مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

رؤية معاصرة للإصلاح الإنجيلي في الشرق

Watch Now

Download

رؤية معاصرة للإصلاح الإنجيلي في الشرق

  • البروتستانتيون: الإيمان الذي صنع العالم الحديث

 في كتابه “البروتستانتيون: الإيمان الذي صنع العالم الحديث”، الذي أصدره المؤرّخ ألك ريري عام 2017، يذكر الكاتب: “لم تكن مجرّد فكرة حرية التعبير، الأمر الهام الذي أتت به البروتستانتية، وإنما عدم قدرة أحد على إجبار أحد آخر على التفكير عكس ما يمليه عليه ضميره. وبالتالي، ليس هناك سلطة فكرية مهما كانت، يمكن أن تجبرك على الاعتقاد أنك على خطأ. وليس هناك من يستطيع أن يفرض سلطته عليك، ليقف عائقًا بينك كإنسان وبين الله”. أطلق مارتن لوثر هذه الفكرة العظيمة، عندما أصرّ على رفضه أي تسلّط بشري على ضميره وفكره. ورفضه هذا في التراجع أمام ضغوطات السلطات الكنيسة والمدنية، التي طلبت منه إحراق كتبه ووقف حركة إصلاحه، أسّس لسلطة جديدة داخل الإنسان، هي سلطة حرية الضمير والمعتقد والتعبير، وأرسى تقليد الوقوف في وجه السلطات البشرية التي تعيق فهم واختبار قوّة الإنجيل المغيّرة للحياة، إذ قال: “الضمير، لا يحتمل سيّدًا زائلًا”. إنّ موقفه الشهير الذي صرّح فيه، قائلًا: “هنا أقف. لن أتراجع. فضميري أسير لكلمة الله”، فتح نقاشًا كبيرًا حول أسئلة جدّية حاسمة، حملت قوة تغيير في الكنيسة والمجتمع، وساهم بشكل مباشر في إعادة المبادئ الديموقراطية إلى المجتمع. كما أنّ رفض لوثر لحَقِّ الكنيسة الحصري في تفسير الكتاب المقدّس، أعطى أهميةً كبيرةً لقوى الإنسان العقلية والفكرية. وإطلاقه لمبدأ أن “كلمة الله تفسّر نفسها بنفسها، وأن النصوص الصعبة من الكتاب المقدس يمكن تفسيرها بنصوص أخرى أوضح”، منحت الإنسان المؤمن الثقة بنفسه التي يحتاجها، لفهم وتفسير كلمة الله ورسالته الخلاصية التي تغيّر الحياة، وتكوين مفهومه الشخصي، دون حاجة إلى وساطة الكاهن والكنيسة، وإنما بالاعتماد بالدرجة الأولى على إرشاد الروح القدس الذي يسكن فيه.

        يعتقد مؤرخون أن الإصلاح الإنجيلي، كان مصدر السلاح الأيديولوجي الفكري، الذي لم يكن يتوقّعه المصلحون أنفسهم. مثلًا، عندما تحدّث لوثر عن مفهوم الحرّية في إطار فهمه للكتاب المقدس، فإنه لم يرد أن يكون الناس أحرارًا في اختيار الإيمان الذي يريدوه، بل أرادهم أن يكونوا أحرارًا ليؤمنوا بالحقيقة. اعتقد لوثر، أن الحقيقة تشهد عن نفسها لكل من يفتح الكتاب المقدس ويقرأه، ليجد المسيح. إلاّ أنه اكتشف لاحقًا، ما لم يتوقّعه، وهو أن الناس قرأت الكتاب المقدس، بطريقة مختلفة عن الطريقة التي اختبرها هو، إذ صاروا يجدون في قراءة الكتاب المقدس، رسائل سياسية واجتماعية، أكثر راديكاليةً مما توقّعه.

