مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

حروب العهد القديم

Watch Now

Download

حروب العهد القديم

المُقدّمة

إن كنا بصدد مناقشة معضلة حروب العهد القديم، فهذا يعني بالتَّبعيَّة أن هناك مشكلة تواجهها الكنيسة التي تؤمن بوحي ومصداقيّة الكتاب المقدس، بكلا عهديه. هذه المشكلة يمكن أن نجدها في الأسفار التي تسرد تفاصيل غزو “إسرائيل” لكنعان، مثل أسفار العدد والتثنية ويشوع والقضاة. هذه الإشكاليَّة مزدوجة، حيث تتمثَّل في الإشكاليَّة الأخلاقيَّة الخاصة بالعنف والقتل. والإشكاليّة التاريخيَّة الخاصة بتعارض أحداث الغزو مع الاكتشافات الأركيولوچيَّة!

من جهة الإشكاليّة االأخلاقيّة، فهي تتمثَّل في أمر الله المباشر لإسرائيل (بحسب النَّص) بقتل شعوب أرض كنعان واحتلال أراضيها، والذي تمَّمه “يشوع” عملًا بقول الرب لموسى: “فإنك تُحَرّمهم. لا تقطع لهم عهدًا، ولا تشفق عليهم!” (تث1:7-2)

أما من جهة الإشكاليّة التاريخيّة، فمن بين جُملة المدن التي يسرد لنا “سفر يشوع” قصَّة غزوها، وجد الباحثون الأثريّون أن بعض هذه المدن لم يكن لها وجود وقت دخول يشوع الأرض، مثل مدينة “عاي” (Israel Finkelstien and Neil Asher Silberman, The Bible Unearthed, 2002, 82). كما أن بعض المدن قد دُمِّرت بالفعل بنفس الطريقة التي يصفها السِّفر (مثل سور مدينة أريحا)، لكن ليس على يد الإسرائيليِّين، حيث اكتشف الباحثون أن المصريّين هم من دمَّروه قبل مائتي عام من التاريخ المُفتَرَض للغزو الإسرائيلي للمنطقة!

في هذه الدراسة المختصرَة، سوف نحاول تلخيص وإجمال ما قدَّمته الكنيسة على مر العصور لحل هذه المعضلة وفهمها، بأن نقترب من النَّصوص الكتابيّة وغيرها، حتى نستطيع أن نستنبط صورةً متَّسقةً، عن الله وإسرائيل والنَّص الكتابي.

“الله،” في حروب العهد القديم

إن الكتاب المقدَّس يُقدِّم حروب العهد القديم، كقطعةٍ من ثوبٍ واسع، أو كجزءٍ من سياقٍ أشمل، هو سياق دينونة الله على الخطاة. لم يترك لنا الله فرصة تخمين ما فعله كنعان. لكنه، كالقاضي الذي يسرد أسباب الحكم قبل النطق به، قدَّم لنا قائمة مطوَّلة لخطايا شعوب كنعان التي سلكوا فيها (لا18؛ تث30:12-31؛ 9:18-12)، والتي استدعَت دينونته لهم. أمام هذا السِّياق، قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين عدَّة أسئلة تختص بصورة الله الذي يقدّمه الكتاب المقدَّس. هل هو ديَّان؟ هل يعاقب الخاطئ؟ وهل يفعل هذا في العهد القديم فقط أم في العهد الجديد أيضًا؟ وما تبعات ذلك على فهمنا لله وعلاقتنا به؟

لإجابة هذه التساؤلات، سوف ننتقي بعض النماذج من العهدين حيث يُقدّم الكتاب المقدَّس الله باعتباره القاضي الديّان الذي يدين الخاطئ، سواء بطريقة مباشرة (أي: دون وسيط)، أو بطريقة غير مباشرة (أي: من خلال وسيط).

