مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

ضحك سارة

Watch Now

Download

ضحك سارة

إلى مُخْتَبِري الحَزَنِ!

قراءة نقديَّة في كتاب «ضَحِكُ سَارَّة: الشَّك والدُّموع والرَّجاء المسيحيّ» لـ فينوث رامتشاندرا

“… لكن السُّؤال ’لماذا؟‘ ليس دعوة لشرحٍ نظريٍّ للمُعاناة والشَّرِّ. إنَّه تعبير عن عذاب وجوديّ بسبب صمت وتراخي الله في وجه التَّهديد والكارثة والمُعاناة التي لا تُخفَّف. إنه هو السُّؤال حقًّا: ’لماذا يا رب أنت مُختفٍ وغير مبالٍ أو غائب؟‘… هذا ما لا يمكن احتماله. تضعف الثِّقة باللهِ. هل قوة اللهِ محدودة بأعمال التَّبرئة التي حدثت في الماضي، أم أنه لا يزال محلَّ ثقةٍ ليصنع فرقًا في العالم اليوم؟”[1]

يُعدّ كتاب «ضَحِكُ سَارَّة: الشَّك والدُّموع والرَّجاء المسيحيّ» Sarah’s Laughter: Doubt, Tears, and Christian Hope بقلم فينوث رامتشاندرا، تأملًا عميقًا في مُعاناة الإنسان من منظور لاهوتيٍّ وفلسفيٍّ. المُميز في هذا الكتاب هو استناد مؤلفه إلى خبراته الشَّخصيَّة بوصفه لاهوتيًّا مسيحيًّا من سريلانكا، عاش في بيئة شهدت كوارث طبيعيَّة وعنفًا بشريًّا، ليواجه التَّحديات الفكريَّة والأخلاقيَّة والسياسيَّة التي تطرحها المُعاناة على الإيمان في عالمنا المُعاصر. هو كتاب لا يُنَظِّرُ عن الألم، بل هو وليد الألم، من رَحِم المُعاناة، لذا فهو يجد طريقه إلى قلبك أوَّلًا، ثمَّ إلى عقلك.

عن الكتاب والكاتب

يتناول الكتاب موضوع المُعاناة البشريَّة، متسائلًا عن كيفيَّة التَّوفيق بين حقيقة وجود الألم، والإيمان بإله مُحب. يُبرز رامتشاندرا أهميَّة التَّعبير عن الحزن والشَّك والتَّساؤل كجزءٍ من الحياة المسيحيَّة، مؤكدًا أنَّ الفرح والاحتجاج، والإيمان والغموض، يمكن أن يتعايشوا في حياة التِّلميذ المسيحيّ. يُشجع على مواجهة الظَّلام في العالم، مُقتديًا بالله المتجسِّد، لنرى الخليقة الجديدة.

صدر هذا الكتاب في الإنجليزيَّة بعنوان: Sarah’s Laughter: Doubt, Tears, and Christian Hope عن لانجهام، عام 2020، في 137 صفحة من القطع المتوسط. وترجمه القسّ سامح إبراهيم، وصدر عن دار إنسباير للنَّشر والتَّوزيع عام 2023، حاملًا رقم ISBN: 978-977-85609-6-1. ورقم إيداع: 3166/ 2023.

أشهر ما قيل عن الكتاب، هو ما قاله مارك لابيرتون، رئيس كلية فولر اللََّاهوتيَّة: “يُقدم رامتشاندرا في هذا الكتاب دراسة غنيَّة ومؤثرة، تجمع بين التَّجربة الشَّخصيَّة والتَّحليل اللَّاهوتيّ العميق.”[2] كما أشار ستيفن ويليامز، الأستاذ الفخري في جامعة كوينز، إلى أن الكتاب: “يُقدم تشريحًا بليغًا للألم والمُعاناة البشريَّة، ويدعونا للاعتراف بها في حضرة الله.”[3]