ما لم يكن يدركه لوثر إدراكًا كاملًا هو أن الحرية الروحية، لها نتائج سياسية، وساهمت في إطلاق الكثير من المفاهيم السياسية. على سبيل المثال، إنّ مفهوم “كهنوت جميع المؤمنين” شدّد في جانبه الروحي على مساواة جميع الناس أمام الله؛ إذ اعتقد المصلحون أن جميع الذين يؤمنون بالمسيح، يصبحون كهنةً وكاهناتٍ أمام الله، بمعنى أنهم يستطيعون التواصل مع الله وإقامة علاقة روحية مباشرة معه، دون الحاجة إلى وساطة الكهنة والأساقفة ورجال الدين. فجميع الناس متساوون أمام الله. فليس لإنسان سلطة روحية أعلى وأسمى من سلطة إنسان آخر. سلطة المؤمن البسيط وسلطة بابا الكنيسة هما معًا متساويان أمام الله. هذا المبدأ الروحي، كان له أيضًا تبعات إنسانية واجتماعية وسياسية، إذ أرسى مبدأ المساواة في المجتمع بين جميع الناس: الحاكم والمحكوم، الغني والفقير، المرأة والرجل، العبد والحر، كما يقول الرسول بولس: “لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غلاطية 3: 28).

          في كتابه “تاريخ الفكر السياسي”، يقول الكاتب في الفكر السياسي، روبرت بركي: “وضع الإصلاح الإنجيلي، الحجر الأساسي لمفاهيم جوهرية في العلوم السياسية، مثل: الحريّة، المساواة، الديمقراطية، العلمانية، المؤسساتية، الحكم المطلق، وغيرها”. ويضيف بركي: “كان الإصلاح الإنجيلي، وسيلةً مهمةً لتحرير الناس وحثّهم على الإبداع والخلق الفكري، لأنواع جديدة من المعرفة. وبالإيجاز، خلق الإصلاح فصلًا جديدًا في العلوم السياسية”. مع أنه لم يكن هدف المصلح مارتن لوثر، خلق عصر الحرية، والديمقراطية، بل إيصال رسالة الإنجيل الخلاصية للناس، لكن هذا ما حصل، وهذا ما أنتجه الإصلاح الإنجيلي.

  • صفحات بيضاء وصفحات سوداء

ذكر المؤرخ فيليب شاف: “إنّ الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر، هو إلى جانب دخول المسيحية إلى العالم، الحدث الأعظم في التاريخ. فقد لحظ نهاية القرون الوسطى، وبداية الأزمنة الحديثة”. اعتبر الإصلاح الإنجيلي نقطة تحوّل راديكالية في تاريخ المسيحية. هذا ما ذكره المؤرخ ماكين في كتابه “التحوّلات اللاهوتية الكبيرة”. صرّح اللاهوتي الألماني المعاصر يورغان مولتمان، قائلًا: “إنّ اللاهوت المصلح هو لاهوت إصلاحي. يدين بوجوده إلى حركة الإصلاح الإنجيلي الفريدة في القرن السادس عشر. الإصلاح الإنجيلي هو أكثر من حدث تاريخي، إنّه شيء مختلف عن الالتزام التاريخي. إنه يهتم بإصلاح كلّ الحياة والعالم، كون أن العالم، لم يصبح بعد كما يريده الله أن يكون. وبهذا المعنى يستمرّ الإصلاح”.

مما لا شكّ فيه، أن هناك صفحات بيضاء مشرقة في تاريخ الإصلاح الإنجيلي، أذكر بعضها: ترجمة الكتاب المقدس ووضعه في أيدي العامة. سحب السلطة من قادة الكنيسة، ووضعها في الكتاب المقدس. وضع الضمير الأسير لكلمة الله، فوق سلطة الحكام الدينيين والزمنيين. وضع حدٍّ للفساد في الكنيسة. مشاركة العلمانيين في خدمة الكنيسة. تصحيح سوء الاستخدامات، ووقف ممارسة بيع صكوك الغفران. استعادة الحياة إلى العقائد والممارسات الكنسية. أما على صعيد المجتمع، فقد كان للإصلاح الإنجيلي النتائج التالية: تقديم مفهوم الدولة الحديثة والوطن للمجتمعات. التأكيد على حقوق الإنسان. البحث الحرّ. تطبيق الإصلاح على التربية، والمشاركة في المجتمع. تقديم مفهوم جديد للعمل: العمل دعوة إلهية. تطوير الاقتصاد. يذكر عالم الاقتصاد ماكس فايبر: “أنّ آداب العمل البروتستانتية، هي التي أحيت الاقتصاد الحديث”.