أمثلة من دينونات العهد القديم

في العهد القديم، يقدّم النَّصُ اللهَ –ثلاث مرَّات على الأقل– كمن يدين بنفسه دون وسيطٍ من البشر، مثل: (1) دينونته للخطاة بالطوفان في أيام نوح، والتي يشهد عنها العهد القديم ويسوع ورسله باعتبارها دينونة الله، وليست مجرَّد ظاهرة طبيعيَّة لا تقف الدينونة من خلفها (تك5:6-7؛ لو26:17-27؛ 2بط4:2-5). و(2) دينونته لشعب سدوم وعمورة، التي يشهد عنها الكتاب ذات الشّهادة (تك24:19؛ لو29:17؛ 2بط6:2-7). و(3) دينونته لملوك الأموريّين بإرسال حجارة البرَد عليهم من السَّماء (يش11:10).

أيضًا في العهد القديم، يقدّم النَّصُ اللهَ –ثلاث مرّات على الأقل– كمن يدين من خلال وسيط من البشر، مثل: (1) دينونته لثلاثة شعوبٍ تسكن حول أرض كنعان، عن طريق طردهم من أرضهم وإحلال شعوب أخرى مكانهم، مثلما فعل مع “الرّفائيّين،” حين أبادهم من قُدَّام بني عمّون “فطردوهم وسكنوا مكانهم” في “عار” (تث21:2). ومثلما فعل مع “الحوريّين،” حين أتلفهم من قُدَّام بني عيسو “فطردوهم وسكنوا مكانهم” في “سعير” (تث22:2). ومثلما فعل مع “العويّين،” حين خرج الكفتوريّون “وسكنوا مكانهم” في “غزّة” (تث23:2). و(2) دينونته لشعوب كنعان السَّبعة (تث1:7)، حين أهلكهم من قُدَّام إسرائيل وبواسطتهم (أع19:13). و(3) دينونته لإسرائيل (المملكة الشماليّة) بواسطة شلمنأسّر ملك أشّور (2مل3:17)، لأن الرب نحّى “إسرائيل من أمامه… فسُبِيَ إسرائيل من أرضه إلى أشّور” (2مل23:17)، وأيضًا دينونته ليهوذا (المملكة الجنوبيّة) بواسطة نبوخذ ناصّر ملك بابل الذي سباهم (أر1:29)، هذه السّبي الذي نسبه الرب لنفسه أيضًا (أر7:29، 14).

هذه الدينونات تعلن بوضوح أن الله ديَّان عادل، يدين الخاطئ ولو بعد حين، بحسب قوله: “هوذا عينا السيّد الرب على المملكة الخاطئة، وأبيدها عن وجه الأرض.” (عا8:9)

أمثلة من دينونات العهد الجديد

في العهد الجديد، يقدّم النَّصُ اللهَ –ثلاث مرّات على الأقل– كمن يدين بنفسه دون وسيطٍ من البشر، مثل: (1) دينونته لهيرودس حين ارتضى –في كبرياءه– أن يخاطبه الشعب: “هذا صوت إلهٍ، لا صوت إنسان؛ ففي الحال ضربه ملاك الرب، لأنه لم يُعط المجد لله؛ فصار يأكله الدود ومات.” (أع22:12-23). و(2) تأديبه لمؤمني كنيسة كورنثوس الذين استهانوا بمائدة الرب، غير مميّزين جسد الرب (1كور29:11)؛ فكان فيهم “كثيرون ضعفاء ومرضى، وكثيرون يرقدون.” (1كور30:11)، وهو ما قد فسَّره بولس بكونه حكمٌ من الرب عليهم، تأديبًا لهم (1كور31:11-32). و(3) دينونة الرب يسوع للخطاة في جهنّم، والتي سيتمّمها الرب بنفسه، بحسب قوله للتلاميذ: “بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يُهلِك النَّفس والجسد كليهما في جهنم.” (مت28:10). هذه الدينونة الأخيرة، يصوّر فيها الكتاب الخُطاة “وهم يقولون للجبال والصخور: ’اسقطي علينا واخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الخروف [أي: يسوع]، لأنه قد جاء يوم غضبه العظيم ومن يستطيع الوقوف!‘” (رؤ16:6-17)

