مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

اليصابات: شاهدة وشريكة العمل الإلهي

Watch Now

Download

اليصابات: شاهدة وشريكة العمل الإلهي

مقدمة:

تتناول معظم التفسيرات الكثير عن مريم العذراء لتميز دعوتها من الله، فلقد اختارها الله من دون نساء البشر لتكون والدة المسيا، وكان حملها مُعجزي بواسطة الروح القدس مع أنها كانت مخطوبة ولم تعرف رجلًا. يُعطي الكتاب المقدس مكانة كبيرة لها وسرد لآلام محبتها والسيف الذي جاز نفسها وهي تنظر آلام الصليب. ولكن من النادر والقليل ان نقرأ عن شخصية اليصابات وهذا بسبب قلة ما ذكر عنها وعن مواقفها مع زكريا النبي ومريم العذراء. لكن الوحي المقدس لا يذكر تلك الشخصيات دون ان يكون له غرض من ذلك. شخصية اليصابات تبعث بالكثير من الدروس والعِبَر التي نحتاجها اليوم في مسيرنا مع الرب وفي الطريقة التي نفكر بها نحو الكثير من الأمور. ولكن قبل ان نقترب إلى شخصية اليصابات دعونا نتأمل في القصة التالية اولًا.

زيارة ملكية

في يوم من الأيام، ذاع خبر أن أحد ملوك دولة شهيرة قد زار حي فقير. وفور اعلان ذلك الخبر بدأت الجموع هناك بالاستعداد للقاء ذلك الملك. تأكد الجميع من موعد وصول تلك الشخصية المرموقة وتم توزيع الأدوار للترحيب بها. وأخيرًا جاء ذلك اليوم المنشود وتهافت الجمع للقائه، كان ذلك اليوم مبهجًا بحق ومليء بالفعاليات والأحداث وغدا الكل سعيدًا. بعد مرور ذلك اليوم المزدحم والمليء بالأحداث كانت ردود الفعل صادمة، كان من المتوقع ان يكون موضوع حديث الناس هو شخصية الملك، الذي قاله، الذي فعله الخ. لكن كانت كل الأحاديث والحوارات تدور حول اهل ذلك الحي نفسهم، كانوا يتجادلون ويتنافسون فيما بينهم: من الذي كان له الدور الأكبر في الترحيب بالضيف٬ من الذي استطاع ان يتحدث معه٬ ومن الذي استطاع أن يحصل منه على توقيع الخ. وأدى ذلك الى شجار عنيف واختفى ذكر الملك وعلى صوت الضجيج والاعتراك. ومن هنا كان شهود العيان هم محور الحدث، يتسابقون ويتهافتون لإثبات من فيهم الأعظم والأحق بالتقدير والتصفيق.

قام الله ايضًا بزيارة الهية مقدسة لقلب امرأتين بمقاييس العالم هم أفقر الفقراء. كانت مريم فتاة بسيطة مخطوبة ليوسف النجار وزارها الملاك حاملًا لها بشارة عظيمة انها ستكون والدة المسيح ابن الله ومخلص العالم. أما أليصابات كانت امرأةً عجوزًا وعاقرًا تتلقى هي الأخرى دعوى من الله أنها ستكون أم يوحنا المعمدان الذي سيُمهد الطريق أمام مخلص العالم في وقت متزامن لدعوة مريم. ولكن هل تأخذ هذه القصة نفس مسار القصة السابقة ونفس نهايتها؟