ليس كل تاريخ حركة الاصلاح يحمل صفحات بيضاء، بل هناك أيضًا صفحات سوداء غير مشرقة، تُخجلنا وتُحرِجنا كإنجيليين وإنجيليات، والتي لا تزال تلاحقنا حتى اليوم، نريد أن نسجد على ركبنا ونطلب غفران لله عليها، لا سيما الحروب الدينية المتقطّعة التي دامت حوالي مئة وثلاثين عامًا، بين الكاثوليك والإنجيليين، والتي تسبّبت بموت الكثيرين. أيضًا هناك صفحات سوداء مُخجِلة هي أخطاء قام بها مصلحون، لا سيما اضطهاد بعض المصلحين لبعض راديكاليي الإصلاح، الأناببتست. أيضًا يشير مؤرّخون إلى نقاط سوداء بحق آبائنا المصلحين، منها: عدم وقوف مارتن لوثر إلى جانب ثورة الفلاحين عام 1525، بل إلى جانب الحكام، الأمر الذي أدى إلى مقتل العديد منهم. أيضًا الإجراءات غير الإنسانية التي اتُّخذت بحق اليهود بموافقة لوثر. أما الأمر الأكثر ذكرًا بالنسبة لأخطاء المصلح جان كلفن، هو موافقته، بل ربما تشجيعه، مجلس إدارة مدينة جينيف على إعدام الهرطوقي الطبيب المميّز جدًّا مايكال سيرفيتوس، الذي رفض عقيدة الثالوث، الأمر الذي اعتبره كلفن، خطرًا على خلاص النفوس، إذ بدون عقيدة الثالوث، يخسر المسيح قدرته على تخليص الخطاة، كإله مخلِّص. وبنهاية المطاف، فشل الإصلاح الإنجيلي في فرض إرادته على روما والبابوية، وذهب في اتِّجاهات تقسيميةٍ أدّت إلى نشوء أربعة مذاهب إنجيلية هي: اللوثرية، المصلحة، الأنجليكانية، والأناببتست الراديكالية. قال الرسول بولس لأعضاء كنيسة تسالونيكي: “امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ” (1تس 5: 21). ويقول اللاهوتي، جايمس راسل لول: “الإصلاح يدعو إلى التواضع وأن يكون لدينا بُعد نظر”.

 

  • عقيدة سيادة الله تدعونا للاهتمام بالمجتمع

صرّح المؤرّخ جان غريتش قائلًا: “على اللاهوت المصلح مهمة، فهم الإيمان المسيحي في سياق الجماعة والاختبارات الحياتية”. وتحدّث كلفن عن مسؤولية الكنيسة بالنسبة لأولادها والمجتمع. إنّ نظرة جان كلفن إلى عقيدة سيادة الله، أنشأت فكرة الإرسالية من خلال أمرين: الأول، التجديد الروحي الداخلي للأفراد. والثاني، تغيير وجه الأرض من خلال ملئها بمعرفة الرب. إنّ نظرة كلفن هذه، أحدثت تغييرًا عمليًّا روحيًّا واجتماعيًّا في مدينة جنيف، حيث كان جان كلفن راعيًا. ركَّز كلفن في لاهوته على فكرة عهد الله مع شعبه في الكتاب المقدّس. وهذا التركيز، أسَّس لفكرة أنّ الله يقيم عهودًا مع كلّ البشر، وأن البشر جزء من سلسلته الإنسانية التي يرعاها. شدَّد كلفن على أهمية الخير العام والمصلحة العامة، وليس المصلحة الخاصة ومصلحة الأفراد. في تفسيره لقول البشير لوقا في سفر أعمال الرسل: “لأَنَّ دَاوُدَ بَعْدَ مَا خَدَمَ جِيلَهُ بِمَشُورَةِ اللهِ، رَقَدَ وَانْضَمَّ إِلَى آبَائِهِ، وَرَأَى فَسَادًا” (أعمال الرسل 13: 36)، قال كلفن: “كل الناس مرتبطون ببعضهم في سلسلة مقدّسة، والتي يجب أن نحتضنها بمشاعر المحبة”. أدرك أنه بسبب طبيعة الحالة الإنسانية الخاطئة، فإن محاولاتنا هي إلى حدّ كبير مدفوعة بالمصلحة الذاتية والكبرياء والطمع. لم يكن لاهوت كلفن منفصلًا عن حقيقية الحياة، بل من صميم الحياة، وقد انعكس لاهوته في تطبيق الإنجيل على كل جوانب الحياة. اعتبره غِنًى أن يطلب إرشاد الكتاب المقدس ليخاطب اهتمامات ومسائل الحياة، لهذا أظهر في جنيف اهتمامًا خاصًّا بالفقراء، لا سيما فقراء اللاجئين الإنجيليين الذين تقاطروا إلى مدينته بسبب الاضطهاد الديني عليهم. شغل نفسه بمسائل التجارة والاقتصاد.

