عن اللوجوس في إنجيل يوحنا
- Sermon By: سامح إبراهيم
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
يختلف إنجيل يوحنا عن الأناجيل الإزائية/ المتشابهة (مرقس، متى، لوقا) بالكثير من الاختلافات. واحدة من هذه الاختلافات هي طريقة الكشف أو الإعلان عن هوية يسوع الناصري، بطل الرواية. لنأخذ مرقس كمثال، يتكلم الله مرتين فقط في إنجيل مرقس. المرة الأولى في المعمودية حيث يعلن الله “أنت ابني الحبيب الذي به سُررت” (مرقس 1: 11). المرة الثانية في التجلي حيث أعلن الله مرةً أخرى “هذا هو ابني الحبيب. له اسمعوا” (مرقس 9: 7). يُفصح مرقس عن هوية يسوع للقاريء/المستمع في عنوان إنجيله بالقول “بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله” (مرقس 1: 1). قُرّاءُ الإنجيل فقط يعرفون منذ البداية هوية يسوع المتسامية؛ كالمسيح، وكابن الله. فقط عند منتصف الإنجيل يعترف بطرس باللقب الأول قائلًا: “أنت المسيح” (مرقس 8: 29) وفقط قرب نهاية الإنجيل يعترف قائد المئة الأممي بعد موت يسوع قائلًا: “حقًا كان هذا الإنسان ابن الله” (مرقس 15: 39).
شخوصُ رواية مرقس لا يصلون أبدًا لمعرفة هوية يسوع. هم يندهشون منه ويتساءلون حول شخصه وأعماله بحيرة شديدة (1: 27؛ 2: 12؛ 4: 41؛ 6: 2، 51؛ 7: 37؛ 11: 18؛ 15: 5، 44؛ 16: 5) حتى إنّه يمكن أن نسمي هذا الإنجيل بإنجيل الدهشة. حين تصل الكائنات غير البشرية، الشياطين، لمعرفة هوية يسوع كقدوس الله أو ابن الله فإن يسوع كان يُخرسها (1: 25، 34؛ 3: 12). كذلك كان يوصي يسوع من يشفيهم (1: 44؛ 5: 43؛ 7: 36) ومن يصلون لمعرفته هويته السامية (8: 30؛ 9: 9) بكتمان الخبر وكان يشدد على وصية الصمت هذه، الأمرَ الذي يسميه العلماء المتخصصون في مرقس ب “السر المسياني.”
حين نأتي إلى إنجيل يوحنا، نرى أنَّ تعريف البشير لهوية يسوع لا يأخذ آيةً واحدة مثل مرقس 1: 1 بل آيات طويلة (يوحنا 1: 1-18) ومنذ بداية إنجيل يوحنا تتوالى الاعترافات بشكل مكثف عن يسوع الناصري. يشهد يوحنا المعمدان بأنه “حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (1: 29) وأنه “ابن الله” (1: 34) ويهتف أندراوس متحدثًا لأخيه سمعان “قد وجدنا مسيا” (1: 41) ويُقرُّ نثنائيل أمام معرفة يسوع الفاحصة إقرارًا مطولًا “يا معلم، أنت ابن الله! أنت ملك إسرائيل!” (1: 49). تتوالى الاعترافات لاحقًا، حيث تعترف المرأة السامرية أنه “المسيح” (4: 29) ويعترف أهل السامرة بأنه “مخلص العالم” (4: 42) ويعترف بطرس قائلًا: “أنت قدوس الله” (6: 69)،[1] وتعترف مرثا: “أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم” (11: 27) ونصل إلى ذروة الاعترافات في اعتراف توما “ربي وإلهي” (20: 28). يحرصُ يسوع منذ البداية على إعلان مجده بصراحة للتلاميذ ليؤمنوا به (2: 11). لا ننتظر طويلًا كي نُعاين هذا المجد، كما تفعل الأناجيل الإزائية حين يظهر مجد يسوع في التجلي في منتصف الإنجيل تقريبًا (مرقس 9: 2-8؛ متى 17: 1-8؛ لوقا 9: 28-36). يُعلن يوحنا وكلُّ المؤمنين معه منذ البداية: “رأينا مجده، مجدًا كما لوحيدٍ من الاب” (يوحنا 1: 14).
يوحنا بالتالي عكس الإزائية. ليس به وصيةُ صمت وليس به سرٌّ مسياني. يسوع يكشف عن هويته بوضوح شديد مبكرًا. عبر صفحات الإنجيل يؤكد يسوع هويته ببراهين كثيرة وإشارات واضحة. أبرز هذه الإشارات عبارات “أنا هو” السبع الشهيرة: “أنا هو خبز الحياة” (6: 35)، “أنا هو نور العالم” (8: 12)، “أنا هو الباب” (10: 9)، “أنا هو الراعي الصالح” (10: 11)، “أنا هو القيامة والحياة” (11: 25)، “انا هو الطريق والحق والحياة” (14: 6)، “أنا الكرمة الحقيقية” (15: 1).
