علامات الأزمنة ونهاية العالم
- Sermon By: القس محسن منير
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
موضوعٌ حيويٌّ ضروريٌّ تتعدد فيه المفاهيمُ والأفكارُ وأساليب التناول، ويشغل بال الكثيرين. ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بكيفية الفهم والتعامل مع نصوص الكتاب المقدس التي تتحدث في هذا الموضوع، وهو أحد الموضوعات التي ترتبط بما يعرف بـ”علم الأخرويات”. لذا رأيت أنه من الأفضل -من وجهة نظري- نسجه من ثلاثة خيوط رئيسية، قادرة أن تنتج معًا فهمًا واضحًا للموضوع، وهي:
(١) مقدمة تعريفية عامة.
(٢) مبادئ تفسيرية هامة.
(٣) إصحاح (٢٤) من إنجيل البشير “متى” نموذجًا.
أولاً: مقدمة تعريفيَّة عامة
كلمة “اسخاتولوچي” Esckatology تعني بصفة عامة النبوات والأحداث المتعلقة بمجيء المسيا وعمله وتحقيق ملكوت الله، سواء في الحاضر أو في المستقبل، وتعني بصفة خاصة الأمور المستقبلية المختصة بالأحداث الأخيرة، أي نهاية التاريخ وآخر الأيام ولذلك تسمى الأخرويات أو “الإسخاتولوچيات” أو “التعليم عن الأشياء الأخيرة”.
وفي محاولة الإجابة على سؤال “ما الذي يعلمه الكتاب المقدس عن هذه الأمور؟” ظهرت بعض الاتجاهات التفسيرية المختلفة، نذكر منها فقط اتجاهين أساسيين:
- ترى بعض الفرق الإنجيلية أن وحي الكتاب المقدس، أو الإعلان الإلهي، يعود إلى خلاصة هي أن كل الكتاب مساوٍ في القيمة اللاهوتية، وأن نبواته العديدة هي أجزاء من قطع الموزايكو التي تكمل بعضها البعض لتجتمع وتعطينا لوحة كبيرة تمثل أهداف الله الفدائية للحاضر والمستقبل. وينادي بهذا الاتجاه “التدبيريون” أو أصحاب نظرية “سابقو الألف سنة Pre-Millennialism”.
- يفسر النبوات والنصوص الكتابية عامة، في ضوء الإدراك الواعي للطبيعة المتدرجة التصاعدية للإعلان الإلهي في الكتاب المقدس، مرتبطة بعنصر الزمن، ويستند هذا الاتجاه بقوة إلى المبادئ التفسيرية الأساسية للنصوص الكتابية وفق طبيعتها، والتي يطلق عليها “القراءة اللغوية التاريخية Grammatical- Historical Reading” وهذا الاتجاه هو فكر الكنيسة الإنجيلية المشيخية في هذا الشأن.
عادةً، عندما يواجه العالمُ فترةً من فترات التحول والتغيير، أو عندما تحدث بعض الأحداث التاريخية الكبرى، والتي تؤثر على مجريات الأمور في العالم أو في منطقة حيوية منه، تبدأ على الفور بعض النظريات المتعلقة بنهاية العالم أو نهاية التاريخ في الظهور على السطح من جديد في ارتباطها بمجيء المسيح ثانية وما يرتبط به من علامات نهاية الأزمنة.
فمثلاً، نشرت جريدة “التايمز” الإنجليزية مقالًا يوم السبت الموافق ٢٢/ ٩/ ١٩٩٠ قالت فيه إنه بالرغم من أن منطقة الخليج تبعد عن أمريكا آلاف الأميال، إلا أن بعض الشيع والجماعات الدينية في أمريكا -كعادتها في كل المناسبات المشابهة- اتخذت من أزمة الخليج برهانًا آخر لتأييد نظرياتها التي تقول إن نهاية العالم قد اقتربت جدًّا.
والكثير من الناس يقعون في مصيدة التفسير الحرفي لهذه النبوات مع أن الجزم والقطع بتفسير حرفي معين يعرض الناس لكثير من الأخطاء؛ فالذين اعتقدوا في ٩/ ١٩٩٠ أن صدام حسين هو الوحش أو المسيح الدجال المشار إليهما في سفر الرؤيا ونادوا بذلك، قد انزلقوا لنفس الخطأ الذي انزلق إليه كثيرون، عندما ظنوا ونادوا بأن نابليون أو هتلر أو موسوليني هو المسيح الدجال أو الوحش، وحاولوا تلفيق رموز الحروف على اسمه لتكون -٦٦٦- بطريقة أو بأخرى [الرقم الذي ورد في سفر الرؤيا كعلامة للوحش] ولقد ثبت يقينًا أن واحدًا من هؤلاء جميعًا لم يكن هو الوحش أو المسيح الدجال. إن الله وحده يحتفظ لنفسه بسلطان معرفة الأزمنة والأوقات، وهو ممسك بزمام التاريخ وأحداثه ويتمجد في كل ما يحدث. هذا ما يجب أن ندركه ونثق به، لأن أي محاولة اختراق حجب المستقبل في هذا الشأن أمر تنهانا عنه كلمة الله بوضوح في متى ٢٤: ٢٣- ٢٧.