  • مخاطبة أزمة اللاجئين في الشرق

في كتابه “جان كلفن، وإصلاح اللاجئين”، أطلق المؤرخ واللاهوتي المتخصص في دراسة زمن الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر “هايكو أوبرمان” (1930- 2001)، على عمل جان كلفن المميّز مع لاجئي عصره، تسمية “إصلاح اللاجئين”. سلّط الضوء على خبرة كلفن الشخصية في اللجوء من فرنسا إلى جنيف، والتي طبعت لاهوته ومواقفه وخدمته للاجئين في جنيف. أسمى المؤرّخ عمل كلفن هذا بـ”الإصلاح الثالث”، بعد “الإصلاح الأول” لمارتن لوثر في ألمانيا، “والإصلاح الثاني” لجان كلفن في جنيف. في تحليل المؤرّخ لكتابات وأعمال كلفن، ذكر ما يلي: “نستطيع أن نتكلم عن إصلاح كلفن الروحي والعقائدي منذ انضمامه إلى حركة الاصلاح منذ عام 1533 وحتى عام 1548. ولكن بعد هذه المرحلة، وإلى حين موته في عام 1564، نستطيع أن نسميها بمرحلة الإصلاح الثالث، أو “إصلاح اللاجئين”؛ إذ يتعاطى كلفن بشكل أكبر مع المسائل الاجتماعية، ويضع لاهوتًا عمليًّا يحاكي احتياجات تلك المرحلة، التي تميزت بدخول أعداد كبيرة من اللاجئين إلى مدينة جنيف، حيث كان راعيًا لكنائسها”. يؤكد الكاتب: “أنه بالرغم من أن المبادئ الأساسية للإصلاح الإنجيلي: “الكتاب المقدس وحده”، “النعمة وحدها”، “والإيمان وحده”، كانت أسسًا مشتركةً للإصلاحات الثلاثة. وبينما، الإصلاح الأول والإصلاح الثاني، شدَّدا أكثر على أهمية الخضوع لسلطة الكتاب المقدس، الدستور الوحيد للعقيدة والإيمان والحياة، إلا أن الإصلاح الثالث، تمّ في ظروف مختلفة فرضت نفسها على كلفن الراعي واللاهوتي، مما دفعه لتعديل مساره اللاهوتي والرعوي، والتشديد في كتاباته وتفسيراته لأسفار الكتاب المقدس، على اختبارات وحاجات الفقراء بشكل عام، فقراء جنيف وفقراء اللاجئين، والذي اعتبره الكاتب “هايكو أوبرمان”، إصلاحًا من نوع جديد، لم يلُج فيه بعمق باقي المصلحين الإنجيليين.

في كتابه “لاهوت كلفن، في اختباره بأن يكون غريبًا”، يقول الكاتب “هرمان سيلدرهام”: “إن اختبار كلفن للغربة، وإيمانه بأن السماء هي موطنه الأصلي، قلّل من ارتباطاته القوية بالأرض وأنتج عقلية سبّاقة”. في كثير من الأحيان، كان يقرأ الكتاب المقدس، من وجهة نظر إنسان غريب لاجئ. قال: “نحن دائمًا على الطريق”. وكما ذكر كاتب الرسالة إلى العبرانيين، يذكِّرنا كلفن، بأن مسكننا الحقيقي ووطننا النهائي هو “المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله” (عبرانيين 11: 10). من أكثر التحدّيات التي تواجهها كنائسنا الإنجيلية وباقي الكنائس، تحدّي اللجوء، إذ صار العديد من أعضاء كنائسنا في الشرق لاجئين في مكان ما. هذا بالإضافة الى أزمة الملايين من اللاجئين الفقراء. ولا تستطيع الكنيسة في كل مذاهبها أن تسدّ آذانها عن هذه الحاجة المتعاظمة بأن تقوم من خلال أذرعتها ومؤسساتها في المجتمع بسدّ حاجتهم ليس فقط منها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والطبية، وإنما أيضًا حاجاتهم الروحية من خلال رسالة الإنجيل والصلوات لأجلهم، كيما يخفّف من خوفهم وإحباطهم وشكوكهم ويحيي فيهم الرجاء.  