يحمل فينوث رامتشاندرا درجة الدكتوراه في الهندسة النَّوويَّة من جامعة لندن. وهو سكرتير الحوار والمشاركة الاجتماعيَّة مع الزَّمالة الدَّوليَّة للطلاب الإنجيليين (IFES)، وهي شراكة عالميَّة تضم أكثر من 150 حركة مسيحيَّة على مستوى الجامعة. كان فينوث الأمين العام المؤسس لزمالة طلاب الجامعات المسيحيَّة (FOCUS)  والأمين الإقليمي لـ IFES جنوب آسيا قبل الانتقال إلى فريق القيادة العليا لـ IFES. شارك فينوث أيضًا في حركة الحقوق المدنيَّة في سريلانكا، وكذلك مع شبكة ميكا العالميَّة (شبكة من منظمات التَّنمية والعدالة) وشبكة روشا (وهي منظمة عالمية لحفظ التَّنوع البيولوجيّ). وهو أيضًا عضو في المجلس الاستشاريّ الدَّوليّ لمعهد فاراداي للعلوم والدِّين، ومقرَّه في كامبريدج، إنجلترا. وهو مؤلف عديدٍ من المقالات والكتب منها: “هدم الأساطير العالميَّة: اللَّاهوت والقضايا العامَّة التي تشكل عالمنا،” و”الكنيسة والإرساليَّة في آسيا الجديدة.” تزوج فينوث منذ ما يقرب من عشرين عامًا من زوجته الدَّنماركيّة كارين، التي توفيت في عام 2018 بعد صراع مع مرض السَّرطان.[4]

تقسيم فصول الكتاب وموضوعاتها

يتألَّف الكتاب من خمسة فصول رئيسة، بالإضافة إلى مقدِّمة وخاتمة:​[5]

الفصل الأوَّل، لماذا، يا رب، تحجب وجهك؟ يناقش رامتشاندرا في هذا الفصل صمت الله في وجه المُعاناة، مستعرضًا تجاربه الشَّخصيَّة، مثل فقدان زوجته، والحروب في سريلانكا، والتَّحديات البيئيَّة. يطرح تساؤلات حول كيفيَّة التَّوفيق بين الإيمان والمُعاناة، مؤكدًا على أهميَّة التَّعبير عن الألم والشَّك كجزء من العلاقة مع الله.​

الفصل الثَّاني، أيوب وفوضى اللَّاهوت: يتناول هذا الفصل قصَّة أيُّوب، مسلطًا الضَّوء على كيفيَّة تعامل أيُّوب مع مُعاناته والرُّدود التي تلقاها من أصدقائه. يشير رامتشاندرا إلى أنَّ محاولات تفسير المُعاناة قد تكون غير مفيدة، وأنَّ الصَّمت والتَّسليم لله قد يكونان أكثر صدقًا في مواجهة الألم.​

الفصل الثَّالث، دموع الله: يستكشف رامتشاندرا في هذا الفصل فكرة أن الله يشارك في مُعاناة البشر، متحديًا المفهوم التَّقليدي الذي يصور الله كغير متأثر. يستند إلى نصوص من العهد القديم وحياة المسيح ليؤكد أن الله يتألم مع شعبه، مما يعزز الرَّجاء في وسط الألم.​

الفصل الرَّابع، الله والشَّر الطَّبيعيّ: يناقش هذا الفصل الكوارث الطبيعيَّة والشَّر النَّاتج عنها، مُتسائلًا عن دور الله في هذه الأحداث. يرى رامتشاندرا أنَّ الخطيَّة البشريَّة تؤثر على الخليقة، وأنَّ الله لا يسبب هذه الكوارث، بل يعمل من خلالها لتحقيق الخير.

الفصل الخامس، الزَّمن المستقبليّ: يختتم رامتشاندرا الكتاب بالتَّأمل في الرَّجاء المسيحيّ، مؤكدًا أنَّ الرَّجاء ليس تجاهلًا للمُعاناة، بل هو الثِّقة بأنَّ الله سيجدِّد كلَّ شيءٍ. يشجِّع القراء على العيش برجاء نشط، يعمل من أجل العدالة والرَّحمة في العالم.​