أيضًا في العهد الجديد، يقدّم النَّصُ اللهَ –ثلاث مرّات على الأقل– كمن يدين من خلال وسيطٍ من البشر، مثل: (1) دينونته على حنانيا وسفّيرة، بواسطة “بطرس” الذي أعلن القضاء الإلهي عليهم بالموت (أع9:5-10). و(2) دينونته على “عليم” السَّاحر، بواسطة “بولس” الذي أعلن القضاء الإلهي عليه بالعمى المؤقَّت (أع9:13-11). و(3) دينونته على الزاني مع امرأة أبيه في كورنثوس (1كور1:5)، بواسطة “بولس” الذي أعلن القضاء الإلهي عليه بتسليمه للشيطان، حين قال: ” قد حكمت… في الذي فعل هذا… أن يُسَلَّم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد، لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع.” (1كور3:5-5)

مرة أخرى، تعلن دينونات العهد الجديد أن الله ديَّان عادل، يدين الخاطئ حتى وإن كان من الكنيسة، بحسب قوله: “لأنه الوقت لابتداء القضاء من بيت الله. فإن كان أولًا منَّا؛ فما هي نهاية الذين لا يطيعون إنجيل الله!” (1بط17:4)

كيف نرى الله إذًا؟

أمام هذه المشاهد الواضحة لدينونات الله في العهدين، وقبل أن نستنبط منها صورة الله كما تقدّمها نصوص حروب العهد القديم في سياق بقية نصوص الكتاب المقدَّس، من الجيّد أن نلاحظ أن الله حين يدين، لا يفعل هذا عن انفعال أو تسرُّع أو تشفّي، فهو “بطيء الغضب” (خر6:34؛ نا3:1؛ يون13:2)، وليس سريع الانفعال. إن كانت دوافع الدينونة لدينا قد يشوبها أنانيّتنا أو اندفاعنا أو كراهيتنا لمن ندين، إلا أن الله –حين يدين– لا تحكمه أهواء وشهوات البشر. بل أن دينونته تنبع من طبيعته التي لا تُسرّ بالشّر (مز4:5)، بل وتبغض الإثم (مز7:45). كما أنها لا تنبع من كراهيته للشرير، بل من تمهُّله عليه دون أن يتوب، مما يذخر له غضبًا، كان بإمكانه تجنّبه إن هو تاب ورجع عن شرّه (رو5:2). إن الله لا يُسرّ “بموت الشرّير، بل بأن يرجع الشرّير عن طريقه ويحيا” (حز11:33).

من جهةٍ أخرى، لا يعنينا كثيرًا وسيلة تتميم الدينونة، لسببين. الأول، أنه مهما كانت الوسيلة فليس من الطبيعي أن تنال إعجابنا، لأن الدينونة هي عمل الله الغريب (أش21:28)، وليس الأمر الطبيعي. فإن كنا مخلوقين على صورة الله (تك27:1؛ يع9:3)، ونحن بالطبع كذلك، فلا ينبغي أن نُسر بما لا يُسر به الله! الثاني، أن الله شخصيًّا حين أفصح عن مشاعره قُبيل تتميم الدينونة، قال: “قد انقلب عليَّ قلبي، اضطرمت مراحمي جميعًا” (هو8:11ب). بل أن المسيح قبيل النطق بدينونته على أورشليم بسبب رفضها له، “بكى عليها” (لو41:19). من الطبيعي إذًا أن نتعامل مع مشاهد الدينونة بمنتهى الرهبة وعدم التصالح، لأنها لحظات لم يتعامل معها الله بقبولٍ طبيعي أو بدمٍ بارد. لكن هذا لا يعني أن نرفضها، لأن الديَّان هو الله العادل، الذي لا يظلم أحد (تث4:32)، والمُدان هو الخاطئ الذي لم يتعامل مع إمهال الله باعتباره فرصة للتوبة، بل تمادى في خطيتّه، حتى اكتمل إثمه واستوجب دينونة الله العادلة.