 

  • وحدة المسيحيين في الشرق

نرقب ونتابع بألمٍ انحسار الوجود المسيحي في الشرق، الذي خرجت منه المسيحية. أرى أنّ على الكنيسة الإنجيلية أن يكون لها دور فاعل في العمل على تقريب وجهات النظر، وتزكية الوحدة بين المسيحيين، والحوار الجدّي مع الإخوة والأخوات المسلمين، دون المساومة على عقائدنا الإنجيلية، بل الدخول معهم (كما يذكر المطران المفكر الكبير المطران جورج خضر) في حوار المحبة والعقل، أي أن نفكّر ونعقل معهم في قيمة وغنى وجودنا معًا، وأن نحبّهم محبة صادقة.

يُنْظَر تاريخيًّا إلى المُصلِحين الإنجيليين كونهم انْفصلوا عن الكنيسة الكاثوليكية، أنَّهم مِن المُسبِّبين الأساسيِّين للانْقسام في الكنيسة. أرسل الكاردينال “جاكوبو سودلتو”، عام 1539، رسالة مفتوحة إلى مجلس إدارة مدينة “جينيف”، بَعْد انضمامها إلى حَرَكة الإصلاح الإنجيلي وخِدمة المُصلِح جان كلفن فيها، يَدْعو سُكَّان المدينة للعَوْدة إلى حِضْن الكنيسة الكاثوليكية، ويُحَمِّل المُصلِح كلفن، وباقي المُصلِحين مَسْؤولية تقسيم وتَمْزيق وتدنيس الكنيسة عروس المسيح، هذا بالإضافة إلى إثارة الاضْطرابات فيها. فردّ كلفن، على الرسالة في نفس السنة بوثيقة مهمة جدًّا، بعنوان “في ضرورة إصلاح الكنيسة”، تُعْتَبَر رسالة دِفاع عَن وجْهة نَظَر الإصلاح الإنجيلي، أوضح فيها فَهْمه لضَرورة الإصلاح، وطبيعة الوحدة في الكنيسة. كتب قائلًا: “لَنْ أقْبَل هذه التُّهْمَة، إلاَّ إذا أردتُم أنْ تقولوا بأنَّ عروس المسيح تتمزَّق بواسطة الذين يرغبون أنْ يحافظوا عليها كعَذراء نَقيَّة لا دنس فيها ولا عيب”. وأضاف: “لقد تدنَّسَت الكنيسة عندما أدخَلْتُم إليها عقائد غريبة. لهذا، ليس مِن العَدْل أنْ توجِّهوا لنا هذه التَّهْمَة”. تابع كلفن قائلًا: “نحن لَمْ نَطْلب شيئًا، سوى أنْ يحيا الإيمان، ولا نريد سوى اسْتعادَة وَجْه الكنيسة الحقيقي الذي تَشَوَّه مِن خلال غَيْر المُتَعلِّمين مِن الله”. كان مَطْلَب المُصلِحين، إعادة وَجْه الكنيسة الأولى الحقيقي، لذي يُظهره الكتاب المقدس، والذي انْحَجَب في تِلْك الفترة التي اعْتبرها المُصلحون مُظْلِمة. أوضح كلفن للكاردينال أنَّه لم يكن في نيَّته، ونيَّة المُصلحين، أنْ يؤسِّسوا كنيسة جديدة. آمَن المُصلِحون أنَّ الكنيسة هي “جماعة المؤمنين التي تنتَشِر في كل العالَم، وعَبْر كل العصور، وترتبط ببَعْضها البَعْض، بإيمان واحد وروح المسيح الواحد، وتحافظ على وحدة الإيمان”. هذه الكنيسة هي واحدة جامعة مقدَّسة رسولية. قال كلفن: “ليس لنا خلاف مع هذه الكنيسة، بَلْ نَعْتَبِرها أمَّنا، ونَرْغب أنْ نَبْقى في حِضْنها”. ضمَّن “كلفن” صلاة للرب يسوع المسيح قال فيها: “إنَّ ضميري يشهد لي كَمْ هي غَيْرتي قوية من أجل وحدة كنيستك. كَمْ أنا مُتشوِّق لأجل وحدة الكنيسة، إلاَّ أن هذه الوحدة يجب أن تبدأ معك وتنتهي بك. فكَم مرَّة يا رَبُّ دعوْتنا للسلام والوفاق، لكن في الوقت نفسه أظْهَرْت لنا بأنَّك الرَّباط الوحيد الذي يحفظ هذه الوحدة”. هذا هو المفهوم الإنجيلي لوحدة الكنيسة. آمَن المُصلِحون الإنجيليون أنَّ وحدة الكنيسة تكون فقط تَحْت سيادة المسيح وفي شَخْصه المُبارَك وحده، لأنَّه رأس الكنيسة الوحيد.

