مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

قبول خلاص المسيح

Watch Now

Download

قبول خلاص المسيح

قال هذا الواعظ الأمريكيّ الشابّ نسبيًّا: “إنَّ صلاة الخاطئ بعثت للجحيم أكثر من أي شيء آخر”. ثم ظهر في الفيديو كليب الواعظان الشهيران جويل أوستن وجويس ماير يوجهان نداءً لأن يدخل الناس إلى عائلة الله، وأن يقبلوا المسيح فيخلصوا. وهتف الواعظ الشاب بحماس بعدها: “يسوع لم يَقُل صلِّ صلاة الخاطئ فتدخل ملكوت السماوات، بل قال إن ملكوت السماوات اقترب فتوبوا وآمنوا”. وعلى حد قوله: “صلاة الخاطئ لقبول المسيح يصليها كثيرون. ثم يعيشون عيشة كالشياطين ويتوقعون دخول السماء”.

أوافق على تأكيده على أهمية التوبة المستمرة والإيمان المتجدِّد، لكن من جهة أخرى، بيلي جراهام له محاضرة رائعة في الدعوة لاتخاذ قرارٍ لحظيٍّ في الكتاب المقدس بعهدَيه مقدمًا نماذج لهذه القرارات: “قرِّروا اليوم من تعبدون؟”، “اتبعني! فقام وتبعه”. ثم وهو الأكثر صلةً بكلامه، ألم يقل يسوع نفسه عن الخاطئ الذي قرع على صدره قائلًا: “ارحمني أنا الخاطئ”، إنه نزل إلى بيته “مبررًا”؟! ولم يقل الخاطئُ في هذا المثل أيَّ شيء مباشر عن توبة أو إيمان. ويمكن الاستدلال على هذا، بقدر من حُسن الظن أن صلاة الخاطئ لها قيمة كبرى. ثم أَلَمْ يَقُل يسوع نفسه: “اليوم تكون معي في الفردوس للصِّ المصلوب إلى جواره، الذي قال: “اذكرني يارب متى جئت في ملكوتك”؟! لم يكن لهذا الخاطئ أي مجال لأن يُظهِر بأعمالِه إيمانَه.

  • في مثل العشَّار والفَرِّيسي. هذا العشار الخاطئ الذي طلب الرحمة بتواضعٍ وانسحاقٍ، هل كانت لديه أدنى معرفة عن يسوع وعمله الكفاريِّ؟
  • هذا الواعظ الشابُّ يبدو في كلامه صدى لتأكيد المبشِّر واللاهوتي العظيم تشارلز فيني، على أن كثيرين “يعلنون”Profess التوبة والإيمان وقبول المسيح، ثم لا يكون هذا الإعلان “قلبيًّا”؛ أي لا يعبِّر عن تغيير حقيقي في توجُّه القلب وأسلوب الحياة إلى سلوكِ تائبٍ مؤمنٍ، وحياةٍ تسعى للبر والشركة المستمرة مع المسيح.
  • لكن السؤال: “هل كل من يسمع كلام الدعوة للتوبة والإيمان ويُظهِر التجاوب تكون قد وقعت مفاعيلها في قلبه؟” يوازيه سؤالٌ آخر: “هل كل من يقول “صلاة الخاطئ” البسيطة هذه لا يحدث تغيير عميق وجذري من حياته وقلبه؟”.
  • هذا يأخذنا مباشرةً إلى التأكد الكالفيني: “نحن لا نعرف المختارين والله يعرف الذين له”. ورغم أنَّ تأكيدًا كالفينيًّا آخرَ موازيًا يطمئنُ المؤمنَ بأنه إذا أعلن قبوله وعزمَ بقلبِه على التوبة والإيمان والاتكال على نعمة الله وحده معترفًا بمذنوبيَّتِه وكفاية عمل المسيح الكفاريّ وقيامته المبرِّرةِ للخاطئِ. فله أن يطمئنَّ على خلاصِه.
  • لكن مع هذا تجدُ كالفينيين متشدِّدين يؤكدون أننا لا نعلم، ولا حتى الشخص نفسه يعلم.
  • يردنا هذا إلى موقف الكنائس التقليديَّة عن “عدم يقينيَّة الخلاص”، لكن حتى هذه الكنائس تؤكد أن من يعترف ويتناول قبل أن يموت تُغفر خطاياه، وهذا يضع -مرة ثانية- سلطةً يراها كل البروتستانت “متجبِّرة” في أيدي “الكهنة”، كما يترك أمر الخلاص الأبديِّ لظروف الوفاة ومدى فجائيَّتِها أو توقُّعِها.
  • فندور دائرة كاملة نحو تعليمٍ معمدانيٍّ، وخاص بكنائس الإخوة وجميع الكنائس والحركات الكرازية الإنجيليَّة (كجمعيات خلاص النفوس). الذي يؤكِّد على أن “صلاة الخاطئ” هذه -وسواء كان مَن يصلي فاهمًا أو ناقص الفهم- طالما دُعي فيها باسم الرب يسوع، فهي وحدها تربطه ببرِّ المسيح للأبد فيخلُص. وحتى لو عاش حياة الخطيَّة بعدها سيؤدِّبه الربُّ تأديباتٍ كثيرةً، حتى يمكن أن يموت تحت التأديب لكنه سيذهب للسماء مع هذا.
  • أما ما يبدو أنه موقف الكنيسة المشيخيَّة المصرية، فإن “المؤمن الحقيقي (أي المختار) لا يرتدُّ ارتدادًا كاملًا أو نهائيًّا” بل لا بد أن يعود قبل موته فيخلص.
  • ولا زلت أرى عن نفسي أن التعليم الذي علَّمناه في كنيستنا (قصر الدوبارة الإنجيليَّة) يحلُّ إشكاليَّاتٍ كثيرةً من النوع عاليه. وهو أن التوبة هي عودةٌ للمسيح ورغبةٌ في طاعة تعليمه والحياة منه وبه وله، وأن الإيمان يعني الالتصاق بالمسيح؛ لأنه “هو خلاصنا”. ومن ثم ليست المسألة إما “صلاة الخاطئ” أو صلاة “توبة وإيمان”. إنما المسألة في حياة محورها وهدفها ومصدر قوتها المسيح وحده. وكل وسائط النعمة ليست شيئًا ما لَمْ تَدُر حول المسيح وحده، وليس مصلحتنا أو سعينا للبر أو سعينا لضمان الحياة الأبديَّة؛ لأنه هو حياتنا الأبدية ذاتها.

