تزاوج النسبي بالمُطلق الصهيونية المسيحية نموذجًا
- Sermon By: ق. بيتر وديع
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
مرَّ الفكر الإنساني الفلسفي بمراحل عديدة ومتنوعة، فلقد صاغ الإنسان العديد مِن الأفكار والفلسفات، مُنذُ أن قامت حضارات ما بين النهرين والحضارة المصرية والقديمة، ثمّ الحضارة اليونانية والرومانية، وبعد ذلك نشأت المسيحية والإسلام، مرورًا بعصر النهضة والإصلاح والتنوير، حتى وصلنا إلى الحداثة وما بعد الحداثة. وعلى مَر كُل العصور كان هُناك دائمًا جدل بين علاقة النسبي بالمُطلق. ولقد اختلف المُفكرون والفلاسفة في تعريف ما هو المُطلق وما هو النسبي، واختلفوا أيضًا على طبيعة كُلٍّ منهما، وحدود العلاقة بينهما. ولكن الأكيد مِن دراسة تاريخ الفلسفة أنه في كُل الحقب وعلى مدار التاريخ الفكري للإنسانية، كان دائمًا يوجد مُطلق ويوجد نسبي أيضًا، ويوجد تفاعل وعلاقة بين بعضهم البعض.[1]
وأما بالنسبة للمؤمنين بالله، فالمُطلق معروف وواضح وضوح الشمس، فهو شخص الله الحي -جلَّ جلاله- وأحكامه ووصاياه. وذلك لأن المُطلق في أبسط تعريفاته هو اللامحدود وغير المرتبط بالزمان والمكان، وهذا لا ينطبق إلا على الله -سبحانه تعالى- وما جاء في أحكامه وشرائعه. والنسبي بالنسبة لنا معروف أيضًا فهو كُل ما هو محدود ومرتبط بالزمان والمكان. والعلاقة بين النسبي والمُطلق هي علاقة التطّلع والشوق ورغبة في الاتحاد دون اختلاط أو تزاوج، كما أكدت جميع الأديان.
ولكن تأتي المُشكلة عندما يخلط أتباعُ الديانات النسبيَّ الدنيويَّ بالمُطلقِ المُقدّس، ويسعون لتزاوج المُطلق الثابت وغير المحدود بالنسبي المُتغير والمحدود، وهذا ما رأيناه في محاولات خلط الدين بالسياسة، وربط الهوية الدينية بالقومية العرقية، ومساواة التفسير الاجتهادي بالنص المقدّس.
لِذا سيحاول الباحث في هذه الورقة البحثية أن يُبرز خطورة مثل هذه العلاقة مِن تزاوج مغلوط بين النسبي والمُطلق، مُتخذًا “الصهيونية المسيحية” نموذجًا، وسيجتهد الباحث في توضيح الموقف المُتزن للإنجيليين العرب، الذين يرفضون هذه المزاعم المغلوطة فلسفيًّا ودينيًّا وعمليًّا، والتي شوهت الفكر والحضارة الإنسانية، وأدخلت المسيحية في الحروب والصراعات، وبرّرت القتل وسفك الدماء باسم الدين، وسببت الحرج للمسيحين بشكل عام، والمسيحيين العرب بشكل خاص.
