سفر الرّؤيا
- Sermon By: ق. كرم لمعي
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
مقدمة
يعزف الكثيرون عن دراسة سفر الرؤيا بسبب صعوبة فهم السفر لما فيه من ألغاز ورموز وشفرات يصعب فكها، ويفسّر آخرون السفر دون اعتبار لقرينة السفر التاريخية ولا للقالب الأدبي الذي كُتبَ فيه، وأيضًا دون اعتبار لباقي الكتاب المقدس فينحرف التفسير ويفقد السفر رسالته التي قُصد أن تفهمها الكنيسة وتعيش بموجبها. ورأينا كثيرًا من محاولات توفيق السفر أو “تكييفه” ليلائم أحداثًا بعينها، ومر الوقت ولم نرَ ثمة علاقة بين السفر وتلك الأحداث لنصحو من جديد على محاولات أخرى مع ظهور أحداث جديدة على مسرح التاريخ، ولعلّ آخرها ما تزامن مع بداية العام 2020 وانتشار فيروس الكوفيد-19 على المستوى العالمي وما أشيع عن قرب ظهور “الوحش” وأن المصل الذي يتم تصنيعه ما هو إلا ختم الوحش. بالإضافة إلى أزمة سد النهضة على المستوى القومي والإقليمي. وهذه المقالة ليست دراسة أكاديميةً لاهوتيةً بالمعنى الدقيق، ولكنها محاولةٌ لعرض مدارس التفسير المختلفة، مع التركيز على مدرسة التفسير المتوازي التصاعدي لوليام هندركسن كمحاولة لفهم السفر والختام بضرورة دراسة السفر وتعليمه.
سفر الرؤيا ببساطة
إن سفر الرؤيا، في جوهره، رسالة رعوية بامتياز، أرسلها يوحنا إلى كنائس آسيا الصغرى آنذاك عندما كانت تعاني من الاضطهاد المرير من جهة، وأيضًا الضلالات اليهودية والوثنية التي مثّلتْ تحديًا حقيقيًّا لاستقامة التعليم وحياة الكنيسة، ونتبين بالفعل من دراسة أصحاحي 2، 3 إصابة بعض الكنائس بحالة من الفتور والضعف أحيانًا، وأحيانًا أخرى المساومة على الحق مثل كنائس برغامس وثياتيرا ولاودكية مثلًا. لكن بقيت بعض الكنائس على إيمانها وولائها للتعليم والقداسة والشهادة؛ مثل سميرنا وفيلادلفيا. والسفر، كرسالة، يحتوي على عناصر الرسائل النمطية التي شاعت وقت كتابة السفر؛ فنجد اسم المرسل، ثم التحية، وموضوع الرسالة، والخاتمة.
وقد كُتِب السفر في قالبٍ رؤيويٍّ يرسم فيه الرائي صورًا أكثر مما يتكلم، والسبب في ذلك يرجع إلى أن هذا القالب هو الأنسب للتعبير عن مضمون السفر وغايته من حيث تصوير الصراع بين الخير والشر؛ بين مملكة الله وممالك العالم التي يرأسها الشيطان، وإحياء الرجاء لدى البقية الأمينة المضطهدة وتثبيتها، والتأكيد على النصرة النهائية الكاملة لمملكة الله واندحار مملكة الشر. فالقالب الرؤيوي الرمزي هو الأنسب للتعبير عن هذه المضامين، ويضيف البعض أن لغة السفر المشفَّرة تجعل حامل الرسالة والمرسَل إليهم في مأمن في حال وقوع الرسالة في يد العدو.
ولا يمكن فهم السفر إلا في ضوء الأسفار الرؤيوية في العهد القديم، مثل حزقيال، ودانيآل، وزكريا؛ فكثير من شفرات السفر نجد حلًّا لها في هذه الأسفار، والنص الآخر الشهير الذي لا يمكن تجاهله هو حديث جبل الزيتون (متى 24). أما القاعدة التفسيرية الشهيرة والبسيطة التي تُعيننا على فهم السفر فهي ضرورة تفسير النصوص الصعبة والغامضة في ضوء النصوص الواضحة والمباشرة، والحذر من بناء عقيدة أو تعليم على نص واحد مفرد أو كلمة أو رقم.
