيعية في الكتاب المقدس

يزخر الكتاب المقدس بذكر الكوارث الطبيعية، بدايةً من طوفان نوح -الذي غطى المسكونة المعروفة- إلى الأوبئة والجراد، إلى زلازل وأرضٍ تنشق وتبلع المتمردين، إلى نار الله النازلة من السماء على سدوم وعمورة (وهل هي ثورة بركان أم عاصفة كبريتية أم شيء آخر؟) والجوع الذي حدث في زمن إبراهيم، ثم في زمن يعقوب، وتلاه في فترة قصيرة الجفاف الذي ضرب أرض مصر وأنقذته منه نبوءة يوسف من خلال تفسير الحلم، وبطبيعة الحال ضربات مصر العشر… ولا تقف الكوارث عند ما حدث لأولاد أيوب الذين سقطت عليهم نار الله من السماء (بركان؟) والآخرين الذين هبت الريح من عبر القفر فأسقطت سقف البيت عليهم فماتوا، ثم المرض العضال الذي أصابه هو نفسه، ومرورًا بتعامل الرب يسوع مع المولود أعمى وتفسيره له، وتأمله في البرج الذي سقط على الذين كانوا يتقدمون بذبيحةٍ، ثم إنذاره بوقوع مخاوف وزلازل وأوبئة قبل نهاية الزمن. ولا ننسى في هذا السرد -غير الوافي- اللعنات على الشعب إذا لم يلتزم بالعهد عند دخوله الأرض، ومنها كوارث طبيعية لا تخطئها العين، الضربات ذاتها التي ضُربت بها مصر، ولعنات طبيعية أخرى عند مخالفة عهد دخول الأرض، وواضح فيها أنها كوارث آتية من عند الله مباشرة. أما الكوارث التي حلت بأبناء أيوب فهي من الشيطان مباشرةً أيضًا كما أوضح الكتاب. والضربة التي ضرب بها الرب الشعب بعد إحصاء داود كانت من الرب بنص العهد القديم. لكن كوارث كثيرة لا يصرح الكتاب بأن وراءها قوةً فائقةً للطبيعة، ثم نرى العواصف التي ضربت سفينة بولس ونجاة ركابها بمشورة الرسول. وفي السفر الختامي للكتاب المقدس نرى كوارث طبيعية ضخمة من صب الجمرات بواسطة ملائكة الله، ونرى أيضًا الشيطان وقد نزل وبه غضب عظيم لسكان الأرض يسبب أيضًا كوارث أخرى.

ونبدأ بطرح رؤى كتابية لعلها مفعمة بالأسئلة أكثر من الإجابات.

  • سؤال الكوارث كعقاب من الله يتبعه مباشرةً سؤال هل كل الكوارث الطبيعية هي عقاب من الله؟ أم كوارث بعينها في زمنٍ بعينه في سياق بعينه ويعلن عنها نبيٌّ بعينه في وقتها؟
  • هل هناك كوارث من الشيطان؟ وهل هذه “ضد مشيئة الله” أم بسماح منه؟ هل يستخدمها الله لخير المدعوين حسب قصده؟ أم هي أصلًا في خطته وما الشيطان إلا منفِّذ لهذه الخطة عن طاعةٍ أم عن غير قصدٍ في تمرد الشيطان الدائم على خطط الله ومقاصده؟
  • هل هناك كوارث ليس مصدرها الله أو الشيطان؟ وما معنى وجودنا في عالم ساقط نتعرض فيه “لخليقة تئن وتتمخض” وقد “أُخضعت” هذه الخليقة أي الطبيعة نفسها “للبُطل” أي للعبث وغياب المعنى؟
  • ما معنى “الحماية الإلهية” للمؤمنين في كل هذه الكوارث الطبيعية؟ هل المؤمنون محصنون دون غيرهم ضد الكوارث الطبيعية، فينجون من الزلازل والبراكين، ولا تصيبهم الأمراض ولا الشدائد التي تصيب عامة الناس؟ أم “يُشفَون” منها جميعًا فلا تستمر ولا تستقر عصا الشرير على نصيب الأبرار؟

 

ولعلنا في هذه الشذرات نفحص بعض الإجابات -التي نراها مقنعةً لنا- ولكننا قطعًا حتى في هذه الإجابات نوقن أننا سنثير مزيدًا من الأسئلة للقارئ النشط روحيًّا المستعد “لفحص الكتب” بكل يقظةٍ وانفتاح.