لكن ما هي الأضواء التي يمكن أن تنير لنا الطريق ونحن ندرس هذه النصوص المرتبطة بالحديث في نهاية الأزمنة؟ حتى لا نستسلم لغواية التدخل في ما لا يعنينا من خلال فهم مغلوط لمعاني النصوص الكتابية علينا مراعاة الالتزام بعدد من المبادئ التفسيرية اللازمة.
ثانيًا: مبادئ تفسيرية هامة
قبل البدء في السرد المختصر لبعض المبادئ التفسيرية الهامة والتي بدون مراعاتها، حتمًا سنضل الطريق في الوصول إلى نتائج ومفاهيم ومعاني صحيحة للنصوص الكتابية، أودُّ الإشارة بسرعة إلى معنى الإعلان الإلهي. الإعلان ببساطة ويُسر هو المبادرة الإلهية في إعلان ذاته لنا. وأدعوك -عزيزي القارئ- لدراسة النص الوارد في عبرانيين ١: ١- ٣ والذي يمثل فقرةً رائعةً غنيةً مركَّزةً تشرح لنا الإعلان الإلهي من حيث الفعل، الهدف، الإطار، الزمن، والكيفية والمحتوى.
والآن نتقدم لعرضٍ مُختَصَرٍ لأهم المبادئ التفسيرية الضرورية للوصول إلى فهمٍ صحيحٍ لمعاني نصوص الكلمة المقدسة:
- لا نفسر النصوص الكتابية، أو نبني الحقائق والعقائد المسيحية، في ضوء الأحداث السياسية والتي بطبيعتها متقلبة ومتغيرة
يتأكد لنا -في ضوء هذه المبادئ التفسيرية- صحة وحتمية قبول الاتجاه اللاهوتي الذي يعتمد على، ويستند إلى إدراك الطبيعة المتدرجة للإعلان الإلهي (فكر الكنيسة المشيخية).
ثالثًا: إنجيل متى– إصحاح ٢٤ نموذجًا
من الجدير بالملاحظة والذكر أنه من السمات المميزة للبشير متى في كتابته للبشارة، أنه يجمع معًا وفي مكان واحد تعاليم الرب يسوع عن كل موضوع بعينه. ففي الإصحاح (٢٤) يجمع البشير متى ما ذكره يسوع عن المستقبل. ويرينا في ذلك الإصحاح الأمور المستقبلية. إلا أنه في هذا الإصحاح ينسج أقوال يسوع عن جوانب متعددة من المستقبل في نسيج واحد، ولكي نستطيع أن نفهم هذا الإصحاح الذي يكتنفه بعض الغموض، علينا أن نحاول فصل خيوطه المتشابكة لينظر إليها خيطًا خيطًا، وبما أن تلك الخيوط المنسوجة المتشابكة تمتد إلى نهاية العدد (٣١)، قد يكون من الأفضل أن نطالع هذه الأعداد معًا دفعة واحدة، ثم نحاول أن نضم كل خيط من هذه الأعداد الـ٣١ إلى الخيط الملائم له في الصورة- ومع أنه قد تبقى بعض التفاصيل غير مؤكدة- إلا أنه ستكون الصورة -بلا شك- أكثر وضوحًا.
والآن نتقدم إلى هذا النسيج من الخيوط لنرى الصورة المركبة ورؤيا المستقبل، كما جمعها البشير متى من أقوال المسيح، ولنحاول أن نفصل خيوطها، ونربط كل جزء بالخيط الذي يشير إليه وسنستعرض -باختصار- ستة خيوط منسوجة معًا في صورة رؤيا أحداث المستقبل.
الخيط الأول: القضاء على المدينة المقدسة ٢٤: ١– ٢
كان الهيكل من أروع التحف الفنية في البناء في العالم القديم. كان مبنيًّا على هضبة على قمة جبل صهيون، مساحتها نحو ألف متر مربع. وفي الجانب البعيد منها تم بناء الهيكل الداخلي (القدس، وقدس الأقداس) من الرخام الأبيض المغشى بالذهب. وكانت منطقة الهيكل محاطة بأروقة ضخمة مثل رواق سليمان، والرواق الملكي، وكانت تلك الأروقة تستند على أعمدة منحوتة، وكل عمود يتكون من كتلة واحدة من الرخام وارتفاع كل عمود ٣٧.٥ قدمًا وسُمكه يحتاج إلى ثلاثة رجال حتى يمكن أن يحيطوه بأيديهم معًا، ويبلغ أطوال أحجار زوايا الهيكل من ٢٠- ٤٠ قدمًا، ووزن الحجر الواحد أكثر من مائة طن.