أولًا: الصهيونية واليهودية
بداية الصهيونية
يغلب على ظن الكثيرين أن الصهيونية حركة دينية قديمة، وأنها مرتبطة بما ورد من الوعود لإبراهيم. وفي الواقع أنها ليست بالحركة الدينية، وليست بالحركة القديمة في بني إسرائيل أنفسهم، ولكنها حركة سياسية تابعة لقيام الدولة وسقوطها في بيت داود. فغاية ما بلغه إبراهيم تحت قمة صهيون أنه أشترى قبرًا هناك بالمال كما جاء في الإصحاح الثالث والعشرين من سفر التكوين في العهد القديم.[2]
ومضت القرون بعد إبراهيم إلى عهد موسى، ثمّ مضت القرون بعد موسى، ثم نجد في سفر القضاة أن بيت المقدس كانت في أيدي اليبوسيين، حتى تولى أورشليمَ داودُ، وخلفه سليمان فبنى الهيكل المشهور، ثم جاء الأسر البابلي وأصبح الحنين إلى صهيون رمزًا للحنين إلى عودة المملكة، وتحولت الوعود الإلهية في كتبهم تحولًا جديدًا مع مصالح سياسية.[3]
ولما جاء المسيح أنكر كهنة الهيكل رسالته، وآمن به بعض اليهود، وبعض أبناء الأمم المقيمين في فلسطين واحتج القوم عليه بوعد إبراهيم، فقال لهم: إن أبناء إبراهيم بالروح هو المدعوون للخلاص، فكل من آمن بدينه فهو من أبنائه، ولا فرق بين اليهودي واليوناني، لأن ربًّا واحدًا للجميع، كما جاء في رسالة رومية.[4]
عودة الدولة اليهودية
وبعد السيد المسيح في عام 70م جاء القائد الروماني تيطس، وقام بحصار وتدمير أورشليم تدميرًا كاملًا، ولم يترك حجرًا على حجر في هيكل الملك السليمان كما تنبأ السيد المسيح مِن قبل، وتشتت اليهود في كُل بقاع الأرض وكان لسان حالهم كما عبّر عنهم تيودور هيرتزل الآتي:
لقد حاولنا بصدق في كل مكان أن ندمج أنفسنا مع الحياة الاجتماعية في المجتمعات التي نتواجد بها، وأن نحافظ على معتقدات آبائنا، ولكن لا يُسمح لنا بذلك. ونحاول بلا طائل أن نكون وطنيين مخلصين، بالرغم من أن درجة إخلاصنا تصل في بعض الأحيان إلى أقصى الحدود، وبلا طائل نقدم التضحيات ذاتها من الممتلكات والأرواح التي يقدمها نظراؤنا من المواطنين، بلا طائل نسعى إلى رفعة اسم البلد الذي ولدنا به في العلوم والفنون، أو لزيادة ثرواته من خلال التجارة والمعاملات التجارية. ففي البلاد التي عشنا بها لقرون، ما زلنا نُنعت بعبارة “الغرباء”، حتى من قبل هؤلاء الذين لم يكن أسلافهم قد أقاموا بعد في تلك البلاد التي طالما عانى اليهود فيها. [5]
وكان تيودور هيرتزل هو مؤسس فكرة الصهيونية الحديثة، والذي حثّ على عودة دولة إسرائيل وقيام الدولة اليهودية كما وعد بها الرّبُّ -مِن وجهة نظره- إبراهيمَ مِن النيل إلى الفرات، وتكوين قوة سياسية وعسكرية، ومركز للعبادة اليهودية من جديد كما كان أيام الملك داوود وسليمان، وكان لديه مُخطط شامل وكامل للعودة، فعلى سبيل المثال قال الآتي:
إن تأسيس دولة جديدة ليس بالأمر السخيف أو المستحيل، فقد شاهدنا خلال حياتنا أحوال الأمم التي لم تكن حتى من أعضاء الطبقة الوسطى، بل كانت أفقر من ذلك، وأقل في التعليم، وبالتالي أضعف منا. وستحرص حكومات الدول التي أصابتها البلايا بسبب معاداة السامية على مساعدتنا لنحصل على السيادة التي نسعى إليها. وسيتم تنفيذ هذه الخطة البسيطة من حيث التصميم، والمعقدة من حيث التنفيذ، من خلال وكالتين: جمعية اليهود والشركة اليهودية. وستقوم جمعية اليهود بالعمل الإعدادي في ميادين العلم والسياسية، ثم تتولى الشركة اليهودية تنفيذها بشكل عملي فيما بعد.[6]
والذي يؤكد أن الهدف مِن العودة ليس دينيًّا هو أن خطة العودة في البداية كانت تُخطط لإقامة الدولة اليهودية إما في فلسطين أم الأرجنتين، فالخطة كانت تبحث عن المكان الخصب والمناسب لقيام الدولة أكثر مِن الاهتمام بتحقيق الوعود الدينية كما يزعم أتباع الصهيونية، فهذا ما قاله هيرتزل:
هل يتعين علينا اختيار فلسطين أم الارجنتين؟ سنأخذ ما يعطى لنا، وما يختاره الرأي العام اليهودي، وستقوم الجمعية بتحديد هاتين النقطتين. فالأرجنتين واحدة من أخصب دول العالم، وتمتد لمساحة هائلة، وهي ذات كثافة سكانية ضئيلة، ومناخ معتدل. ولسوف تحصل جمهورية الأرجنتين على أرباح هائلة نظير تنازلها عن جزء من أرضها لنا. أما فلسطين فهي وطننا التاريخي الخالد في ذاكرتنا أبد الدهر، فمجرد ذكر اسم فلسطين يجذب شعبنا بقوة هائلة. [7]
فثيودور هرتزل كان يرى أن حل المُشكلة اليهودية لا تكلفه فقط سماحة وتحرر (ليبرالية) الدول التي تأوي اليهود، وإنما يجب إنشاء دولة يعيش فيها اليهود على أرض يهودية خالصة تتماشى مع هويتهم اليهودية وانفصالهم. وعلى الرغم من أن “هيرتزل” نفسه اندمج في المجتمع الأوروبي، إلا أنه رأى أن المجتمعات الأوروبية كانت غير قادرة على التسامح مع اليهود، لأنهم كانوا يشكلون أجانب، ولهم سلوكيات مُختلفة. فلقد تجنب “هيرتزل” أي حل دستوري أو أي حل يعتمد على الحقوق المدنية.[8]
ثانيًا: الصهيونية والمسيحية
لم تقف الحركة الصهيونية عند حدود الدين اليهودي وأتباعِه، لكنها تجاوزت هذه الحدود وذهبت إلى الديانة المسيحية، ولاسيما وسط الطوائف البروتستانتية، واخترقتها عن طريق مغازلة الأصوليين منهم مِن خلال اتِّباع المنهج الحرفي في التفسير، مما جعل الكثيرين يؤكدون هذه المزاعم المسيحية، وظهر ما يُسمى بالصهيونية المسيحية.