الطوفان ونار سدوم وعمورة

لا يمكن لمنصف ألا يلاحظ أن لغة الإصحاحات الأحد عشر الأولى من سفر التكوين مختلفة عن لغة ما يعقبها من أسفار موسى الخمسة. فلا نستطيع أن نفهم مثلًا الأعمار الطويلة بشكلٍ لا تستوعبه عقولنا اليوم؛ مئات السنوات. وإن كنت أذكر في أول محاضرةٍ لمادة الصحة العامة في كلية الطب أن الأستاذ ذكر أنه لولا الملوثات والميكروبات وما يتعرض له الإنسان من أخطار الصحة العامة لكان متوسط عمره سبعمائة عام!

لكن هذه المنطقة من العالم شهدت مرارًا وتكرارًا فيضاناتٍ كارثيةً ضخمةً مُسجَّلةً في تاريخ أمم ما بين النهرين ومصر والآراميين وغيرهم. ولعل طوفان نوح قد غمر “الأرض” بمعنى الأرض المعمورة بالسكان كما يعرفها قُرَّاء الأسفار الخمسة في عصرهم، وفق عددٍ كبير من المفسرين كاليكوت ولانج… وغيرهما (Ellicott’s Commentary, Lange’s Commentory) . في كل الأحوال ارتبط الطوفان بعبارات لا شك فيها بقرار أن يمحو الرب عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقه مع بهائم ودبابات وطيور السماء (تكوين 6: 7).

يتسق هذا الإعلان تمامًا مع إعلانٍ آخر عن غضب الله على سدوم وعمورة؛ إذ “أَمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتًا وَنَارًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ” (تكوين 19: 24) وهل نتصور أن النار والكبريت ما هما إلا نشاط بركاني؟ هذا ما يشير إليه إليكوت أيضًا. بينما بارنز Barnes يقترح نشاطًا بركانيًّا أو زلزالًا يؤدي إلى أن يقذف البحر الميت موادًا ملحيةً وأسفلتيةً مُحرِقة، أو عاصفة رهيبة مصحوبة ببرق وصواعق ومطر مُحمَّل بكبريت. ولا يختلف تفسير جايمسون وفوست وبراون JFB المحافظ عن هذين الاحتمالين أيضًا.

 

نار الله من السماء على الغلمان وأبناء أيوب وريح شديدة

من جهةٍ أخرى، لا يخفي الكتاب مصدر كارثتَيْن طبيعيَّتَيْن حدثتا لغلمان أيوب وأبنائه فقضت على حياتهم، الشيطان الذي أطلق الله حريته كان وراء هاتين الكارثتين (أيوب 1: 12). لكن يقول الكتاب إن “نار الله” سقطت من السماء فأحرقت الغنم والغلمان (أيوب 1: 16). وهنا يرى إليكوت أن نار الله هي صاعقةٌ على الأغلب. ويوافقة بنسون Benson في هذا مؤكدًا أنه رغم أن هذه الصاعقة أو العاصفة الرعدية الضخمة المحملة بالصواعق- موصوفة أنها “نار الله” فهذا ليس إلا وصف لضخامتها. فمصدرها ليس “إلهيًّا” بل “رئيس سلطان الهواء” الشيطان نفسه، في حين يفسرها جاميسون وفوست وبراون بأنها رياحٌ حارقةٌ، ومثلها يحدث بتواترٍ في الجزيرة العربية موضع أحداث أيوب. جيل Gill -من جهةٍ أخرى- يقول إن الخادم الذي حمل الأنباء الكارثية هو الذي وصف هذه النار بأنها “نار الله” بينما الوصف غير دقيق؛ لأن الشيطان -من رأي جيل– هو الذي ضلل الخادم ليقول هذا.

هذه النار/ الكارثة الطبيعية، أيًّا كانت هويتها -عاصفة رعدية، رياح محرقة، نشاط بركان… أو أي من هذا- أحرقت الغنم والخدم (الغلمان) لكن كارثةً طبيعيةً أخرى “رياح شديدة” هي التي “جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ” (أيُّوب 1: 19) هنا أولاد أيوب وبناته يموتون من جراء العاصفة الضخمة. لم تتنوع آراء المفسرين إلا قليلًا هنا، فالريح الشديدة هذه هي إما زوبعةٌ أو إعصارٌ أو عاصفة، وهذه ليست مترادفات بل ظواهر طبيعية مختلفة تعبِّر عن قوة رياحٍ مدمِّرة. في كل الأحوال، مصدر هذه الكوارث ليس الله، بل الشيطان.