مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

المسيح والكوارث الطبيعية

Watch Now

Download

المسيح والكوارث الطبيعية

 في كل مرة تهزّنا كارثة طبيعية مثل: زلزال، فيضان أو وباء، يعلو السؤال القديم الجديد: “أين الله مِن هذا؟”، وبصيغة أخرى: “أين المسيح؟”. البعض يرى في هذه الكوارث غضبًا إلهيًّا، والبعض الآخر يشكك في صلاح الله أو حتى في وجوده. لكنّ النظرة الكتابيّة العميقة، خاصة في ضوء شخص المسيح، تقدّم إجابة مختلفة، من وجهة نظري هي ليست إجابة تفسيريّة بقدر ما هي إجابة وجوديّة، وهي تعلن أن الله ليس بعيدًا، بل حاضر في وسط الألم.

وبما أن كل المسيحيين في كل العالم يؤمنون بأن الرّب يسوع المسيح هو مركز إيمانهم، فهو إعلان الله الكامل والنهائي عن نفسه كما يقول الرسول يوحنا “الله لم يَرَه أحد قط، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر” (يوحنا 1: 18)، فالله تكلم بأنواعٍ وطرقٍ كثيرة، ولكن في المسيح نرى الله معنا، فكمال الحضور الإلهي ظهر وتجسد في المسيح يسوع. وبهذا يعتبر المسيح هو المرجعية الأساسية والحاسمة لإيماننا وعقائدنا وسلوكنا المسيحي، لذا نحن نذهب دائمًا للمسيح في أي طرح لاهوتي نقوم به.

إذًا في ضوء ذلك ونحن نقترب من قضية الكوارث الطبيعية بطريقةٍ لاهوتيّةٍ وكتابيّة، لابد وأن نذهب للمسيح في حياته وتعليمه حتى نرى كيف نتعامل نحن المسيحين مع هذه القضية. مع العلم أنه ليس بالضرورة أن نجد لكل مواضيع الحياة والوجود تأصيل في تعليم وحياة المسيح، ولكننا نجد في تعليم وحياة المسيح توجهات ومبادئ تصلح لكل الحياة في كل الجوانب.

لذلك سيرتكز هذا المقال بشكل رئيسي على النص الوارد في إنجيل لوقا والإصحاح الثالث عشر والأعداد من 1 إلى 5، ونسعى في هذا المقال أن نقدم الأفكار الآتية:

  • عرض وشرح للنص الكتابي لوقا 13: 1-5.
  • الكوارث الطبيعية في ضوء الإيمان المسيحي.
  • شخص المسيح وسط الكوارث المؤلمة.
  • المسيح والرجاء وسط الكوارث.

 

 أولًا: النص (لوقا 13: 1–5)

وكان حاضِرونَ في ذلِكَ الوقتِ يُخبِرونَهُ عنِ الجَليليّينَ الذينَ خَلَطَ بيلاطُسُ دماءَهُم بِذَبائِحِهِم. فأجابَ يَسوعُ وقالَ لهُم: “أتظُنّونَ أنَّ هؤلاءِ الجَليليّينَ كانوا خُطاةً أكثرَ من كُلِّ الجَليليّينَ، لأنَّهُم كابَدوا مثلَ هذا؟ كَلاَّ، أقُولُ لكُم! بل إنْ لم تتوبوا فجميعُكُم كذلكَ تَهلِكون. أو أولئكَ الثَّمانيةَ عَشرَ الذينَ سَقَطَ عليهمُ البُرجُ في سِلوامَ فقَتَلَهُم، أتظُنّونَ أنَّ هؤلاءِ كانوا مُذنِبينَ أكثرَ مِنْ جميعِ السّاكِنينَ في أُورُشليمَ؟ كَلاَّ، أقُولُ لكُم! بل إنْ لم تَتوبوا فجميعُكُم كذلكَ تَهلِكون.”

يتحدث النص هنا عن كارثتين: الأولى هي مذبحة سياسيّة، والثانية هي حادثة طبيعية. الكارثة الأولى هي الجليليون الذين قتلهم بيلاطس وهو يخلط دمهم بذبائحهم، أي على الأغلب داخل الهيكل. والكارثة الثانية هي أن برج في سلوام سقط على 18 شخصًا بشكل تلقائي ومفاجئ.

وفي ذلك الوقت، كان هناك اعتقاد شائع أن من يموت بطريقة مأساوية أو يصاب بكارثة، فلا بد أنه أخطأ خطية عظيمة، وهذا ما رأيناه مثلًا مع المولود أعمى في (يوحنا 9: 2) عندما سُئِل المسيح عنه هذا السؤال: “مَن أخطأ، هذا أم أبواه؟”، فالكوارث المختلفة والمتنوعة كانت تُرى كعقوبة مباشرة من الله.

ولكننا هنا نرى الرّب يسوع يرفض هذا المنطق تمامًا، ويؤكد أن لا الجليليين كانوا أشرّ، ولا ضحايا البرج كانوا أكثر خطية، وأيضًا لا يتوقف عند هذا النفي، بل ينتقل إلى دعوةٍ جماعيةٍ للتوبة. فالرّب هنا يؤكد بوضوح وحسم أن الكوارث ليست دائمًا نتيجة مباشرة لخطيئة فردية، ولكنها تذكير بأن الحياة على هذه الأرض هشّة ومحدودة، وبدل مِن أن نسأل: “لماذا هم؟”، الأفضل أن نسأل: “هل أنا مستعد؟ هل أنا تائب؟” فدعوة المسيح هنا ليست لفهم سرّ كل كارثة، بل للاستعداد الروحي الدائم.

ونستطيع من هذا الحدث أن نستنتج بعض الدروس اللاهوتيّة والروحيّة مثل:

  • تصحيح فكرة الجزاء الفوري: فليس كل ألم أو موت نتيجة لخطية معينة، هناك أبرياء يتألمون، وأشرار ينجون مؤقتًا، فالعدالة الإلهية لا تُقاس دائمًا بمعاييرنا الزمنية
  • التوبة كاحتياج أساسي في العالم الساقط: يسوع لا يعطينا جوابًا عن الكارثة، بل دعوة لتغيير القلب، فالكارثة تذكّرنا بأننا لسنا خالدين، وأن الوقت الآن هو وقت التوبة.
  • مساواة الجميع في الحاجة إلى النعمة: سواء كنت من الجليليين أو من سكان أورشليم، الكل مدعو للتوبة، فلا فرق في الخطورة الروحية بين مَن مات في حادثة وبين مَن ما زال حيًّا.

 وبعد أن استعرضنا النص الأساسي الذي نبني عليه موقف المسيح من الكوارث الطبيعية، نريد الآن أن نقدم فكرة الكوارث الطبيعية في ضوء الإيمان المسيحي.