أدْمَت قَلْب كلفن، الانقساماتُ بين الإنجيليين، فكتب في عام 1552م رسالة إلى المُصلِح الإنجيلي الإنجليزي “توماس كرنمار” مُعَبِّرًا عَن ألَمِه مِن هذه الانْقسامات الكثيرة، قال فيها: “إنَّ هذا الانْقسام الكبير بَيْن قادَة وكنائس الإصْلاح، يُعَدُّ مِن أعْظَم شرور عَصْرنا، حتى أنَّه بالكاد توجَد علاقة إنسانية تَجْمَع بَيْنَنا. فلَيْس هناك ذلك النُّور المُشِعّ مِن الشركة المُقدَّسة بَيْن أعْضاء كنيسة المسيح، إذْ يتفاخَر كثيرون مِنْهم في الكلام، وقليلون منهم يَعْملون بِصِدْق. ولأنَّ الأعضاء مُمَزَّقون، فإنَّ جَسَد المسيح يَنْزِف جَريحًا… فإذا ما كان في قوَّتي وسُلْطتي أنْ أساعِد في اتِّجاه الوحدة، فإنِّي لَنْ أخاف أنْ أقْطَع عشرة بِحار مِن أجل تحقيق الوحدة بَيْن أعضاء الكنيسة”.

وضع كلفن” معايير للعمل من أجل وحدة الكنيسة، يمكن أن نعتمدها اليوم في سعينا من أجل الوحدة مع الكنائس الإنجيلية ومع كل المسيحيين. صنَّف الإيمان والمُمارسات المسيحية إلى صنْفَيْن: الصنف الأول، أسماه “الأمور الأساسية والجوهرية” والتي هي الكتاب المقدس والعقائد الأساسية. والصنف الثاني “الأمور الثانوية غير الأساسية”، والتي هي نظام إدارة الكنيسة، طريقة العبادة (الليتورجية)، طريقة الحوار مع الكنيسة الكاثوليكية، وغيرها من الأمور. مع اعتقاد كلفن، أنَّه ليس هناك كنيسة مَرْئية كاملة على هذه الأرض، بسبب بقايا الجَهْل والخطية الكامِنَة في الإنسان حتى بعد إيمانه، مع ذلك اعتقد أنَّ الكنائس الإنجيلية، وأنا أقول أيضًا الكنائس المسيحية، تستطيع أنْ تتقارَب وتتوحَّد في الأمور الأساسية، إذْ لا يوجَد أي مانِع ليكون للكنائس وجْهات نَظَر مُخْتلِفَة في الأمور الثانوية.