والأمر الأشد إيلامًا، هو وجود بعض المسيحين، لا سيّما الإنجيليين المتطرِّفين، في أمريكا وأوروبا، الذين برّروا ودعموا قيام الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين عام 1948م، ولا يزالون يؤيِّدون الخطوات الأخيرة التي قامت بها الإدارة الأميركيَّة، تحت شعار تحقيق نبوءات العهد القديم، بإعادة إرجاع الله لشعبه إسرائيل إلى أرض كنعان، أرض الموعد، أرض فلسطين، إذ كان قد وعد بها آباءهم وأجدادهم، ابتداءً مِن إبراهيم خليل الله، ومِن ثمّ نسله بعده، وذلك مِن دون أن ينظروا إلى موضوع الأرض من منظار يسوع المسيح نفسه ورسل الكنيسة الأوائل، الذين أعادوا تفسير موضوع الأرض بشكل جديد ينسجم مع تطلُّعات العهد الجديد. فإنَّهم بتفسيراتهم هذه قد خرجوا عن الإطار الأساسي الذي وضعه آباء الكنيسة في تفسير تلك النبوءات. والمُصلحون الإنجيليون الأساسيون الذين برزوا في القرن السادس عشر والتزموا بتوجهات العهد الجديد في تفسيراتهم لموضوع نبوءات العهد القديم حول أرض الموعد. [9]
فإنَّ تبرير إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين استنادًا إلى التفسيرات الحرفيَّة لنبوءات العهد القديم من الكتاب المقدَّس، قد زجَّ الكتاب المقدَّس في الصراع الإسرائيلي– الفلسطيني، بل الصراع الإسرائيلي– العربي، فتحول الكتاب المقدَّس مِن رسالة حياة إلى رسالة موت، ومِن رسالة رجاء إلى رسالة يأس، ومِن رسالة بناء للإنسان والمجتمعات إلى رسالة تدمير للإنسان والمجتمع الفلسطيني.[10]
ثالثًا: الصهيونية والأصولية
المقصود بالأصولية هُنا ليست العودة إلى أصول الدين لاستخلاص المبادئ والقيم التي يجب أن نتبناها كمتدينين. ولكن المقصود هُنا هو ذلك التيار الراديكالي الذي يستخدم الدين بطريقة خاطئة، ويغرق في الطرق الحرفية لتفسير النصوص دون النظر لخلفيتها وأسباب نزولها. والذي يخلط النصوص ويجتزئها حتى يوظف الدين لتلك الأغراض السياسية السلبية.