وقد جاءت إجابة يسوع على سؤال تلاميذه، أنه سيأتي يوم لا يبقى من هذه الأحجار حجرًا لا ينقض- ولقد تحقق ذلك تمامًا، ففي عام ٧٠م طفح كيل غضب الرومان على عناد اليهود وثوراتهم، فتخلوا عن الوسائل السلمية التي سبق واستخدموها لمدة طويلة، ولجأوا إلى القوة الغاشمة والتدمير، فدمروا أورشليم وخربوا الهيكل، وتحققت نبوة يسوع حرفيًّا.
الخيط الثاني: فزع الحصار المخيف ٢٤: ١٥– ٢٢
يُعتَبر حصار أورشليم من أفظع أنواع الحصار التي عرفها التاريخ، فلقد كانت أورشليم بطبيعتها الجغرافية من المدن التي يصعب الاستيلاء عليها، إذ كانت مقامة على جبل وكان يقوم بحمايتها جماعة من المتعصبين الدينيين، لذلك قرر “تيطس” القائد الروماني أن يحاصرها حتى يهلك أهلها جوعًا.
عبارة “رجسة الخراب” مأخوذة من سفر دانيآل النبي ١٢: ١١. وقد وردت فيه بالتعبير “رجسة المخرب”، وأن هذا الرجس سيُقام في الهيكل، ودراسة التاريخ تعلن لنا أن ما ورد في سفر دانيآل يشير إلى ما حدث نحو عام ١٧٠ ق.م. عندما قرر “أنتيخوس أبيفانوس” ملك سوريا أن يقضي على الديانة اليهودية وينشر في مدن اليهودية الديانات والممارسات اليونانية، فقام باحتلال أورشليم، ونجس الهيكل إذا أقام مذبحًا للإله الأوليمبي “زيوس” في رواق الهيكل، وقدم عليه ذبائح من الخنازير، كما حوَّل حجرات الكهنة وأروقة الهيكل إلى مواخير للفساد. ولقد تنبأ يسوع أن مثل هذا العمل سيتكرر مرة ثانية ويتنجس الهيكل، كما سبق وتنجس في الماضي. رأى يسوع أن هذه الأحداث العظيمة التي جازت فيها أورشليم منذ مائتي عام ستتكرر، إلا أنه في هذه الجولة لن يقوم زعيم يخلصها كما قام “يهوذا المكابي” في المرة السابقة، فهذه المرة سيكون خرابًا شاملًا نهائيًّا.
تنبأ يسوع عن ذلك الحصار أنه سيكون قاسيًا حتى أنه لو لم تقصر أيامه، فلن يبقى إنسانٌ على قيد الحياة، وهذا ما يؤكده “يوسيفوس” المؤرخ في ما كتبه عن الحصار والمجاعة قائلاً:
“اتسعت المجاعة وشملت عددًا هائلاً من البيوت، وكنت ترى حواري وأزقة المدينة تمتلئ بالصبية والعجائز يتضورون جوعًا في الأسواق كالأشباح باحثين عن كسرة خبز وعبثًا يحاولون، فيسقطون على الأرض من الإعياء، ويبقون هكذا حتى النفس الأخير، وحجرات كثيرة تمتلئ بالنساء والأطفال يموتون جوعًا ولم تكن هناك قدرة عند من بقوا على قيد الحياة أن يقوموا بدفن الأموات، إذ كانوا قد أصابهم الإعياء، وقد كان البعض يموتون أثناء عملية دفن موتاهم وكنت تسير فلا تسمع نواحًا كما جرت العادة أن ينوح الناس على موتاهم، لأن المجاعة قد طفت على جميع مشاعر الناس. وكان الجميع يموتون وعيونهم متجهة نحو الهيكل” (من كتاب حروب اليهود ليوسيفوس ٥- ١٢- ٣) ويذكر يوسيفوس أن الرومان تمكنوا من أن يأسروا نحو ٩٧ ألف شخص بينما مات نحو مليون ومائة ألف شخص.
الخيط الثالث: يوم الرب ٢٤: ٦– ٨، ٢٩– ٣١
توجد صورة مأخوذة من الفكر اليهودي عن “يوم الرب”؛ فلقد قسم اليهود كل الزمان إلى دهرين: الدهر الحاضر، والدهر الآتي، وكان تقديرهم أن الدهر الحاضر والعالم الحاضر يتَّسم بالشر وأنه لا رجاء في إصلاحه. لكن الله سيتدخل لتغيير الأوضاع وإصلاحها، وبذلك يتحقق ما يسمونه “بالدهر الآتي” وبين هذين الدهرين سيأتي “يوم الرب”. والذي سيكون وقت تغيير رهيب ومخيف، لأنه سيكون إيذانًا بمولد عصر جديد. ونقرأ في العهد القديم عن صور عديدة ليوم الرب، وأيضًا في كتابات اليهود فيما بين العهدين. صفنيا ١: ١٤-١٦، يوئيل ٢: ٣٠-٣١، إشعياء ١٣: ١٠، ١٣ وغيرها. هذه الصورة الفظيعة ليوم الرب نجد جزءًا منها في الأعداد ٦- ٨، ٢٩- ٣١ من هذا الإصحاح.