ويعتبر 1: 1، 9 مفتاحًا مناسبًا لفهم السّفر، فبحسب 1: 1 فالسفر كشفٌ أو إعلانٌ لأمورٍ خافيةٍ على البشر كشف عنها المسيحُ شخصيًّا، وكلَّف ملاكه بتبيان هذه الأمور ليوحنا، ليقوم يوحنا بدوره بكتابتها للكنيسة. والسفر، ببساطة، هو “ما لا بدّ أن يكون عن قريب”، وتوجد مدرستان رئيسيتان لتفسير هذه العبارة: الأولى هي المدرسة المستقبلية التي ترى في السفر نبوءاتٍ ستحدث في آخر الأيام قبيل عودة المسيح، وهؤلاء يتبنّون حُكم دوميتيان زمنًا لكتابة السفر حوالي 95م، أما المدرسة الثانية فترى في العبارة ما سيحدث حالًا إشارة إلى سقوط أورشليم وحكم نيرون ونهاية روما، وهذه المدرسة تتبنى ما قبل سقوط أورشليم زمنًا لكتابة السفر؛ حوالي 68م.
ومن 1: 9 نتبين أنَّ يوحنا كان منفيًّا في جزيرة بطمس، وكان النفي إحدى وسائل روما للمعاقبة، ويعلن أنه شريكُ المكتوب إليهم في الضيقة وفي ملكوت يسوع المسيح وصبره. نلاحظ هنا أمرًا هامًّا وجوهريًّا، ألا وهو اقتران الألم والصبر بالملكوت؛ فالاثنان يسيران معًا جنبًا إلى جنب. إن ملكوت المسيح هو ملكوت الألم، ولا يمكن تصوّر ملكوته خاليًا من الألم إلا في السماء.
مدارس تفسير السفر
الأولى: مدرسة “تحقق بالفعل” preterist
ترى هذه المدرسة أن السفر تحقق بالفعل في الماضي، الكلمة preter هي كلمة “ماضي” في اللاتينية، وترى هذه المدرسة أن السفر يتكلم عن سقوط أورشليم في يد الرومان سنة 68-70م، وأن الأصحاحات 1-3 تكشف وضع كنائس آسيا الصغرى قبل هذا الحدث، والأصحاحات من 6 – 19 جميعها هي عن سقوط أورشليم، بينما الأصحاحات 20-22 مختصة بالقيامة ومجيء المسيح ثانيةً. بالمناسبة، آر سي سبرول يتبنى هذه المدرسة، ويُطلق على هذا الاتجاه “التحقيق الجزئي”.
الثانية: المدرسة التاريخية Historical
تبنى قادة الإصلاح البروتستانتي هذه المدرسة مثل جون ويكليف، وجون هسّ، وتندال، ولوثر، وكالفن، وزوينجلي وآخرون، وترى هذه المدرسة أن السفر يمثل تعاقبًا لحقب تاريخية مرت وتمر بها الكنيسة، وهذه الحقب تمثلها الكنائس السبع في الأصحاحات 1-3، وفك الأختام 4-7 يمثل سقوط روما، والأبواق 8-10 اجتياح الشعوب والقبائل الحدودية للإمبراطورية الرومانية مما تسبب في سقوطها، والأصحاحات من 11-13 تمثل صراع الكنيسة الحقيقية -المُصلحة- مع الكاثوليكية المرتدة في عصر الإصلاح، حتى أنَّ من المصلحين من رأى أن البابوية تمثل الوحش، وأنّ الأصحاحات من14 -19 تمثل الضربات على البابوية ثم دينونتها النهائية. يكفي نقدًا لهذه المدرسة أنها قصرت السفر على غرب أوربا مكانًا ووقت الإصلاح زمانًا دون اعتبار للكنيسة في باقي ربوع العالم ولا عبر التاريخ.
