غسل أرجل التلاميذ
- Sermon By: القس جادالله نجيب
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
يكتب يوحنا في بشارته الإصحاح 13 قصة غسل أرجل التلاميذ أثناء العشاء قبل عيد الفصح، والتي لم تأتِ في موضع آخر لباقي البشائر (متى ومرقس ولوقا). إلا أن لوقا يذكر أنه حدثت مشاجرةٌ بين التلاميذ في مسألة من فيهم يكون الأعظم. أما مرقس فيسجل بشكل مباشر أن المشاجرة حدثت بعد طلبٍ مباشرٍ من يعقوب ويوحنا من السيد أن يكون واحدًا عن اليمين وآخر عن اليسار.
ومن المفارقة العجيبة أنه بينما كان يتحدث المسيح إليهم عن آلامه وموته، يطلب التلميذان مكانتهما وموقعهما. غياب الإحساس والتعاطف مع السيد فيما سيجتازه، حجب عن قلبيهما أن يعيشا اللحظة مع قائدهم ومعلمهم، والأقسى من ذلك البحث عن “عز المُلْك معه” حسب تعبير الأب متى المسكين. (متى المسكين، 526)، أليس هو حال الكنيسة الآن بين الخدام؟
لم تكن رغبة الأعظم هي في قلب وعقل يعقوب ويوحنا فقط، فباقي التلاميذ شعروا بالغيظ والغضب، فأيُّ امتيازٍ يكون لهما أكثر، هكذا كان حالهم. “وَلَمَّا سَمِعَ الْعَشَرَةُ ابْتَدَأُوا يَغْتَاظُونَ مِنْ أَجْلِ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا”، من هنا نجد أن مرقس ولوقا يسجلان رد فعل السيد: “فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يُحْسَبُونَ رُؤَسَاءَ الْأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَأَنَّ عُظَمَاءَهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلَا يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيمًا، يَكُونُ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلًا، يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا. لِأَنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ، بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مرقس 10: 42- 45). أما يوحنا فقد سجَّل لنا غسلَ الأرجل كوسيلةٍ تعليميَّةٍ تنطبع في الوجدان وتُحْدِث تغييرًا جذريًّا في هويتهم ومنهج تفكيرهم.
تميز يوحنا في كتاباته عن باقي البشائر بأنه لا يكتب الأحداث والحقائق بدقة فقط، بل يهتم بما هو أبعد من الأحداث فيقدم بعدًا جديدًا ومعنًى أعمق مستترًا، ودلالاتٍ واضحةً خلف كلماته. لذلك، فإن إنجيله ليس تسجيلاً تاريخيًّا فحسب -على حد قول وليم باركلي في مقدمة تفسيره للإنجيل- بل “إنجيل روحي” (وليم باركلي، 21) من واقع المعايشة والاختبار. أما الأب جيرالد أو كُلِنز اليسوعي في كتابه (يسوع، ملامح من شخصيته) فيوضِّح أن الفرق بين الأناجيل الثلاثة: “لم يكونوا شهود عيان أنفسهم، ولكنهم كانوا قريبين من الطرق التي روى من خلالها شهود العيان الأصليون تاريخهم مع يسوع… غير أن الإنجيل الرابع يعرض نسخة أعمق تفسيرًا لحياة يسوع. فمن خلال رواية أشد حبكًا، واختيار أدق للأحداث المُدوَّنة، أصبح هذا الإنجيل تفسيرًا تأمليًّا عميقًا لهوية يسوع ورسالته” (الأب جيرالد، 13).
يحمل الحدثُ الجلل الذي قدمه السيد المسيح لنا بغسل أرجل التلاميذ معنَيَيْن: المعنى الأول الذي يظهر على السطح أو قل الأقرب لذهن القارئ هو تواضع السيد العظيم؛ حيث قام يسوع بدور العبيد، فخدمتهم في وقت الولائم هي صب الماء وغسل الأرجل. أما المعنى الأعمق هو أن غسل الأقدام سبق إعلانه عن نفسه ذبيح الفصح، الذي من خلال موته يغسل وسخ أخلاقنا الردية وآثامنا وذنوبنا، (Bruce,198) من خلال شركته الحقيقة وحبه الأسمى حتى المنتهى لخاصته.