إشارات أدبيَّة

يتميز الكتاب بأسلوبٍ سرديٍّ يجمع بين التَّأمل الشَّخصيّ والتَّحليل اللَّاهوتيّ ولا يغفل الخطاب العلميّ، لذا فهو يُعدّ خلطة خطابيَّة دقيقة، لا يضبطها إلَّا كاتب ماهر. يستخدم رامتشاندرا أسلوبًا بسيطًا وواضحًا، مما يُسهِّل على القارئ متابعة الأفكار المُعقَّدة. في الحقيقة، على مستوى السَّرد، نجح رامتشاندرا في إشراكي داخل سردياته، جعلني أُصادق شخوصه وأقتفي أثر حكاياتهم، بل وضع أسئلتهم وأسئلته على لساني في صلواتي طيلة قراءتي للكتاب! أنهض الذِّكريات من سُباتها، وحوَّل غرفتي الضَّيقة ذات الجدران الأربعة، إلى ساحات قتال وعراك وألم ومرض وكوارث، حتَّى رأيتها أحيانًا ملطَّخة بالدِّماء، وأحيانًا تئِنُّ، وأحيانًا تبكي! ومع ذلك، ربما يجد بعض القرَّاء أنَّ الانتقالات بين المواضيع ليست دائمًا سلسة، ما قد يُسبب لهم بعض التَّشتُّتِ.​

في الفصل الأوَّل، لغة الألم هي البطل الذي يحوِّل دخولك إلى الكتاب إلى الباب الذي أراده الكاتب، ليُشرك عواطفك أيضًا في موضوعه، فيُجنِّبك جفاف التَّنظير. افتتاحيَّته عن الحرب الأهلية في موطنه سريلانكا، تُظهر أنَّ هذا الكتاب وإن كان مفعمًا بالأمل، فهو نطاق واسع من الألم، بما في ذلك ألمه الشَّخصيّ، فرغم أنَّه لم يذكر وفاة زوجته كارين إلَّا مرَّة واحدة في مطلع الكتاب، إلَّا أنَّ هذا الأمر ألقى بظلاله حتمًا على الكتاب -والكتاب في الأصل مُهدى إليها. يقتبس المؤلف أيضًا من نيكولاس ولترستورف، من كتابه “رثاءُ ابنٍ” قوله: “جُرحي هو ذلك السُّؤال الذي لم يُجَاوب. إنّ جروح البشريَّة كلها هي سؤالٌ لم يُجَاوب.”[6] ينتقد رامتشاندرا كثرة الكنائس التي لا ترثي لتلك الجروح، والتي لا تسمح بالتَّعبير عن هذا الألم.

أمَّا الفصل الثَّاني، فبطله هو السُّؤال. نجحت أسئلة الفصل الثَّاني أن تتقاذفني بين صفحاته، تمامًا كما تنجح دراما سفر أيُّوب في هذا في كلِّ مرّة أقرأه فيها. الأسئلة الكثيرة التي لم يُجب عنها في سفر أيوب هي محور الفصل الثَّاني. في الفصل الثّالث “دموع الله”، يستكشف رامتشاندرا حُزن الله على شعبه وما يعدُّه مُعاناته معهم. البطل في هذا الفصل -في رأيي- هو التّجسيد، حيث يُجاهد رامتشاندرا في إزاحة كلِّ الفواصل، وإزالة كلِّ المساحات بين الألوهة والبشر -اتفقنا أم اختلفنا- كان هذا سبيله ليقنع القارئ أنَّ الله يشعر به، وأظنه قد نجح في هذا.

[1] رامتشاندرا، ضحك سارة: الشك والدموع والرجاء المسيحي، ترجمة: سامح إبراهيم (القاهرة: إنسباير للنشر والتوزيع، 2023)، 23.

[2] https://bookshop.org/p/books/sarah-s-laughter-doubt-tears-and-christian-hope-vinoth-ramachandra/14754503?utm_source=chatgpt.com.

[3] https://bookshop.org/p/books/sarah-s-laughter-doubt-tears-and-christian-hope-vinoth-ramachandra/14754503?utm_source=chatgpt.com.

[4] https://thewell.intervarsity.org/book-clubs/sarahs-laughter-discussion-guide?utm_source=chatgpt.com.

[5] للمزيد من الفهم حول محتوى الكتاب، يمكن مشاهدة إطلاق الكتاب الافتراضي الذي يتحدث فيه المؤلف عن أفكاره وتجربته الشخصية.

https://www.youtube.com/watch?v=3CBLw39vGd0.

[6]رامتشاندرا، ضحك سارة: الشك والدموع والرجاء المسيحي، 31.