  • رؤية معاصرة للإصلاح الإنجيلي في الشرق؟

تفترض الإجابة على هذا السؤال، قبل أيّ شيء معرفة الإنجيليين والإنجيليات لتاريخهم جيدًا. يتكلم الكثير من القسوس والوعّاظ والخدام في كنائسنا الإنجيلية، ويعظون فقط عن الحاضر والمستقبل، ويتجاهلون عن قصد أو غير قصد، التاريخ المجيد للإصلاح بصفحاته البيضاء الذي صاغ هويتنا الإنجيلية الحاضرة. لا أدري السبب، لكني أعلم تمامًا وللأسف، أنّ هناك جهلًا كبيرًا في كنائسنا لتاريخ حركة الإصلاح الإنجيلي وشخصيات الإصلاح، لا سيما الشخصيتين الأساسيتين: مارتن لوثر وجان كلفن. هناك جهل لعقائد الإصلاح ونمط العبادة الإنجيلية، ولليتورجيات العبادة التي تركها لنا المصلحون، لنستنير بها ونسير على خطاها، حتى نختبر بساطة وغنى وعمق العبادة الإنجيلية. فأولئك المصلحون وغيرهم، درسوا الكتاب المقدس جيدًا، وأخرجوا من الكتاب المقدس جددًا وعتقاء، غيّرت حياة الأفراد والمجتمعات، ورصدوا قضايا معاصرة غيّرت وجه الكنيسة والمجتمع. إنّ فهمنا لتاريخ الإصلاح يساعدنا لنرى كيف أن الأمور التي تبدو بديهية لنا اليوم، مثل الحصول على كتاب مقدس بلغتنا المحلية، كان أمرًا مكلفًا جدًّا، سبّب سفك دماء مصلحين مثل دم المصلح الإنجليزي، وليم تيندل وغيره.

بدأ الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر، بسؤال سبَّبَ أرقًا كبيرًا للمصلح مارتن لوثر، هو: “كيف أجد إلهًا مُنعِمًا يرحمني؟”. قبل بدء إصلاحه كان لوثر يعاني من موجات كبيرة من الهمِّ القَلِق، والخوف، والإحباط، والشكوك. وبعد تعرُّفه على الإنجيل، وجد الإجابات لقلقه ومخاوفه من خلال عقيدة التبرير بالإيمان وحده أو الخلاص الإصلاحية، التي حرَّرته من مخاوفه وإحباطاته وشكوكه. اكتشف لوثر من خلال هذه العقيدة، التي كانت ويجب أن تبقى، حجر الأساس لكنائسنا الإنجيلية في الشرق، أنّ الله المُنعِم أظهر رحمته ونعمته في يسوع المسيح. توقّف المؤرّخ اللاهوتي ماكغراث، عند أهمية عقيدة التبرير أو الخلاص بالإيمان وحده، قائلًا: “إنّ مصطلح “الخلاص”، يُستَخدَم في اللاهوت المسيحي لإيصال الصور المنجزة، بموت وقيامة الرب يسوع المسيح”. وجد ماكغراث خمس صور أو مكوّنات ملهمة في هذه العقيدة: أولًا- صورة الانتصار. ثانيًا- صورة تغيّر في المكانة أو الوضع القانوني الإنساني. ثالثًا- صورة تغيّر في العلاقات الشخصية. رابعًا- صورة تحرُّر. خامسًا- صورة عن الاستعادة الكلّية للإنسان. أكمل ماكغراث قائلًا: “هذه العقيدة زوّدتنا بنقطة نحوّل لاهوتية محورية، لأنّ المسيح بخلاصه الذي أتمّه من أجلنا في الصليب والقيامة، زوَّدنا بأسس التجديد والتغيير. وبالتالي، إنّ ما قام به الله في المسيح، أنه جعل كل شيء جديدًا. لذا، أصبح يسوع المسيح، التركيز اللاهوتي الجديد في الإصلاح الإنجيلي. وبهذا التركيز، فإن الخلاص بالإيمان بالمسيح وحده، أصبح نقطة التحوّل في تاريخ ولاهوت الكنيسة. وتأثيره لم يكن فقط على الكنيسة، وإنما أيضًا على المجتمع”.