الثالث: المدرسة المستقبلية (التدبيرية) Futurist
تتبنى هذه المدرسة تفسيرًا حرفيًّا مستقبليًّا للسفر، وبالتحديد الأصحاحات من 6 – 22. يقسّم المستقبليون السفر إلى ثلاثة أجزاء بناءً على 1: 19 “ما رأيت، وماهو كائن، وما هو عتيد أن يكون بعد هذا”، فيعتبرون أصحاح 1 هو “ما رأيت”، والأصحاحات 2-3 “ما هو كائن”، والأصحاحات 4-22 “ما هو عتيد أن يكون بعد هذا”. ترى هذه المدرسة أن الأصحاحات من 4 – 22 نبوات ستحدث مباشرةً عقب اختطاف الكنيسة، وتبدأ بسبع سنين ضيق شديد فيها ينصبُّ غضب الله على الأمم متمثلًا في الختوم والضربات والجامات، والأصحاح 13 يمثل حكومةً عالميةً بزعامة الوحش، وهو زعيم سياسي، وحليفه النبي الكذاب، وهو زعيم ديني، أما أصحاح 17 فيمثل الكنيسة المرتدة، وأصحاح 19 يمثل مجيء المسيح، وأصحاح 20 تقييد الشيطان والحكم الألفي السعيد الذي يعقبه خلق السماء الجديدة والأرض الجديدة بدلًا من أرضنا وسمائنا القائمتين. وفي خلال الضيقة العظيمة سيؤمن كثيرون من اليهود بالمسيح ويُقتَلون ثم يقومون في نهاية الضيقة مع مجيء المسيح وبداية الملك الألفي.
يعيب هذه المدرسة أنها تفصل بين زمن وحاجة قرّاء السفر الأوائل وبين محتواه بألفي سنة – باعتبار عصرنا الحاضر -فيكون الأمر شبيهًا بمن يشجع غريقًا يصارع الأمواج بأنه بعد ألف سنة سيتمكن الإنسان من اختراع ساعة يد تحمي من الغرق، فهذه النبوة لا تعني شيئًا لذلك الغريق. بالإضافة إلى أن القالب الرؤيوي والرمزي لا يمكن تفسيره حرفيًّا، وإذا انتقينا ما نعتبره حرفيًّا وما نعتبره رمزيًّا سنجد أنفسنا نلوي النصوص أو ننتزعها من قرائنها لإثبات وجهة نظرنا. مثلًا؛ في رؤيا 20 يقرّ الجميع أن الشيطان روح ولا يُقيّد حرفيًّا بسلسلة ولا يُحبس حرفيًّا في بئرٍ مادي ورغم ذلك يصرّ التدبيريون على حرفية رقم 1000 ومادّية المُلك على أرضنا المادّية رغم أن كل هذا ورد في ذات النّص.
الرابعة: المدرسة المثالية أو الروحية Idealist
تنتهج هذه المدرسة نهجًا مجازيًّا في تفسير السّفر، فترى في السفر نموذجًا للصراع الروحي المستعر بين المسيح وكنيسته من جهة والعالم الشرير المناوئ للمسيح ومملكته الروحية من الجهة الأخرى. وهذا الصراع بدأ بمجيء المسيح الأول وسينتهي بمجيئه الثاني، وتؤكد المدرسة المثالية على أن السفر لا يتعرض لأحداثٍ تاريخيَّةٍ بعينها وإنّما لمبادئ المعركة الروحية الدائرة، وترى المدرسة الروحية أن الوحش يمثل أيَّ قوةٍ سياسيةٍ معاديةٍ للكنيسة في أي عصر، وكذلك النبي الكذاب يمثل أي أيديولوجية أو ديانة زائفة مناقضة للحق وتسعى لتضليل المؤمنين، والضربات هي دينونات إلهية تحدث عبر التاريخ سواء أوبئة أو مجاعات أو حروب وما يجنيه البشر من ورائها من خسائر ومعاناة.
على الرغم من أن التفسير الروحي يجعل السفر مُعاشًا دائمًا، ويمكّن الكنيسة من التغذّي عليه في أي عصرٍ وفي كل مكان، إلا أنه لا يمكن تجاهل الحقائق التاريخية المُشار إليها، فلدينا الكاتب الذي كان منفيًّا في جزيرة بطمس المعروفة، ولدينا كنائس آسيا التاريخية في أصحاحي 2، 3، ولا يخفى على القارئ أوجه الشبه بين مواصفات بابل المذكورة في السفر وروما التي عاصرها قرّاء السفر، حتى رقم الوحش بقراءتيه 666، 616 يجزم كثير من كبار المفسرين أنه عدد اسم نيرون في اليونانية واللاتينية.