فالمبدأ الانتقائي للنصوص نجده حاضرًا لدى الأصوليين اليهود في تأكيدهم على خبرتهم المطلقة لدى يهوه الذي كان قاسيًا ضد الأغيار (غير اليهود)، والتي يستعينون لإثباتها بما ورد في سفر التثنية مِن آيات تدعو إلى إبادة هؤلاء الأغيار المفتقرين لأي فضيلة. وفي الوقت نفسه يتجاهلون ما ورد في الإصحاح الثامن مِن السفر نفسه، مِن أن الله لم يختر العبرانيين إلى الأبد، بل اختارهم كما اختار الكنعانيين من قبلهم، عندما كانوا أحبارًا يخدمون الله بوازع ديني، ولكنه تخلى عنهم بسبب حبهم للشهوات، وفساد عبادتهم، ولذا فقد حذرهم موسى “وإن نسيت الرب إلهك وذهبت وراء آلهة أخرى وعبدتها وسجدت لها، أشهد عليكم اليوم أنكم تبيدون لا محالة. كالشعوب الذين يبديهم الرب من أمامكم كذلك تبيدون، لأجل أنكم لكم تسمعون لقول الرب إلهكم” (تثنية8: 19، 20). كما يتمسكون بالآيات التي تخصهم على التعامل الأخلاقي الانتقائي، بتوخي العدل والإحسان تجاه اليهود الآخرين، والتغاضي عنهما مع الأغيار، كما جاء في سفر الخروج مِن تحريض على المصريين لمجرد أنهم أغيار، بينما يتجاهل هؤلاء الدعوة إلى الإحسان وفعل الخير مع الجميع كما تؤكد العديد مِن النصوص الأخرى. [11]
والفهم الاختزالي نفسه نجده حاضرًا لدى الأصوليين المسيحيين الذين يتوسعون في الاقتباس من سفر الرؤيا ويجدون في رؤيا نهاية العالم وما تبثه من عنف إلهامًا وحافزًا للتعاطف مع اليهود، بحسب العقيدة قبل الألفية القائلة بأن عودتهم إلى أرض الميعاد، وبناء الهيكل الثالث، يُمثل بشارة لعودة المسيح، وبداية المعركة الفاصلة “هرمجدون” مع الشر. ولكنهم في المقابل، نادرًا ما يشيرون إلى الموعظة على الجبل حيث يطلب المسيح أن يحبوا أعداءهم ويباركوا لاعنيهم.[12]
فالأصوليات المختلفة تلعب أدوارًا مختلفة في حياة الدول والمجتمعات الحاضنة لها. فالأصولية اليهودية تلعب في حياة إسرائيل-الدولة التي تجسد الوجود اليهودي المعاصر سياسيًّا- دورًا إشكاليًّا مُركبًا، ينطوي على معاندة ورفض أحيانًا، كما يتجلى لدى الحرديم (اليهود الأرثوذكس)، المحاصرين في نمط حياة يشبه جيتو داخل إسرائيل العلمانية، مثلما ينطوي على دعم وتشجيع أحيانًا للدولة القائمة، وكذلك لسياستها العدوانية ضد العرب، مسيحيين ومسلمين، كما يتجلى عند اليهود الصهاينة، الذين يزايدون على عنف الدولة الإسرائيلية باعتبارها دولة علمانية، فيمدون عنفها القومي بمقولات تبريرية تنبع من أساطير توراتية.[13]
أما الأصولية المسيحية، فيجسدها بالأساس ذلك التيار الإنجيلي الأمريكي، والذي يمثل حركة احتجاج ضد صيرورة الحداثة والعلمانية التي اندمج فيها التيار البروتستانتي الأساسي Main Stream” Churches”. ورغم أن الإنجيليين الأمريكيين هم أول من استعمل مصطلح “الأصولية” في العقود الأولى مِن القرن العشرين تمييزًا لأنفسهم عن البروتستانت “المتحررين” الذين كانوا -في رأيهم- يشوهون العقيدة المسيحية تشويهًا كاملًا. ولكنهم ظلوا مجرد هامش على متن الحداثة الأمريكية، وظلوا عاجزين عن إعاقة التيار الرئيسي Main Stream” Churches” عن مجرى التاريخ.[14]
رابعًا: الصهيونية والبروتستانتية
يتم تأييد الحركة الصهيونية مِن قبل بعض المذاهب والفرق والهيئات الإنجيلية في الغرب، خاصة التي نشأت في القرن التاسع عشر والتي تُسمى “المدرسة الدهرية Dispensational School” مِن خلال تفكيرها الحرفي والأصولي، والذي ظهر بأكثر قوة ووضوح في أيام حكم ريجان للولايات المتحدة الأمريكية، والتي تلاقت في نفس الوقت مع مخططات الحركة الصهيونية. هذه المخططات التي ظهرت منذ مؤتمر بازل بسويسرا عام 1897م.هذه الاتجاهات الأصولية لها روادها الأوائل في القرن 19 مثل جون نيلسون داربي (1800-1882م) مؤسس مذهب الإخوة البليموث، وهو أيرلندي الأصل.