غسل الأرجل
في الشرق الأدنى، كان كرم الضيافة عادة أصيلة، والذي ارتبط بالترحيب بالضيف بغسل رجليه لتنظيفهما من اتساخ غبار الطريق وراحة من عناء السفر. نرى هذه العادة واضحة في سفر التكوين؛ فقد استقبل إبراهيم ضيوفه في تكوين 18: 4 بغسل أرجلهم. ولم تكن هذه المسؤولية هي مسؤولية رب الأسرة ولا عبد عبراني، بل للعبد الغريب (ويرزبي، 11). إلا أنها عادة لا تحتقر كرامة أحد، فقد كانت علامةً على الحب، فكان المضيف أحيانًا يغسل أرجل ضيوفه والزوجة كانت تغسل قدمي الزوج حبًّا وتكريمًا له وهكذا كانت تفعل الابنة لأبيها. يقول بعض الباحثين إن إبراهيم أحضر الماء بنفسه وهو من غسل أرجل ضيوفه (White, 26).
يكتب فيلو -الفيلسوف السكندري اليهودي المعاصر للرب يسوع- تعليقًا على ضيافة إبراهيم، أن غسل الأيدي والأقدام كانت علامة وإشارة عن حياة بلا لوم، وقوة أخلاقية وروحية… كما أكَّد على أن غسل الأقدام عند الكهنة كان علامةً على استقامة الأخلاق، ونقاء القلب، وتقديس النفس، حيث كان الكاهن يدخل محضر الله طاهرًا , 26) White).
نلاحظ في تكوين 24: 32؛ 43: 24 أن الضيوف يغسلون أرجلهم بأنفسهم دون عبيد أو حتى صاحب البيت. “فَدَخَلَ الرَّجُلُ إِلَى الْبَيْتِ وَحَلَّ عَنِ الْجِمَالِ، فَأَعْطَى تِبْنًا وَعَلَفًا لِلْجِمَالِ، وَمَاءً لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ وَأَرْجُلِ الرِّجَالِ الَّذِينَ مَعَهُ”، “وَأَدْخَلَ الرَّجُلُ الرِّجَالَ إِلَى بَيْتِ يُوسُفَ وَأَعْطَاهُمْ مَاءً لِيَغْسِلُوا أَرْجُلَهُمْ…”.
ومن روائع القصص التي نقرأها عن غسل الأرجل، والتي تجسِّد المعنى الحقيقي لغسل الأقدام في الشرق والذي يعني بالدرجة الأولى المحبة والخدمة، هي قصة امرأة يوسف “أسنات” ابنة كاهن فرعوني “وَدَعَا فِرْعَوْنُ اسْمَ يُوسُفَ «صَفْنَاتَ فَعْنِيحَ»، وَأَعْطَاهُ أَسْنَاتَ بِنْتَ فُوطِي فَارَعَ كَاهِنِ أُونَ زَوْجَةً” (تكوين 41: 45). والتي تتمشى مع تقاليد وعُرف ذلك الزمان لغسل الزوجة لقدمي زوجها. تحكي القصة بأنه “حال وصول يوسف إلى بيت أبيها، استقبلته أسنات وقالت له: «تعالَ يا سيدي وادخل إلى بيتنا فإني أعددت لك عشاءً شهيًّا»، وأمسَكَت بيده اليمنى وأدخلته إلى بيتها وأجلسته على كرسي والدها، ثم أتت بماء لتغسل رجليه. فقال لها يوسف: «أحضري عذراء من الخادمات لتغسل رجليّ». فقالت له أسنات بلغة حاسمة: «لا يا سيدي، فأنت من الآن فصاعدًا مولاي، وأنا لك خادمة. لماذا تطلب أن أدعو عذراء لتغسل قدميك؟ فاعلم يا سيدي أن قدميْك هي قدماي ويديْك هي يداي وروحك هي روحي، ولن تغسل رجليك بعد اليوم امرأة غيري»، وابتدأت أسنات تغسل رجليه. تطلع يوسف إلى يديْها، فكانتا في عينيه كيدين تَهَبُ الحياة، وأناملها كأصابع كاتب ماهر. فأمسك بيدها اليمنى وقَبّلها، أما أسنات قبَّلت رأسه وجلست عن يمينه” (White, 42).
لم تغسل أسنات رجليّ يوسف، بسبب التقاليد والأعراف في زمانها، بل بدافع الحب والتقدير والاحترام، قدمت نفسها طواعية لتكون خادمة له مدى الحياة.