خامسًا: التفسير “التوازي التصاعدي progressive parallelism ”
يعتبره الكثيرون أفضل تعبير للتفسير المثالي الروحي ويعود إلى وليام هندركسن في تفسيره للسفر “أعظم من منتصرين” ومفاده أن السفر ينقسم إلى سبعة أقسام متوازية وكل منها يبدأ بمجيء المسيح الأوّل وينتهي بمجيئه الثاني، وما بين المجيئين يصوّر لنا أحداث الصراع أو مبادئ المعركة الروحية التي تعيشها الكنيسة في العالم، إلا أن الأقسام السبعة ليست مجرد تكرار، ولكن في كل مرة يلقي الكاتب ضوءً جديدًا على ذات الأحداث، وكل قسم يبرز تصاعدًا في قوة المعركة ومبادئها وتتصاعد الوتيرة الإسخاتولوجية عبر التوازيات السبعة. وفيما يلي خلاصة توازيات هندركسن:
الأول: الأصحاحات من 1 – 3
يرى يوحنا المنائر السبع وفي وسطها يتمشى ابنُ الإنسان في مجده ويأمر يوحنا بالكتابة إلى كنائس آسيا السبع، ومن الواضح أن رؤية يسوع والرسائل السبع تشكّل وحدةً متجانسةً. وعلينا ملاحظة أن الرسائل تضمنت أسماء بلاد وأشخاص وأحداثًا تاريخيةً معاصرةً لكتابة السفر، كما أن الرسائل لم تكن قاصرةً أو حصريةً لكنائس السفر، بل هي موجهة -مثل باقي الأسفار- للكنيسة في كل مكان وزمان. وتمثل كنائس السفر كنائس اليوم وكل يوم، ففي ذات المدينة الواحدة، بل وفي الشارع نفسه، قد نلاقي كنيسة في فتور لاودكية، وبعدها بأمتار كنيسة في أمانة سميرنا. فلا شك أن السفر كان يعني شيئا مُعيَّنًا لكنيسة القرن الأول، فلا يصح مثلًا أن يكتب يوحنا إلى كنيسة مضطهدة في زمنه ليخبرهم عن أشياء ستحدث بعد آلاف السنين.
الثاني: الأصحاحات من 4 – 7
يؤخذ يوحنا بالرؤيا إلى السماء ليرى الله جالسًا في عرش يفوق الوصف، وكل الخليقة تتعبد له، وفي يمينه سفر مختوم بسبعة ختوم. ثم يرى حَمَلًا كأنه مذبوح، وهذا الحمل هو الوحيد المستحق أن يفك ختوم السفر ويعلن ما فيه لأنه الوحيد الذي، بموته، غلب وانتصر. ثم تفك الختوم واحدًا تلو الآخر، ومع كل ختم ينصبّ قضاءٌ جزئيٌّ على العالم، وتُرى الكنيسة متألمةً رغم انتصار الحَمَل/الأسد، فاتّباع الرب المنتصر لا يعني الإعفاء من الألم بل الانتصار في الألم، وتنتهي الختومُ بإعلانِ الدينونة الإلهية وانتهاء الزمن، ومُلك الرب النهائي ومكافأة شعبه “… قَدْ جَاءَ يَوْمُ غَضَبِهِ الْعَظِيمُ” (6: 17)، ومكافأة شعب الرب “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ هُمْ أَمَامَ عَرْشِ اللهِ، وَيَخْدِمُونَهُ نَهَارًا وَلَيْلًا فِي هَيْكَلِهِ، وَالْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُمْ. لَنْ يَجُوعُوا بَعْدُ، وَلَنْ يَعْطَشُوا بَعْدُ، وَلاَ تَقَعُ عَلَيْهِمِ الشَّمْسُ وَلاَ شَيْءٌ مِنَ الْحَرِّ، لأَنَّ الْخَرُوفَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْعَرْشِ يَرْعَاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ» (7: 15 -17).