هذه الاتجاهات الحرفية تتبناها بعض المذاهب الإنجيلية المماثلة في مصر والعالم العربي. ولكن الفرق أنهم هنا مندفعون بتفسيراتهم الحرفية وليس بدوافع سياسية. وأيًّا كانت الدوافع في الخارج أو الداخل، واستمرار ترديد هذه الأفكار في أدبيات هذه المذاهب والشيع الإنجيلية، فقد جعل بعض الكتاب والمفكرين يربطون –خطأً- بين الحركة الصهيونية والإصلاح الديني البروتستانتي الذي قام في أوروبا على موجات في القرن الخامس عشر، واكتمل في القرن السادس عشر، والذي مهَّدت له عوامل دينية وفكرية وعملية وسياسية في مناخ عصر النهضة. هذا الربط يتناقض تمامًا مع المبادئ والأسس التي قام عليها الإصلاح ونادى بها المصلحون.
لكن المشكلة أن الذي يكتب عن هذه المذاهب التي تنادي بهذه الأفكار، خاصة في شرقنا يصفها دائمًا وعلى وجه العموم بأنها “إنجيلية” أو “بروتستانتية” غير مميز بين هذه المذاهب الإنجيلية “Evangelical” وبين الكنيسة الإنجيلية (المشيخية Presbyterian) في الغرب وفي الشرق والتي تختلف تمامًا مع هذه الأفكار والمزاعم وتقوم بكشفها بكل الطرق، وبالرغم مِن ذلك ظهرت في بعض الأوقات ومازالت بعض الكتب والمقالات تحت عنوان “الأصولية الإنجيلية” أو “الصهيونية المسيحية” إلى آخره، والتي تترك في القارئ انطباعًا خطيرًا يقوم على التعميم غير الواعي، لأن الذين يكتبون على أدبيات ونشرات غربية تستخدم مسميات ومصطلحات لم يستطع الذين نقلوها أن يتتبعوا مدلولاتها وتاريخها بدقة، فيسقطون في شراك التعميم الخطير.[15]
ويوجد عدة طرق لتصنيف الطوائف البروتستانتية. أحد النماذج التقليدية هو أن نُميز بين ثلاث فئات كبيرة من البروتستانت: البروتستانت التقليديين (Mainline Protestants)، والإنجيليين (Evangelicals)، والأصوليين (Fundamentalists). وتشمل الكنائس البروتستانتية التقليدية: المشيخيين، والميثوديست، واللوثريين، والكنيسة المصلحة، والأسقفيين وطوائف أخرى، كانت في واجهة السياسية والثقافة الأمريكية في غالبية التاريخ الأمريكي. وإن أعضاء منهم كانوا ولا يزالون مِن الطبقات القيادية المهنية وطبقات رجال الأعمال، وهم يشددون على أهمية أن تكون القيادة الكنسية ذات ثقافة وتعليم. وقد حصل مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط على غالبية الدعم لهما من بين هذه الكنائس طوال النصف الثاني من القرن العشرين. ومن الناحية السياسية في الشرق الأوسط، فإنهم كانوا ولا يزالون بشكل خاص يدعمون الفلسطينيين والمسلمين العرب في الولايات المتحدة. ومع أن كنائسهم كانت في مركز القيادة في أمريكا لمدة 200 سنة تقريبًا، إلا أن قوتهم وأعدادهم قد انخفضت في السنوات الأخيرة لصالح مجموعة أخرى من الكنائس البروتستانتية تُدعَى “الإنجيلية Evangelical”.
[1] أحمد سعد زايد، محاضرة جدل العلاقة بين المطلق والنسبي، تمّ الاطلاع عليه يوم 27 أكتوبر 2020م، مُتاح على:
http://youtu.be/-owHQTFaNEw
[2] عباس محمود العقاد، الصهيونية العالمية (الجيزة: دار نهضة مصر، 2017)، 13-34.
[3] المرجع السابق.
[4] المرجع السابق.
[5] تيودور هيرتزل، الدولة اليهودية، ترجمة محمد فاضل (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2007)، 47، 48.
[6] المرجع السابق، 63، 64
[7] المرجع السابق، 66.
[8] مايكل بريور، الكتاب المقدس والاستعمار، ترجمة وفاء بجاوي، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2006)، 207، 208.
[9] سهيل سعود، القدس في الفكر المسيحي (لبنان: دار منهل الحياة، 2020)، 25، 26.
[10] المرجع السابق.
[11] صلاح سالم، تفكيك العقل الأصولي (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 2018)، 351 – 353.
[12] المرجع السابق.
[13] المرجع السابق.
[14] المرجع السابق.
[15] مكرم نجيب، قراءة عربية للمجيء الثاني للمسيح (القاهرة: دار الثقافة، ط2، 2017)، 13-16.


