مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

النص والتفسير بين الثابت والمتغير

Watch Now

Download

النص والتفسير بين الثابت والمتغير

هناك تاريخ طويل في التراث المسيحي في التعامل مع الكتاب المقدس بصورة تختلف عن أية كتابات دينية، أو روحية. هذا التاريخ يضرب جذوره في اليهودية، وبالتالي يعود لعدة آلاف من السنين. ولا بد أن ننوه أن أفضل حالات شعب الله في القديم، ثم الكنيسة في العهد الجديد ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بمكانة الكلمة المقدسة في حياة شعب الله. ففي الوقت الذي أُهمِلت فيه الشريعة والوصية، أو غُلِّبت تعاليم البشر -حتى لو كانت تعاليم لاهوتية وعقائدية- وأُعطيت سلطانًا فوق سلطان نص الكلمة المقدسة، انتشر الشر وغاب العدل، ودب الفساد في جسد شعب الله. لذلك يجدر بنا في هذه المقالة القصيرة أن نذكر أنفسنا، ليس فقط بأهمية الكلمة المقدسة، بل أيضًا بالفارق الهائل في فكرنا المصلح بين النص المقدس، وأية تعاليم بشرية سواء كانت تفسير لهذا النص، أو عقيدة مبنية عليه. ومن هنا سنحاول أن نتعرض بأكثر وضوح لماذا تنظر كنيسة المشيخية المصلحة إلى النص المقدس كحق مطلق، بينما نتعامل مع كل اجتهاد بشري سواء في تفسير النص أو استخراج تعاليم وعقائد منه كحق نسبي. وفي نهاية المقال، نرجو أن نخرج ببعض التطبيقات العملية التي تعكس هذا المفهوم الذي هو في صميم الفكر المصلح.  

مكانة النص المقدس على مدى التاريخ:

أولاً في اليهودية:

لقد تعامل الشعب اليهودي باحترام شديد مع الكلمة المقدسة، وآمنوا بأن ما ورد فيها هو كمال إعلان مشيئة الله، وأن اتِّباع وصايا الله هو الطريق والضمان للسير في رضاه. لقد درج اليهودي منذ صباهم على تعلُّم ما ورد في شريعة موسى من تحذيرات ترك الشريعة في مقابل بركات العمل بها، وحفظوا تأملات داود النبي التي تغنَّى فيها بجمال شريعة الله التي لا مثيل لها، وفيما يلي بعض الأمثلة لتذكيرنا:

  • “وَجِّهُوا قُلُوبَكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَنَا أَشْهَدُ عَلَيْكُمْ بِهَا الْيَوْمَ، لِكَيْ تُوصُوا بِهَا أَوْلَادَكُمْ، لِيَحْرِصُوا أَنْ يَعْمَلُوا بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هَذِهِ التَّوْرَاةِلِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَمْرًا بَاطِلًا عَلَيْكُمْ، بَلْ هِيَ حَيَاتُكُمْ. وَبِهَذَا الْأَمْرِ تُطِيلُونَ الْأَيَّامَ عَلَى الْأَرْضِ” (تث 32: 46- 47).
  • “اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ.فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ،وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ،وَارْبُطْهَا عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ،وَاكْتُبْهَا عَلَى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ وَعَلَى أَبْوَابِكَ” (تث 6: 4- 9).
  • اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تَنْسَى الرَّبَّ إِلَهَكَ وَلَا تَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَأَحْكَامَهُ وَفَرَائِضَهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ… وَإِنْ نَسِيتَ الرَّبَّ إِلَهَكَ، وَذَهَبْتَ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى وَعَبَدْتَهَا وَسَجَدْتَ لَهَا، أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ أَنَّكُمْ تَبِيدُونَ لَا مَحَالَة” (تث 8: 11، 19).
  • نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ، شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الْجَاهِلَ حَكِيمًا، وَصَايَا الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ تُفَرِّحُ الْقَلْبَ، أَمْرُ الرَّبِّ طَاهِرٌ يُنِيرُ الْعَيْنَيْنِ،خَوْفُ الرَّبِّ نَقِيٌّ ثَابِتٌ إِلَى الْأَبَدِ. أَحْكَامُ الرَّبِّ حَقٌّ عَادِلَةٌ كُلُّهَا، أَشْهَى مِنَ الذَّهَبِ وَالْإِبْرِيزِ الْكَثِيرِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقَطْرِ الشِّهَادِ، أَيْضًا عَبْدُكَ يُحَذَّرُ بِهَا وَفِي حِفْظِهَا ثَوَابٌ عَظِيمٌ” (مز 19: 7- 11).

ولقد تعلم اليهود الدرس الصعب في السبي، حيث تمرروا من العبادات الوثنية، وقاسوا من عادات الشعوب التي سبوا إليها كتقديم الأبناء ذبائح وغير ذلك من رجاسات الأمم. وإن كان هناك درس مفيد من أزمة السبي يكون هو نمو إدراك الشعب لأهمية الكلمة المقدسة التي من خلالها كان لهم أن يختبروا معية الله وعنايته، لذا صار الناموس مركزًا للعبادة عوضًا عن الهيكل الذي هدم، فأقيمت المجامع في كل مدينة تشتت إليها اليهود، حتى يتعلم الشعب وصية الله ولا يعود يهملها.