إنّ الرابط الذي يربط بين حالة مارتن لوثر والناس في زمن الإصلاح في القرن السادس عشر، وحالة الناس اليوم في القرن الحادي والعشرين، لم يتغيّر، بل لا يزال نفسه. إنّ نفس مشاعر الخوف والقلق والإحباط والشكوك التي سادت على لوثر والناس، لا تزال تسود على الأغلبية الساحقة من الناس في شرقنا، بسبب التغيّرات الإقليمية التي نشأت مما سمِّي الربيع العربي، والذي كان بالحقيقة خريفًا. هذا بالإضافة إلى الحروب المتلاحقة في منطقتنا، إن كان في فلسطين، أو العراق، أو سوريا، أو مصر، أو لبنان وغيرها. وآخرها الحرب الروسية على أوكرانيا، التي أضافت على ملايين اللاجئين، السوريين والفلسطينيين والعراقيين وغيرهم، ملايين أخرى. معلوم أنّ الحرب الروسية- الأوكرانية، أعاقت إمداد العديد من الدول بالمواد الضرورية للعيش، لا سيما الطحين والمواد الأولية. هذا بالإضافة إلى غزو جائحة كورونا العالم، وانتشار الأوبئة، والآن نسمع بمرض جدري القرود. وبالتالي، إنّ سوء الأحوال السياسية والاجتماعية والنفسية والأمنية، والانهيارات الاقتصادية، والمالية، والصحيّة. هذا بالإضافة إلى النقص في الأولويات الحياتية في بلداننا: من كهرباء، وأدوية وطعام واستشفاء وغيرها من الحاجات الضرورية يؤدّي إلى انتشار المزيد من الفقر والجوع والظلم والتشرّد والتهجير والهجرة في العديد من بلدان منطقتنا الشرق أوسطية، ويعاظم الكثير من الهموم والآلام والخوف والقلق والإحباط في قلوب وحياة سكان أهلنا في الشرق من مسلمين ومسيحيين.

مما لا شك فيه أن الكثير من هذه المخاوف لها تبريراتها، لكن هناك قولًا يونانيًّا قديمًا، مفاده: “أرني مخاوفك، وسوف أخبرك أن تحرُّرَك منها، هو في الإيمان”. كان الخبر السار الذي نقله الإصلاح الإنجيلي للعالم، هو أنّ الإنسان الخاطئ يتحرّر من خطاياه ومخاوفه المرافقة، بالنعمة وحدها، بواسطة الإيمان وحده، في يسوع المسيح وحده. وكان لعقيدة التبرير بالإيمان دورٌ في تخفيض نسبة كبيرة من القلق والهموم والخوف والإحباط لدى مارتن لوثر والمصلحين. أعتقد أنّ التحدّي الأكبر بالنسبة لنا اليوم في الشرق، هو ليس إزالة هذه المخاوف، الأمر غير الممكن، وإنما تطهيرها وتلطيفها، وتعميدها بمياه معمودية يسوع المسيح، لكيلا تخنقنا هذه المخاوف وتقضي علينا. وحيث إنّ اختبار المصلحين الشخصي العملي، علّمنا أنّ حضور الله المنعم في حياتنا في ابنه يسوع المسيح يخفّف من مخاوفنا وقلقنا، لذا نحن مدعوون للعودة إلى الله، واختبار صلاحه من جديد. ربما نحتاج في القرن الحادي والعشرين إلى طرق جديدة، ولغة جديدة، وحقول اختبارات جديدة، كيما نعيد اكتشاف حضور الله في حياتنا، لكن تبقى مبادئ الإصلاح الإنجيلي الخمسة: الكتاب المقدس وحده. النعمة وحدها. الإيمان وحده. يسوع المسيح وحده. المجد لله وحده. هي البوصلة التي تقود حياتنا في استخدامنا لطرق جديدة معاصرة، ولغة عصر جديدة، وحقول اختبارات جديدة. غالبًا ما وَصَف الكلفينيون رؤيتهم للكنيسة في تصنيفات ثلاثة: العقيدة، العبادة، وإدارة الكنيسة. قال المؤرّخ مايك هورتون: “أراد المصلحون أن يستعيدوا بعض الأشياء التي فُقِدت، وليس أن يتبعوا رياح الحداثة الناشئة”. وأضاف: “إن لم تستطِع الكنيسةُ أن تراوح مكانها، هذا لأنها بحاجة دائمًا الى إعادة توجيه بناء لكلمة الله”. إنّ الاصلاح الوحيد، الذي يستحقّ تسويقه، هو ذاك الذي يدخلنا بعمق أكبر في الكتاب المقدس.