مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

قِرَاءة فِي فِكر هيرمان باڤينك عَنِ الحَربِ والمَسيحية

Watch Now

Download

قِرَاءة فِي فِكر هيرمان باڤينك عَنِ الحَربِ والمَسيحية

“مَا هُوَ موقف الأخلاق المسيحية تِجاه الحَرب؟ هَل الحَرب لها مكان فِي المَنظور المسيحيّ للعالم؟ هَل ينبغي إدانة الحَرب فِي كُلَّ وقت وفِي كُلَّ مكان ومعارضتها كجريمة؟ هَل الحَرب لها أيّ معنى أَمّ أنها ليستْ سوى الظُّلم والقوة الغاشمَة وعمل الشَّيطان؟ (Herman Bavinck, “The Problem of War,” 46–53. Online).” يتسأل هيرمان باڤينك كغيره من اللاهوتيين هذه الأسئلة عَن الحَرب ويُجاوب مُعبرًا عن لاهوتهُ بالاستناد إلى الفكر الكتابيّ والفكر المسيحيّ عبر القرون. فهذه الأسئلة لَن تُحسمْ بنَص واحد أو نقاش واحد كما يدعي البعض؛ ولكن سيَظل السؤال مفتوح لمزيد مِن البحث، ولكُل جيل منهجية خاصة بهِ ولكُل جيل ظروفهُ التي فيها ينشِأ ويتَفكر. فَنعلمْ جَميعًا أنَّ الحَرب والانقسام وكل خطية هي نتيجة لسقوط الإنسان، ولا يمكن أنّ نَنكر أنَّ هذه المُعضلة شغلّت الكثير مِن اللاهوتيين وتنوعت إجاباتهُمْ وما زالت مفتوحة للتنوع لصعوبتها وارتباطها بالواقع بصورة مباشرة. فيسرد هذا المقال نظرة المُصلح الهولندي هيرمان باڤينك للحَرب من خلال ثلاثة جوانب. أولًا: نظرة هيرمان باڤينك للعهد القديم عن الحَرب. ثانيًا: نظرة هيرمان باڤينك للعهد الجديد عن الحَرب. ثالثًا: استنتاجات هيرمان باڤينك اللاهوتية عن الحَرب.

أولًا: نظرة هيرمان باڤينك للعهد القديم عن الحرب.

لَا أحد يستطيع أنّ ينكر أنَّ الحَرب في العهد القديم يُشار إليها علَّى أنها حق إلهي من وقت الخروج حتى سقوط أورشليم عام٧٠م، فكان يُنظر إلَى هذا الصراع دينيًا وأخلاقيًا على أنهُ حرب شنها إله إسرائيل ضِدَّ الآلهة الوثنية. فيذكر الكتاب المقدس: الرب إله إسرائيل هُو رب الجنود (١صم١٧: ٤٥)، رجل الحرب (خر ١٥: ٣)، جبار في القتال (مز ٢٤: ٨)، يخوض حربًا مع شعبهِ (قضاة ٤: ١٤). هذه ليست وجهة نظر الناس فقط عن الحَرب! بل وجهة نظر الأنبياء أيضًا: فشارك إبراهيم في المعركة ضِدَّ طُغاة سدوم وعمورة (تك ١٤)، قاد موسى ويشوع والقضاة والملوك إسرائيل في المعارك ضِدَّ أعدائهم، حشدَ صموئيل النبي بني إسرائيل ضِدَّ الفلسطينيين (١صم ٧). بُناءً على هذه النصوص يوضح باڤينك: إنَّ إسرائيل القديمة عاشت في ظروف مختلفة تمامًا عن ظروف المجتمع المسيحي، ومن ثم لَا يمكن أنّ يكون تاريخها مبدأ توجيهي أو مثال لنا في حياتنا (Herman Bavinck, “The Problem of War,” 46–53.). ويمكن تلخيص وجهة نظر باڤينك للعهد القديم في جانبين: أولًا، مَا حدث من حروب في العهد القديم ليسَ دافع لتبرير حرب ما اليوم أو استخدام النصوص خارج قرينتها للدفاع عن قضية ما كما يفعل البعض _ فهذه النصوص تخضع لتفسيرات سياقية وروحية ينبغي مراعاتها. ثانيًا، لا يمكن إنكار أنّ الرب استخدم الحروب في العهد القديم لهدف أعلى وأسمى، فكثيرًا ما يُخرج الله من مَا يفعله الإنسان من شر غاية نافعه للبشرية. فقال متحدثًا عن طبيعة الله: “إنَّ الله بالحقيقة صالح وقدير بحيث يجعل الخير يخرج من الشر، ويستطيع أن يجبر الشر، رغم طبيعته، على المساهمة في تمجيد اسمه وتوطيد ملكوته (هيرمان باڤينك، بين العقل والإيمان، ج 2، ص 98).”