ثانيًا في أيام السيد المسيح والرسل:

كان العهد القديم هو الكتاب المقدس الذي تعلَّمه السيد المسيح وحفظه منذ صباه، وعندما بدأ خدمته الجهرية، نجده يقرأه، ويقتبس منه ويشير إليه هو وتلاميذه. وعلى الرغم من أن قانونية العهد القديم لم تكن قد أُقرَّت رسميًّا آنذاك، إلا أن دراية السيد المسيح وتلاميذه بكل العهد القديم تقريبًا واقتباسهم من أسفار التوراة (أسفار موسى الخمسة)، والأنبياء (الكبار والصغار) والكتوبيم (باقي الأسفار التاريخية والمزامير) هو أمر مبهر بالتأكيد.

فنجد السيد المسيح يقتبس من أسفار الشريعة ليرد على تجارب إبليس واحدة واحدة (قارن مت 4: 4، 7، 10 بـ تث 8: 3: 6: 16؛ 6: 13). ونجده يؤكد أنه لم يأتِ لينقض الناموس بل ليكمله -أي يتممه ويحقق الوصية بتمام عمقها وشمول اتساعها كما قصدها الله- (مت 5: 17). لقد أكد السيد له المجد إنه حتى تزول السماوات والأرض، لن يزول حرفٌ واحدٌ، ولا نقطةٌ واحدةٌ من الناموس (مت 5: 18). وفي بداية خدمته الجهرية، دخل مجمع الناصرة وقرأ من سفر إشعياء (إش 61: 1- 2) وقال للمتعبدين: “إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هَذَا المَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ” (قارن إش 61: 1، 2 بـ لو 4: 18- 21). وبالمثل اقتبس السيد من نبوة إشعياء ليرد على تساؤلات المرسلين من قِبَل يوحنا المعمدان إن كان يسوع هو المسيا أم عليهم انتظار آخر، مؤكدًا لهم أنهم يرون بأعينهم تحقيق النبوة من فتح أعين العمي، وشفاء العرج، تقديم البشارة للمساكين… إلخ (قارن مت 11: 2- 6 بـ إش 29: 18؛ 61: 1). وفي مرات أخرى عديدة كان يوضح الكتب لتلاميذه وينير أعين الجموع بالمكتوب، أو يُشهِد مقاوميه من قادة اليهود على أنفسهم مقتبسًا النبوات.

وبالمثل أيضًا فعل تلاميذ السيد وكُتَّاب العهد الجديد، حيث ربطوا كل ما كانوا يرونه من تعاليم السيد المسيح وحياته والآيات التي صنع بالنبوات التي وردت في أسفار العهد القديم عن المسيا، ونفس الأمر فعله البشير لوقا، عندما رأى ميلاد الكنيسة يحقق نبوات يوئيل النبي. ويصعب علينا أن نحصي الاقتباسات والإشارات من العهد القديم التي وردت في عظات بطرس واسطفانوس وكذلك في تعاليم بولس، وهم يربطون حاضرهم بما أورده الوحي المقدس مئات السنين قبل الميلاد. 

ثالثًا في العصور الوسطى:

            تغطي العصور الوسطى الحقبة من القرن الرابع الميلادي، لاسيما مع إعلان قسطنطين المسيحية كالديانة الرئيسية للإمبراطورية الرومانية، وتمتد حتى القرن السادس عشر، وبالتحديد مع ظهور الإصلاح الإنجيلي.

لقد شهدت العصور الوسطى للأسف تدهورًا شديدًا في علاقة الكنيسة والشعب بالكتاب المقدس. فقد نجح الإكليروس في أن يستأثروا بسلطة قراءة الكتاب المقدس وتفسيره وتأسيس العقائد المسيحية من تفسيراتهم له، وقصروا ذلك على أنفسهم حتى صارت تعاليم البابا معصومة وأصبح في يد الباباوات والكهنة وحدهم حق الحكم على الإيمان والأعمال. فلا عجب أن تخرج في ذلك العصر عقائد فاسدة مرتبطة بسلطة الكهنة في غفران الخطايا، وسلطة الكنيسة في الحل والربط، والتحليل والتحريم، وظهرت عقائد مثل عقيدة المطهر وعصمة البابا وغير ذلك.

رابعًا في زمن الإصلاح:

            يمكننا أن نسجل هنا أن أهم ما يميز زمن الإصلاح من جهة مكانة الكتاب المقدس هو إدراك المصلحين لسمو سلطة الكتاب فوق كل سلطة أخرى، وهو ما عُبِّرَ عنه بالمبدأ الشهير “الكتاب المقدس وحده”sola scriptora ،  وقد ترتب على هذا الأمرالإقرار بحق كل إنسان أن يقرأ الكتاب المقدس بذاته، وإن فهم الكتاب وتفسيره ليس قاصرًا على الإكليروس.