في تعليق بديع يتناسب مع ما فعلته أسنات ليوسف، عما فعلته مريم المجدلية للسيد المسيح حينما ذهبت للقبر مع بطرس ويوحنا، يقول: “كانت المحبة التي في قلوبهم ليسوع هي النور الذي أشرق في العينين لرؤية الحقيقة، والنور الذي بدد ظلام القلب… فالمحبة هي أعظم مترجم يهضم أفكار الآخرين ويقدمها للناس. المحبة هي التي تغوص في الأعماق لتكشف لآلي الحق، في الوقت الذي يتخبط فيه المنطق على الشاطئ. المحبة هي التي تحقق معنى الأشياء التي يعجز البحث عن الوصول إليها. (باركلي، 529– 530) وهي طاقة الارتباط والاتحاد والوحدة في الأسرة والمجتمع. چان فانييه قدم وصفًا للمحبة بطريقة عبقرية، عندما قال: “المحبة ليست عاطفة عابرة تصل لمن نحب، ولا مشاعر جياشة تمتلكنا، بل هي إقرار عهد متبادل مع من ننتمي إليه” (Called community, 121).
في الثقافة اليونانية الرومانية كان هناك أيضًا تطهير للكهنة في دخولهم لدور العبادة لآلهتهم. في دراسة لكاتب غير معروف تقول إن يوحنا كان يعيش في ثقافة يونانية رومانية تتبع تقليد أن رب العائلة الذي يدعو ضيوفًا إلى وليمة في بيته، يقوم بواجب الترحيب وغسل أرجل ضيوفه ثم بعد الانتهاء من مأدبته، يبتدئ رب الأسرة في دور التعليم والإجابة على أسئلة الحاضرين بعدها يختم بصلاة. ومن هنا نفهم أن الإصحاحات من 13- 17 وحدة واحدة. هذه الإصحاحات تسجِّل كل ما حدث في ليلة العشاء من تجمع التلاميذ مع الرب يسوع وغسل أرجلهم مع اعتراض بطرس ثم التعليم الذي قدمه الرب لهم، وتنهي بالصلاة التي خُتِمَت بها الإصحاحات الخمسة.
لم تكن مناسبة غسل الأرجل ضيافة من المسيح للتلاميذ لتخفيف عنهم معاناة الطريق وغبارها، بل حفلة وداع أخذت طابعها المتميز ومعانيها التي لم يفهمها حتى التلاميذ أنفسهم. لم يستقبل السيد تلاميذه بغسل أرجلهم حال وصولهم وقبل العشاء كما كانت العادة آنذاك، بل في أثناء العشاء قام السيد ليغسل أرجلهم وبعدها أكملوا العشاء.
من القراءة للنص يبدو أن السيد أعطى الفرصة للتلاميذ ليغسل أحدهم أرجل الآخر، وحيث إنه لم يجد من هو مستعد لهذه الخدمة، أخذ هو -وهو السيد والمعلم- المبادرةَ، ليغسل أرجل تلاميذه. (Bruce, 196).
كانت المبادرة من قلبٍ محبٍّ، الذي أحبَّ خاصته إلى المنتهى، بلا نقد أو توبيخ أو تأنيب لهم؛ فمحبته حسمت الموقف. غَسْلُ أرجلهم شكَّل عقولهم وقلوبهم، بل مَلَكَ وجدانَهم نموذجٌ لن يُنسى. كان السيد نموذجًا للعبد، ونموذجًا للسيد والمعلم (الرَّبّيّ) الذي لا يرحب فقط، بل يعلِّم ويصلِّي من أجل ضيوفه. غسل الأرجل وسيلة قدمها يسوع لمصالحة النفس والآخر، ومقدمة للصليب. فالصليب هو “طريق الخلاص ومفتاح تشكيل وبناء مجتمع المحبة” (Bruce, 199)والوحدة التي تجسد محبة الله.
غسل الأرجل اتجاه وإرسالية؟
يربط البشير بين وجبة عشاء -دَعَا لها السيد المسيح تلاميذه في وقت رحيله من هذا العالم للعودة إلى أبيه (الله) وكانت وجبة العشاء تسبق عيد الفصح مباشرةً- وبين إعلانه عن حبه العميق لخاصته “إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى”. في عشاء الوداع يقدم يسوع البعد الروحي والإنساني والاجتماعي لمحبته لتلاميذه. هذه المحبة بمعناها الشامل تتجسد في علاقة المعلم بتلاميذه في عدة محاور:
المحور الأول: هو أن ساعة المسيح قد جاءت، الساعة الحاسمة لعبوره من هذا العالم إلى بيت الآب (13: 3، 14: 2 و28). إنها الساعة التي فيها يعلّم تلاميذه -في إطار الفصح كما كان يفعل رب العائلة اليهودية في عيد الفصح، في جو من رباط وشركة مقدسة. “يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الْآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَرَجَ، وَإِلَى اللهِ يَمْضِي”. إنها ساعة ولادة الكنيسة، لتُبْقِي فيهم وبهم الحضور الإلهي بين البشر بعد الفصح أي بعد موت المسيح وقيامته.