الثالث: الأصحاحات من 8-11
تصف هذه الأصحاحات أبواق الدينونة السبعة، وتُرى الكنيسة محميةً منتصرةً وقد نال أعداؤها قصاصَهم العادل، وينتهي هذا القسم، نفس نهاية باقي الأقسام، بالدينونة الإلهية النهائية “«نَشْكُرُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي، لأَنَّكَ أَخَذْتَ قُدْرَتَكَ الْعَظِيمَةَ وَمَلَكْتَ. وَغَضِبَتِ الأُمَمُ، فَأَتَى غَضَبُكَ وَزَمَانُ الأَمْوَاتِ لِيُدَانُوا، وَلِتُعْطَى الأُجْرَةُ لِعَبِيدِكَ الأَنْبِيَاءِ وَالْقِدِّيسِينَ وَالْخَائِفِينَ اسْمَكَ، الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، وَلِيُهْلَكَ الَّذِينَ كَانُوا يُهْلِكُونَ الأَرْضَ” (11: 17، 18).
الرابع: الأصحاحات من 12-14
تبدأ الرؤى بامرأة تلد ابنًا، وتنّينٌ ينتظر ليبتلعه فور ولادته، ولكن تُنقذُ المرأة والطفل، وتبدأ الحرب مع باقي نسلها، ثم نلتقي مع وحشين هما حليفا الشيطان، أما الطفل فهو المسيح في مجيئه الأول، وإنقاذه يمثل نصرته بالقيامة التي كانت فيها الهزيمة الكاملة للشيطان، ولما فشل الشيطان في إفساد عمل الفداء استمرت مقاومته للمسيح بمقاومة الكنيسة؛ حيث يوظف يوميًّا كل شرِّه وأحابيله للنَّيْل منها مجندًا له أعوانًا من المقاومين والمضللين، وينتهي القسم كذلك بتتويج المسيح ملكًا وقاضيًا عادلًا يقتص من المقاومين “ثُمَّ نَظَرْتُ وَإِذَا سَحَابَةٌ بَيْضَاءُ، وَعَلَى السَّحَابَةِ جَالِسٌ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ، لَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِكْلِيلٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَفِي يَدِهِ مِنْجَلٌ حَادٌّ… فَأَلْقَى الْجَالِسُ عَلَى السَّحَابَةِ مِنْجَلَهُ عَلَى الأَرْضِ، فَحُصِدَتِ الأَرْضُ” (12: 14، 16).
الخامس: الأصحاحان 15 ،16
يشرح هذان الأصحاحان جامات الغضب السبع، والتي تصوّر انصباب غضب الله على غير التائبين، فيسكب الملاكُ السابعُ جامَه على الأرض صارخًا: “قد تمّ” ويعقب صرخة الملاك تصوير للدينونة الإلهية.
السادس: الأصحاحات من 17 – 19
في هذا الجزء، نرى وصفًا لسقوط بابل ونهاية الوحشين، وتمثل بابل العالم الدنيوي الشرير في معاداته لملكوت الله، وينتهي بدينونة الشيطان نفسه وحليفيه؛ وحش البحر ووحش الأرض. ويختتم بتصوير واضح لنهاية العالم ومجيء الرب ثانيةً “ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِينًا وَصَادِقًا، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ.. وَمِنْ فَمِهِ يَخْرُجُ سَيْفٌ مَاضٍ لِكَيْ يَضْرِبَ بِهِ الأُمَمَ. وَهُوَ سَيَرْعَاهُمْ بِعَصًا مِنْ حَدِيدٍ، وَهُوَ يَدُوسُ مَعْصَرَةَ خَمْرِ سَخَطِ وَغَضَبِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.. فَقُبِضَ عَلَى الْوَحْشِ وَالنَّبِيِّ الْكَذَّابِ مَعَهُ، الصَّانِعِ قُدَّامَهُ الآيَاتِ الَّتِي بِهَا أَضَلَّ الَّذِينَ قَبِلُوا سِمَةَ الْوَحْشِ وَالَّذِينَ سَجَدُوا لِصُورَتِهِ. وَطُرِحَ الاثْنَانِ حَيَّيْنِ إِلَى بُحَيْرَةِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ بِالْكِبْرِيتِ.” (19: 11، 15، 20).