إذا كان الأمر كذلك فشرط الخلاص ليس كلمات التوبة والإيمان ولا هو النطق بصلاة الخاطئ (وإن كان هذا أو ذاك قد يعبر عن القبول الحقيقي للمسيح). وشرط الخلاص ليس هو معرفة العقائد الكتابية (وإن كانت العقائد الكتابية السليمة تدفع وتدعو إلى الاتكال على النعمة باتضاع وقبول المسيح والحياة التي تتمحور حول السعي إلى معرفته وإعلان مجده).

شرط الخلاص هو السعي لمعرفة الحق، قولًا وفعلًا وفكرًا. وطلب أن تحب الله على قدرِ ما نفهمه ساعين إلى مزيد من معرفة وجهه. والسعي لمحبة وخدمة القريب كالنفس. عندئذٍ فقط نتبرر لا بمُقتَضَى أعمالنا أو صلاح أنفسنا بل بمقتضى قصد الله لخلاص نفوسنا ونعمته التي أعلنها في المسيح.

ومن ثم:

  • علينا أن نعلن مجد وجمال الله، كما ظهر في الإنسان يسوع المسيح: الله الظاهر في الجسد.
  • وسنفهم نحن -كما سيفهم آخرون- هذا المجد بصورة متزايدة الوضوح. قدر سعينا، لكن تظل محدودةً حتى إعلانه الأخير عن نفسه.
  • يكاد لا يوجد فهم متطابق لمن هو المسيح وكيف يعلن عن نفسه بصورة تؤدي للخلاص في الكنائس والطوائف المختلفة كما يتباين فهم كل إنسان وكل كنيسة لكيفية قبول الإنسان (نوع الوجود) الذي يتصف بالإخلاص والرغبة في “طاعة الحق” والحياة الباذلة المتَّكِلة على نعمة تفوق البشر هو دائمًا نتاج عمل روح الله وحده، ونحن لا نستطيع أن نحدَّه، هو يعمل حيثما شاء وكيفما شاء. لكن ثقتنا أنه يبكت “العالم” (الخطاة) ويقنعهم من القلب بالإيمان وبالبر الذي في المسيح وبدينونة رئيس هذا العالم.
  • نكرر بكل إيمان وقوة، ونسعى لأن يعلن البشر ونعلن نحن الاتكال على النعمة (الإيمان) والعزم على الحياة المستقيمة المحبة (التوبة) في المسيح. لكن هو وحده يعرف القلوب، قلوب الذين نراهم يعلنون ويعودون وقلوب الذين لا نراهم، بل الذين نراهم لا يعودون حتى.
  • خطة خلاصه التي تتوق الملائكة نفسها أن تفهمها لا نستطيع إلا أن نرى منها إلا لمحات نور.