عندما تيقن المصلحون أن الكتاب المقدس وحده جدير أن يكون المقياس الوحيد المعصوم للإيمان المسيحي والأعمال والسلوك، لم يعد للتقليد أو تفسيرات الإكليروس أو الباباوات وما يقرونه من عقائد، سلطة مكافئة أبدًا للكتاب المقدس. لقد أصبحت قيمة كل هذه المجهودات البشرية نسبية، تستمد قيمتها من مدى توافقها واتساقها مع الكتاب المقدس وليس العكس. هي لها قيمة بالطبع لأنها تمثل تاريخ فهم الكنيسة على مر العصور لكلمة الله، لكنها لا يمكن أن تقف بذاتها كمصدر مستقل للإيمان والأعمال موازٍ أو مقارب للكتاب المقدس. لقد أدرك المصلحون أن التعليم والعقيدة هي تعبير عن فهم البشر لتعليم الكتاب المقدس، سواء كان هذ الفهم مصاغًا في تعاليم البابا أو الإكليروس أو حتى إقرارات مجامع مسكونية. وفيما يلي نموذجان لإقرارات إيمان ظهرت في عصر الإصلاح بشأن الكتاب المقدس توضح إدراكهم للفارق بين كلمة الله، التي تحمل كمال الحق، وأية تعاليم بشرية تكتسب قيمتها وسلطانها من توافقها مع حق كلمة الله:

  1. اعتراف الإيمان للكنيسة المصلحة في فرنسا عام 1559 م

سلطة الكتاب المقدس:

نؤمن بأن الكلمة الموجودة في هذه الأسفار منبثقة من الله ومنه وحده ينبع سلطانها، لا من البشر. وبقدر ما هي قاعدة كل حق؛ إذ تحتوي على كل ما هو ضروري لخدمة الله ولخلاصنا، لا يحق لأي إنسان، ولا للملائكة، أن يضيف عليها أو يزيل عنها أو يغيرها. وبالتالي لا يحق لأي سلطة سواء قامت على أساس الأقدمية أو العرف أو العدد أو الحكمة البشرية أو أحكام أو إعلانات أو مراسيم أو قرارات أو مجامع أو رؤى أو معجزات أن تتعارض مع هذه الأسفار المقدسة. بل على العكس إن هذه الأسفار هي المرجع الأساسي لفحص كل الأشياء وضبطها وإصلاحها. ولذلك نحن نعترف بثلاثة قوانين للإيمان: قانون إيمان الرسل وقانون الإيمان النيقاوي (القسطنطيني) وقانون الإيمان الأثناسي لكونها تطابق كلمة الله.

  1. اعتراف الإيمان الإسكتلندي عام 1560 م

سلطة الكتاب المقدس:

نؤمن ونعترف بأن كتاب الله كافٍ لتعليم إنسان الله وجعله كاملًا، كذلك نؤكد ونصرح بأن سلطة الكتاب هي من الله ولا تعتمد على بشر أو ملائكة، لذا فإننا نؤكد أن القائلين بأن لا سلطة للكتاب إلا تلك المعطاة له من الكنيسة مجدفون على الله ومضرون للكنيسة الحقة التي تسمع صوت قرينها وتطيع راعيها دومًا، ولكنها لا تدَّعي بأنها سيدة فوق صوت سيدها.

 

لماذا يعتبر النص المقدس هو الثابت في فكر كنيستنا المصلحة؟

            من كل ما سبق يتضح لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن شعب الله على مر تاريخه -باستثناء فترة العصور الوسطى المظلمة والتي اقتضت إصلاحًا ثوريًّا- قد تعامل مع نص كلمة الله بكل احترام وإجلال مدركًا أنها تستمد طبيعتها وقيمتها من طبيعة الكاملة وتحمل في جوهرها سمة مصدرها الله الذي لا يعتريه تغيير ولا ظل دوران: “وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا” (2بط 1: 19). فإن كنا نؤمن أن الله كاملٌ ومُطلَقٌ، فمن الطبيعي أن نرى في كلمته الكمال. إذًا نحن نؤمن أن كل ما ورد في الكتاب المقدس هو رسالة الله الصادقة التي تحوي حقًّا كاملاً، لا زيف فيه، معلن فيه مشيئة الله: “لِأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ (2 بط 1: 21). هذه الكلمة هي الإعلان الكافي عن طريق الخلاص للبشرية الساقطة، يسوع المسيح مخلص العالم: “وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلَاصِ، بِالْإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (2تي 3:15 ).

فالروح القدس هو من دفع كُتّاب الأسفار المقدسة ليكتبوا ما كتبوا، وهو الذي ساقهم ليسجلوا الرسالة التي أرادها أن تصل إلى البشرية، وهو الذي يُحدِث الأثر والفعالية للكلمة حسب مشيئة الله: “لِأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ” (عب 4: 12). ولهذا وصفت كلمة الله “بالمطرقة التي تحطم الصخر” (إر 23: 9) و”كالنار التي تأكل الهشيم” (إر 5: 14).