السابع: الأصحاحات من 20 – 22
يبدأ المشهد بتقييد الشيطان فلا يضل الأمم، وهذا يمثل الفرقَ بين ما قبل يسوع؛ حيث كانت كل الأمم في ضلال، وما بعد مجيء يسوع وبدء الإنجيل ودخول الناس من كل الأمم إلى الكنيسة، والألف السنة تعبيرٌ رمزيٌّ على الوقت الممتدّ من مجيء يسوع الأول إلى مجيئه الثاني، وخلال هذه المدة يُعطى الشيطان، من آنٍ لآخر، الفرصة لشنِّ اضطهاد أو محاولات تضليل، لكنه لا ينجح في هزيمة الكنيسة، وتنتهي المدة بالقضاء التام على الشيطان إلى الأبد في بحيرة النار ومعه كل الشعوب المتمردة، وبدينونة كل من لم يوجد اسمه مكتوبًا في سفر الحياة، والنصرة النهائية الأبدية لشعب الرب ووصف أخّاذ يصوّر السماء، مسكن الله مع النّاس.
ويقسّم هندركسن الأقسام السبعة إلى قسمين؛ الأول من 1- 11 وفيها التركيز على الارض حيث العالم يضطهد الكنيسة ولكن الكنيسة محميّة ومنتصرة. والقسم الثاني من 12- 22 وفيه يلقي الضوء على الخلفية الروحية للصراع الظاهر، حيث الصراع في حقيقته بين المسيح (وكنيسته) من جهة والشيطان ومعاونيه من جهة أخرى، مع التأكيد على حقيقة وحتمية انتصار المسيح وكنيسته.
تعقيب
ينتهج البعض مدرسةً توافقيَّةً تأخذ من كل المدارس السابقة ما يتفق مع محتوى الكتاب المقدس، وما لا يتعارض مع قواعد التفسير السليمة التي تراعي القالب الأدبي للسفر والخلفية التاريخية واللغة الأصلية وقواعدها النّحوية وأيضًا القرينة الكتابية الواسعة في العهدين القديم والجديد، وغاية المدرسة التوافقية جعل السفر حيًّا نابضًا في حياة الكنيسة ومساهمًا في تشكيلها وتقويتها ودعم الرجاء فيها وتحفيزها في جهادها مُستعدةً لمجيء الرب، دون إغفال لتاريخية السفر وأحوال واحتياجات قرائه الأوائل.
الأمر المُحزن هو ما نراه من آنٍ لآخر من تطاحن وعداء بين بعض المذاهب المسيحية المختلفة؛ الأمر الذي يصل أحيانًا إلى حد التكفير والإدانة بالهرطقة رغم أن أتباع المدارس التفسيرية الأربعة مُخلِصون لحقائق وأساسيات الإيمان المسيحي القويم، مثل وحي الكتاب المقدس وعصمته وكفايته للتعليم والسلوك، وأيضًا عقائد الثالوث والتجسد وصلب وقيامة وصعود المسيح والإيمان بحرفية مجيئه ثانيةً، والخلاص بالنعمة بالإيمان بعمل يسوع، وحتمية الإرسالية للعالم وغيرها. ولا عجب أن الكنيسة المشيخية مثلًا لا تشترط في قبول أعضاء جدد أن يكونوا من أتباع مدرسة دون الأخرى، وإن كانت تشترط هذا في من يتولون الوظائف الكنسية وقيادات الصف الأول بالكنيسة، فالأعضاء الجدد هم على طريق التلمذة والتعليم والتشكيل، لكنها تشترط عليهم عدم تعليم ما يخالف عقيدة الكنيسة أو نظامها.
وأرى ضرورة تبنّي حوار تسوده المحبة والاحترام للتأكيد على ثوابت الإيمان وأساسياته وتوجيه كل الطاقة في المناداة بالإنجيل وتلمذة المؤمنين وإعدادهم للخدمة بدلًا من الجدل العقيم الذي لا يبني، لا سيما مع تنامي مدارس التشكيك في الكتاب المقدس وأساسيات الإيمان وتنامي النزعات الإلحادية وحالة الارتباك والحيرة لدى الكثير من الشباب.
لماذا من الضروري دراسة السفر؟
أولًا: رسالة رجاء
يحكي السفرُ قصةَ انتصار المسيح على الشر وحقيقة ملكه وسلطانه الكامل في الأرض والسماء ويقين انتصار الكنيسة، ولا شيء أعظم من هذه الحقائق المجيدة يزيد الكنيسة رجاءً وقوةً في معركتها الروحية الممتدة، ويحفِّزها لإنجاز إرساليتها في العالم.