المحور الثاني: المثال الحي للخادم الشريك مع المسيح. “خَلَعَ ثِيَابَهُ… وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلَامِيذِ”، في ترجمة فان ديك العربية المترجمة عن King James تأتي الكلمة اليونانية بالجمع “ثياب” لا “ثوب”، “laid aside his garments، أوoff his outer clothing took” (الملابس الخارجية)، لو كان مجرد ثوب خارجي فهذا يعني (القفطان) لأصحاب المقامات الاجتماعية أو الدينية وبالتالي تكون الترجمة خاطئة من جهة وإفسادًا للمعنى وقصورًا في فهم الهدف من وراء هذه الممارسة.
أبدع الأب متى المسكين في شرحه المتميز لترجمة ثياب لا ثوب، فالثوب يُعتَبَر (القفطان) الخارجي فقط، إلا أن المسيح خلع الثياب أي كل الثياب الخارجية ولا يتبقى منها إلا الملابس الداخلية. (نفهم نحن المصريين أو قاطني الشرق الأوسط، أن الملابس الداخلية تشبه لبس الفلاح المصري وهو يعمل في حقله، وبالتالي هناك فرق شاسع بين الملابس الداخلية في زماننا اليوم وأيام المسيح آنذاك). يقول الأب متى المسكين إن الملابس التي ظهر بها يسوع وهو يغسل أرجل التلاميذ هي نفس ملابس الخدم والعبيد الذين يغسلون أرجل الضيوف. هذه الصورة تعلن أن العبد في “ظل قوانين العصور الأولى والقانون الروماني فاقد لحقوقه الإنسانية ويُباع ويُشتَرَى ويرتهن ويعاقب ويقتل بيد صاحبه أو سيده دون مؤاخذه” (متى المسكين، 783).
في الكنيسة الأولى يعلن لنا لوقا البشير عن حياة المؤمنين وشركتهم تخطت كل الحدود، ليس مجرد غسل الأرجل، ولا قبول الواحد الآخر وتقديره، بل ثمرة الحب الإلهي في قلوبهم جعلتهم يتسارعون في البذل والعطاء حتى بذل الذات (أعمال 2: 41- 47). اختبر المؤمنون الأوائل الشركةَ في معناها الحقيقيّ. لم يمارسوا الشركة معًا من وقت لآخر، بل كانوا هم الشركة، ولم يذهبوا إلى الكنيسة، بل كانوا هم الكنيسة متجسدة في شركتهم. (Charles E. Moore, 87).
إن خلع الثياب وظهور المسيح أمام تلاميذه هو مثال ونموذج لإعداد كنيسة خادمة ومُرْسَلة، وتجهيز أقدام المبشرين لبشارة الإنجيل. البشارة التي لا يمارسها من يتطلعون لأنصبة أو مصلحة ذاتية، بل أولئك الذين يخدمون كما فعل لهم معلمهم “حَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلَامِ” (أف 6: 15).
أما غسل الأرجل فهو النموذج الأكثر صعوبة وتأثيرًا على الإطلاق، الصورة التي تحرك الوجدان، وتظل عالقة في القلب والذهن عند التلاميذ ولدى كل المؤمنين المُخلِصين الذين يدركون معنى الخدمة. إنه عملٌ يفوق الوصف؛ إذ “أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى”. الذي يُعلن فيه “كمال محبته وملئها لخاصته” وعبارة “إلى المنتهى” تحمل معنيين: الأول كمال المحبة، والثاني إلى آخر حياته. محبة حتى الموت لأجل أحبائه. (COLOE, 400-415).
لم تكن محبة يسوع مجرد مشاعر أو عوطف إنسانية يعبِّر بها لتلاميذه، ولا حتى أعمال قدَّمَها لهم فحسب، بل محبته كانت ومازالت اتجاه قلب ومنهج حياة للعلاقة بينه وبينهم. قدم المسيحُ محبته من خلال قبولهم كأشخاص لهم قيمة وجديرين بالاحترام لهم كما هم، فتكونت شخصياتهم، وزُرِع الإيمانُ فيهم بالمعايشة معه والاحتكاكات اليومية. كان موت المسيح صدمةً عنيفةً، أحدثت خللًا في تصرفاتهم فتركوه، إلا أن عيونهم انفتحت على الحق بالقيامة.