أيهما أفضل؟

نرى في المشهد امرأتين تمت دعوتهن من قِبَل الرب لعمل محدد في قصة الخلاص العظمى، ودعوتهن تشترك في قصة ميلاد الرب يسوع. هن لم يكنَّ شهود عيان فقط لكنهن كانا شركاء مع الله في الحدث العظيم ألا وهو المسيح وتجسده في أرضنا. هذا الحدث العظيم الذي اشتاق أي شخص ان ينتسب اليه، وأن يكون له أي دور فيه. فاذا اقتربنا الى اليصابات، نرى أنه بالرغم من أنها كانت ابنة وزوجة كاهن، وكانت معروفة ببرّها وتقواها الا أنها مع الأسف كانت تشعر بالعار والخزي لعدم انجابها حتى أصبحت عجوزًا وعاقرًا، خاصةً أن إحدى وظائف المرأة اليهودية الأساسية في هذا الوقت كانت إنجاب الاولاد وكانت بمثابة علامة البركة من الرب. فبعد نوال اليصابات هذا الموعد العظيم كان لابد ان اسأل نفسي: الم تنظر اليصابات ابدًا بعين الغيرة لمريم ولو للحظة واحدة؟ الم تفكر بداخلها وتقارن دعوتها بدعوة قريبتها الصغيرة بالعمر؟ الم يراودها ذلك التساؤل: أي دعوة هي الأعلى قيمة؟ دعوة مريم والدة المخلص شخصيًا أم دعوة اليصابات والدة شخص آخر ينادي بعظمة المخلص ويخدمه، وهدف حياته الوحيد هو انكار نفسه والمناداة بأن المسيح يجب أن يزيد وأنه هو ينبغي أن ينقص؟ من الطبيعي ان تشعر كل أم بالفخر بذريتها وكلما ارتفعت الذرية بالقامة، زاد فخر الأم وقيمتها في عين نفسها وعين الآخرين. يضرب لنا الكتاب المقدس مثالًا قويًا بأن القصة يمكن ان تأخذ منحى آخر عندما يكون الله هو سيد المشهد وسيد القلوب.

تواضع اليصابات المُتفرِد

يذكر لنا الوحي رد فعل اليصابات الذي يخالف كل التوقعات البشرية. كانت اليصابات نقية في دوافعها، مليئة بالابتهاج والامتنان لعمل الله من خلالها ومن خلال مريم: فَقَامَتْ مَرْيَمُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَذَهَبَتْ بِسُرْعَةٍ إِلَى الْجِبَالِ إِلَى مَدِينَةِ يَهُوذَا، وَدَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا وَسَلَّمَتْ عَلَى أَلِيصَابَاتَ. «فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَصَرَخَتْ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَتْ: مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي. فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ».

هل لنا ان نتخيل فارق السن بين اليصابات ومريم؟ هل لنا أن نتخيل أن اليصابات، كونها ابنة كاهن وزوجة كاهن تقي، وحياة تقواها ونذرها للرب طوال أيام عمرها كانت تجعلها ربما في عين نفسها أحق بدعوة مريم؟ لكن رد فعل اليصابات كان ملئ بالتواضع، تقول لمريم بكل تواضع وخشوع انها مُباركة بين النساء، كانت خاضعة ومُسَّلِمة بدعوة الله ومشيئته. قَبِلَت الدعوة لأن المحور لم يكن حول دورها او مكانتها بين النساء ولكن كان المحور هو الله نفسه. كانت اليصابات تقبل من يد الرب بطاعة كاملة ما عيَّنه الله لها ودعاها اليه. لم تفكر في لحظة أن الله وضعها في مرتبة اقل أو انه بخس حقها أو لم يعطها التقدير اللائق كما اعطى لقريبتها مريم. بل على العكس كانت تشعر بفيض نعمة الله وعطيته الغنية لها.

من السهل جدًا أن ننخدع من قلوبنا حين ننظر الى الدعوة التي اعطانا الله إياها، فنبدأ في تقييم الدعوة ومقارنتها بدعوة شخص آخر. ويحدث هذا كثيرًا في مجال الخدمة وخاصة إذا كانت دعوة الله غير منظورة ولا يُلقى عليها الضوء كدعوة شخص آخر. وهنا تأتي غواية ابليس٬ نبدأ في الشك، ونَصغُر في عين أنفسنا ونسعى أن نشابه من حولنا، وأحيانا نُشَتِت أنفُسنا ونُضيع من وقتنا في محاولتنا ان نكون شخص آخر غير ما دعانا الله ان نكونه.  فتصير الدعوى أهم من صاحب الدعوى، وتصير قيمة الشخص فيما يفعله وليست فيمن يفعله لأجله. ولأجل ذلك احيانًا نرى التنافس والغيرة، الحسد، التحزب، والشقاق داخل اسوار الكنيسة وفي حقل الخدمة.