في ضوء الأمثلة التي ذكرناها لدينونات الله في العهدين، يمكن أن نرى الله هو القاضي العادل، الذي من حقّه أن يدين الخاطئ، ليس فقط لأنه يرى أفعاله ويزِنها (لا18)، بل لأنه يعرف الدوافع ويكشفها (أر9:17-10)، وهو يدينه بالطريقة التي يراها مناسبة، سواء كان بتدخُّله المباشر، أو من خلال وسيطٍ بشري. وهو قد أعطى كنعان مهلة للتوبة تقترب من الأربعمائة عام (تك16:15)، ثم تدخَّل بالقضاء عليهم بالموت، بسبب عدم توبتهم. لأن تَمَهُّل الله فرصة للتوبة، وليس رخصة للتمادي في الخطيّة (رو4:2-5).

 

“إسرائيل،” في حروب العهد القديم

ليس من الصَّعب أن نرى إسرائيل كوسيطٍ استخدمه الله لتتميم دينونته على كنعان. وعلى الرغم من أن هذه الرؤية قد تثير العديد من الأسئلة حول أفضليّة إسرائيل عن غيرها، أو عن أهليّتها لأن تمثِّل دور الوسيط. إلا أننا من خلال قراءة نصوص الحروب، نرى أن الرب قد أعطى إسرائيل أربعة تحذيرات، قبل دخولهم أرض كنعان وبدء الحرب.

  • تحذيرات أخلاقيّة، بألا يسلكوا في خطايا كنعان (لا18؛ تث30:12-31؛ 9:18-12)، وإلا سيطردهم من الأرض، كما فعل بكنعان، حيث قال لهم: “بكل هذه لا تتنجَّسوا… فلا تقذفكم الأرض كما قذفت الشعوب التي قبلكم.” (لا24:18-28). وهو ما تمَّمَه الله فعلًا، حين سبى إسرائيل ويهوذا لأشّور وبابل.
  • تحذيرات ضد العنصريّة، لئلا يعتقدوا بأفضليّتهم على كنعان، إذ قال لهم: “لا تَقُل في قلبك حين ينفيهم الرب إلهك من أمامك قائلًا: ’لأجل برِّي أدخلني الرب لأمتلك هذه الأرض، ولأجل إثم هؤلاء الشعوب‘” (تث4:9)، بل حدَّد لهم السبب في دينونته على كنعان، وهو “إثم أولئك الشعوب… ولكي يفي بالكلام الذي أقسم الرب عليه لآبائك. إبراهيم واسحق ويعقوب.” (تث5:9). وقال لهم صراحةً أنهم (أي: إسرائيل) “شعب صلب الرقبة (أي: عنيد).” (تث6:9ب).
  • تحذيرات استيطانيّة، لئلا تسوِّل لهم أنفسهم احتلال ما يحلو لهم من الأراضي، إذ منعهم من غزو أراضي أخرى مثل موآب، وأدوم، وغزَّة (تث17:2-23)، قائلًا: “فمتى قرُبتَ… لا تُعَادِهِم ولا تهجموا عليهم.” (تث19:2)، في إشارةٍ واضحة أن الأمر بغزو كنعان ليس رخصةً مفتوحةً من الله لإسرائيل لغزو واستيطان ما يحلو لهم من أراضي أو بلاد لا تعبد “يهوه” إله إسرائيل.
  • مشابهات تاريخيّة، بأن شبَّه الرب غزو إسرائيل لكنعان، بغزواتٍ أخرى تمَّت تحت سلطان ومشيئة الله، مثل غزو بني لوط لعار، وبني عيسو لسعير، والفلسطينيّون لغزَّة (تث17:2-23). أي أن سياسة الله في هذا الوقت، لم تكُن احتلال بالمعنى المتعارف عليه لدينا، بل كانت إحلال شعبٍ مكان آخَر، بسبب خطايا الشَّعب السَّاكن في الأرض، حيث كانت القاعدة الحاكمة آنذاك: “هوذا عينا السَّيِّد الرب على المملكةِ الخاطئة، وأبيدها عن وجه الأرض.” (عا8:9)