لا يعلن يسوع فقط عن نفسه وهويته بل يُعلن ويكشف الله كشفًا تامًا ونهائيًا. لم يجد يوحنا لقبًا مناسبًا يوضح إعلان يسوع عن الله أكثر من اللقب λόγος لوغوس (“كلمة”). بوصف يوحنا للرب يسوع بأنه “الكلمة” هو يُبرز حقيقة أن يسوع هو الإعلان والكشف عن الله كما تُعلن الكلمة عن شخص قائلها. ليؤكد يوحنا الأمرَ، ختم مقدمته بالقول “اللهُ الابنُ الوحيد[2] الذي هو في حضن الآب هو خَبَّرَ” (يوحنا 1: 18). الفعل ἐξηγήσατο “خبّر” هنا يأتي بمعنى “يفسر” أو “يشرح” ومن هذه الكلمة جاءت كلمة Exegesis أو “تفسير،” وهو الاسم الفني لعلم التفسير. ولقد عبر كارسون عن فكرة الآية تعبيرًا جميلًا بقوله “Jesus is the exegesis of God” أو “يسوع هو تفسير الله” (Carson, John, 135). بحسب هذه الكلمة، فإنَّ يسوع “يفسر أو يخبر القصة بأكملها” عن الله الآب–على حد تعبير أندرياس كوستينبرجر Köstenberger, John, 50) ( إنَّ علاقة يسوع الحميمة وقربه من الله الآب، حيث كان في حضنه، جعلته مؤهلًا تمامًا أن يفسر ويعلن الله، كما أهلت علاقةُ التلميذ الحبيب الحميمة حيث كان في حضن يسوع (13: 23) أن يعلن ويشهد عن يسوع بحق (19: 24). هكذا تنتهي المقدمة كما بدأت أنَّ الكلمة في علاقة حميمة بالله، “كان عند الله” (ع 1) وكان “في حضن الآب” (ع 18). بالتالي، يسوع وحده يُمكن أن يكشف الله تمامًا ونهائيًا. بهذا صَدَقَ يسوعُ حين أعلن: “ليس أحدٌ يأتي إلى الآب إلا بي . . .الذي رآني فقد رأى الآبَ” (يوحنا 14: 6، 9).
يرد اللقب “لوجوس” مرتين في مقدمة إنجيل يوحنا (1: 1-18): “في البدء كان الكلمة” و”الكلمة صار جسدًا” (يوحنا 1: 1، 14). لا يظهر اللوجوس مرة أخرى في إنجيل يوحنا كلقبٍ ليسوع. لا يأتي خارج إنجيل يوحنا كلقب ليسوع إلا في رؤيا 19: 13. في كلام يوحنا المزدوج عن الرب يسوع كاللوجوس هو يؤكد حقيقتين: في قوله “في البدء كان الكلمة” (ع 1) يؤكد سموه وتعاليه، وفي قوله الثاني “والكلمة صار جسدًا” (ع 14) يؤكد قربه وتنازله.
أولًا، الكلمة في سموه وتعاليه
يؤكد يوحنا في يوحنا 1: 1-5 على بُعدِ الكلمة وسموه وتعاليه. يبدأ يوحنا ب “في البدء كان الكلمة” وهي كلمات تُشبه مقدمة سفر التكوين “في البدء خلق الله السموات والأرض” (تك 1: 1) وتتشابه أيضًا مع “البدء” الذي تبدأ به الأناجيل الإزائية (مرقس 1: 1؛ لوقا 1: 2؛ متى 1: 1 وإن كان متى لا يبدأ بكلمة “البدء” لكن عبارة “كتاب ميلاد/تكوين” توحي بنفس فكرة البدء). لكن “بدء” يوحنا يتجاوز بدء التكوين، من جهة وبدء الإزائية، من جهة أخرى. “بدء” التكوين هو بدء عملية خلق الله للكون وتنظيمه للفوضى السائدة في ذلك الماضي البعيد. لكنَّ “بدء” يوحنا يسبق الخلق، فالحديث عن الخلق لا يأتي في يوحنا 1: 1، بل يأتي بعد ذلك، يأتي في الآية الثالثة: “كلُّ شيءٍ به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان” وما بعدها. فالبدء الذي يشير إليه يوحنا هو البدأ الأزلي، الذي يسبق الخلق والزمن. ولقد أحسن المترجم العربي الأسعد أبو الفرج هبة الله بن العسّال، في القرن الثالث عشر، حين ترجم يوحنا 1: 2 كالتالي: “هذا كان في الأزل عند الله.” كذلك يتجاوز “بدء” يوحنا بدء الأناجيل الإزائية. بينما بدأ مرقس روايته من معمودية يسوع على يد يوحنا المعمدان، ذهب متى ولوقا إلى الوراء، أي إلى ميلاد يسوع في بيت لحم اليهودية، لكنَّ يوحنا رجع إلى ما قبل المعمودية وقبل الميلاد، كما في الإزائية، ورجع إلى ما قبل خلق الكون، كما في التكوين، رجع إلى الأزلية السحيقة، ومن هناك بدأ روايته عن يسوع.
[1] هذه القراءة هي الأدق والأقدم. المخطوطات التي نقرأ فيها “أنت المسيح ابن الله الحي” متأخرة.
[2] انظر يوحنا 1: 18 في اليونانية.