اليصابات المُلهِمة

في الحقيقة إن نظرنا بالتدقيق لقصة اليصابات نرى أن دورها ليس قليلًا او مهمَّشًا، بل على العكس تمامًا! فبالإضافة لكونها أم يوحنا، فلقد ميَّزَها الله واعطاها عطية العطايا، عطية الامتلاء من الروح القدس! نرى انه مكتوب عنها انها امتلأت بالروح القدس وأنها أول من أعلنت بصوت نبوي عن المسيح انه رب!  فصرخت بابتهاج “من اين لي هذا ان تأتي ام ربي الي؟” فبينما كان زوجها زكريا في فترة من الصمت بعد ما انتابه الخوف، نالت زوجته صوتًا نبويًا قامت من خلاله بتأييد دعوة مريم وتشجيعها. نرى أيضًا علاقة صداقة وأُلفة جميلة بين مريم وأليصابات. فحالما علمت مريم أن اليصابات أيضًا حُبلى بيوحنا ذهبت سريعًا للقائها في اتضاع عظيم من ناحيتها هي أيضا ومكثت معها ثلاثة أشهر. ونلاحظ كيف عظّمت مريم الله وابتهجت به، واستقبلت اعلان الله لها بأن جميع الأجيال سُتطُوِبها وكلمات الحكمة والاعلان التي نطقت بها في ترنيمتها الشهيرة: «تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي، لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ، وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ. صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ. أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ. أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ. عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً، كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا. لإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ». والتي نطقت بها جميعا بعد امتلاء اليصابات المُتضِعة من الروح القدس، وإعلانها لربوبية المسيح بصوت نبوي والتي فيها تؤيد وتؤكد دعوة مريم العظمى.

وأنا أظن ان الملاك ربما قد أخبر مريم عن خبر حمل اليصابات لعلمِهِ باحتياج مريم كشابة صغيرة لصديقة تقيَّة وحكيمة، تستطيع أن تفهم دعوتها وتؤيدها. الحقيقة هي أن اليصابات قامت بدورِ نبويِ عظيم مع مريم، فها مريم تركض للقاء اليصابات بعد أن استقبلت الخبر من الملاك، الخبر الذي يستحيل تصديقه والذي يهدد سمعتها كفتاة لم تتزوج بعد. وأتوقع أن مريم بالرغم من إيمانها الحقيقي واتكالها على الرب، كانت في احتياج حقيقي للاحتواء والتشجيع. كان صوت الروح القدس من خلال أليصابات هو المسدد العظيم لاحتياج مريم في هذا الوقت الفارق في رحلة إيمانها مع الرب. وكم نحتاج نحن أيضًا الى ذلك الصوت الداعم لنا في مسيرنا مع الهنا. فهو يتكلم لنا ايضًا من خلال شركة المؤمنين الحقيقية الداعمة، فلا يستطيع المؤمن أن يسير بمفرده في رحلة الحياة دون أن يحتاج للجسد الذي رأسه المسيح. حقًا، ما أعظمها هي البركات التي ذخَّرها الله لنا في شركتنا معًا كمؤمنين.

فجر جديد

اذن نحن نرى أن شهود العيان لميلاد المخلص لم يكونوا فقط شهود للحدث ولكنهم كانوا شركاء مع الله في قصة خلاص الانسان. رجاء الميلاد الذي لم يغير العالم فقط، بل غير حياة كل من عاين هذا الحدث بشكل شخصي. فمُعاينة تلك الشخصيات للمسيح أنارت لهم الحياة وأشبعت لهم عمق الاحتياج. هذا هو الرب يسوع! لا يمكن أن نتقابل معه ونخرج كما كنَّا. فعنده الخير، الشبع، الفرح الحقيقي، والحياة بأكملها. فحتى وهو جنين في بطن أمه كان يُشرِق بنوره ورحمته وفيض عطاياه لكل من اشترك في قصته. نشكرك أيها الرب يسوع لأن ميلادك هو ميلاد الأمل والفجر الجديد ليس فقط لاليصابات أو لمريم، بل لكل من تمسك بك واتخذك مخلصًا، ملكًا، وربًا لحياته. آمين.