المحبة التي أعلنها يسوع تجاوزت الحاجز الطبقي الاجتماعي، والصراع الإنساني بين التلاميذ فيمن يكون الأعظم! فأدركوا أنهم أشخاص يكوِّنون مجتمعًا على الأرض، مجتمع الكنيسة الولود، مجتمع المصالحة في نفوسهم ومصالحة بعضهم لبعض. لقد تشكَّلت هُويتهم وعرفوا أنهم الخدام المرسلون للعالم، وأن إرساليتهم اتجاه ومنهج، هوية وأسلوب حياة.
المحور الثالث: الشركة “إِنْ كُنْتُ لَا أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ”. مفهوم غسل الأرجل اتخذ تدرجًا واضحًا يبدأ بالترحيب والضيافة وراحة من عناء الطريق في المفهوم اليهودي وحتى في العبادات الرومانية اليونانية في ذلك الوقت، أما المسيح فاتخذ خطوة لم يعرفها أحد من قبل ولن تأتي خطوة بعدها. فالشركة (Communion) هي قمة العلاقة والرفقة. ففي الشركة يكون للتلميذ نصيب أي الرفقة في الحياة، وحميمية العلاقة مع الله. فالشركة في العموم تحمل معنى التواضع والمساواة والعدالة والحق والمحبة الرحيمة. الخوري، بولس الفغالي، إنجيل يوحنا، دراسات وتأملات (عميشيت، 328).
الكلمة اليونانية (κοινωνία-كيْنونيْة) التي تترجم شركة باللغة العربية، تترجم بأكثر من مصطلح باللغة الإنجليزية:
الزمالة Fellowship: تعني الزمالة، مثل زميل العمل، زميل الدراسة أي حياة مشتركة بين اثنين أو مجموعة يقومون بأشياء مماثلة. (الإنترنت). كما تُطلق هذه اللفظة (Fellowship) على الكنيسة المحلية.
الرفقة Companionship: تأتي بمعنى المشاركة معًا في الأكل، وإطعام أحدهما للآخر، أو السير معًا. يشبه الرفيق القابلة (الداية التي كانت تساعد في التوليد). فالرفيق يساعدنا على الولادة في الحياة، بل يعطي معنى ودفئًا للحياة لرفيقه (الإنترنت). الرفقة ضروريةٌ في كل مرحلة من مراحل حياتنا، لكنها ضرورية في لحظات الأزمة عندما نشعر بالضياع. ويمتلكنا الغم والهم، عندما تنتابنا مشاعر الغربة والنقص. الرفيق هو من يمنح العون والثقة والتأكيد، بل يمنح روح الأمل الاستشراق لحياة جديدة. الرفيق لا يحكم أو يدين، بل يكشف الأجمل والأكثر قيمة في داخلنا، لا يتجاهل التعاطف مع ألمنا وأوجاعنا الداخلية.
الشركة Communion: تعني اتحادًا وترابطًا، وهي الأعمق من الزمالة ومن الرفقة. فهذه الكلمة تعني تقاسم الحياة وتبادلها الواحد مع الآخر. كما تحمل الكلمة معنى المجتمع بخصوصيته، وقيمه، ومبادئه، ورسالته.
كلمة الشركة التي ذُكِرت في ثلاث كلمات تحمل أيضًا أبعادًا أخرى كالآتي:
- الشركة تأتي بمعنى “الانتماء إلى” هو نفس المعنى الذي صاغه بولس في قوله “يَعْلَمُ الرَّبُّ الَّذِينَ هُمْ لَهُ [الذين ينتمون إليه]”. (2تيموثاوس 2: 19).
الانتماء يحدد الشخص هويتَه، ويجد فيه الأمان. في الانتماء يشكِّل الفردُ أسلوب حياته، ويحسِّن من قدراته، ويحترم الآخر ويقدِّره، ويتقاسم الحياة مع الآخر. في الانتماء تنكسر قشرة الأنانية والتمركز حول الذات وطلب المصلحة الفردية أو المجد الذاتي، ونتعلم كيف نحل الصراعات. في الانتماء ننفتح بعضنا على بعض ليتشارك الجميع في صنع القرارات. ويتضح هذا بقوة في أعمال الرسل إصحاح 15.