ثانيًا: نظرة هيرمان باڤينك للعهد الجديد عن الحرب.

إنَّ المَسيح في العهد الجديد هُو الذي جَلبَ السلام علَّى الأرض، وهُو الذي يَقودنا للسلام، ويؤسس مملكته على السلام. فمّضمون الإنجيل: هو تعبير عن صناعة السلام ما بينَ الله والإنسان، وهذا السلام بالتأكيد لهُ نتائج أخلاقية في الواقع بين الشعوب والأمم المتنوعة. فالجميع واحد في المَسيح؛ فهو ليسَ فقط لأنقياء القلوب والفقراء! ولكن أيضًا صناع السلام والمسالمون يُدعَونَ أَبناءَ الله. ففي العظة على الجبل حثَ تلاميذه علَّى أنّ يتعاملوا بلطف وأنّ لَا يُجاوبوا الشر بالشر. فالبعض يرى المعيار الأخلاقي للعهد الجديد مرتفع للغاية، لدرجة إنه من الناحية العملية يبدو غير قابل للتطبيق على أرض الواقع. فمقارنة كلمات السلام هذه بالواقع المروّع للحرب يقفان في تناقض حاد! لدرجة يبدو التوفيق بينهم يبدو مستحيلًا. فيأمرنا المَسيح ألَا نقاوم الشرير وأنّ نُحب عدونا، ولكن في الحرب يكون العكس تمامًا _ مطلوب القتل والحرق والدمار وكل ما يُساهم في سقوط العدو. ومن هنا ظهر التناقض في نظرة رجال الكنيسة مُنذ العصور القديمة للحَرب، وأدى ذلك إلى محاولات مختلفة للإجابة عن معضلة الحرب: فرفضَ البعض العالم باعتباره مِلكًا للشيطان وسعى إلى الانعزال عن العالم، آخرون رفضوا تعاليم المسيح باعتبارها غير عملية في الواقع وأنكروا فاعليتها ( Herman Bavinck, “The Problem .of War,” 46–53). وينقد هيرمان باڤينك هَذين التوجهين القائلينَ بالانعزال أو ترك التعاليم، بانه لا يمكن مواءمة مثل هذه المشاعر مع المسيحية سواء الانعزال أو ترك التعاليم المسيحية بحجة عدم فاعليتها في الواقع! فيقول: “فينعزل الراهب عن العالم ويدينه، أما يسوع فقد عزل نفسه وذهب إلى موضع خلاء ليقوي نفسه على الأعمال في وسط الناس ( Willem J. de .Wit, “An Invitation to Read Herman Bavinck in the Middle East,” 36).” بالنسبة لباڤينك من الضروري أنّ يكون لدى المسيحيين دعوة للمشاركة في الثقافة وهذه هي رسالتنا، كمؤمن لا يجوز للمرء أنّ ينسحب من المجتمع، فدعوتنا هي أن نذهب للعالم. وهذا ما قاله على الثورة الفرنسية ناقدًا الاتجاهين المتطرفين: ليبراليون ومناهضون للثورة. ومن جانب آخر، يؤكد باڤينك أنه لا ينبغي مساواة العظة على الجبل بالحياة المسيحية بالكامل، فمشكلة الحرب ليست بهذه البساطة بحيث يُمكن حلها من خلال نَص واحد؛ بل هي جزء من قضية أوسع تَمَس علاقة المسيحية بالحياة ككل. فهو لا يعني التقليل من شأن هذا النص، بل يشير بهذا إلى أهمية النظر إلى لاهوت الكتاب بصورة كلية عند تحليل قضية ما ذات أهمية مثل قضية الحرب سواء بالموافقة أو الرفض.  

ويفسر باڤينك نظرة العهد الجديد للحَرب بإنَّ العهد الجديد لَا يرفض أبدًا المهنة العسكرية في حد ذاتها: فتلقى الجنود الَّذين أتوا إلى يوحنا المعمدان أمرًا بعدم أخذ نقود بالقوة، ولكن ليسَ أمرًا بترك الخدمة (لوقا 3: 14). أعربَ يسوع عن دهشتهُ من الإيمان العظيم لقائد المئة وشفى عَبده (متى 8: 10)، تَم تَعميد كَرنيليوس وعائلته بأكملها وتَم قبولهم في الكنيسة (أعمال الرسل ١٠). دون أيّ تخوف تحدث يسوع في أحد أمثاله عن ملك جلسَ قبل ذهابه إلى الحرب، يفكر فيما إذا كان بإمكانه الانتصار بعشرة آلاف رجل، مقابل خصمه الذي لديه عشرين ألفًا (لوقا 14: 31). وبالمثل يسعد بولس باستخدام الصور العسكرية لوصف حياة المسيحي (رومية 13: 6 ؛ 1كورنثوس 9: 7، أفسس ٦:١٠- 17، 2تي 2: 3). وتشير أقوال المسيح هذه بوضوح إلى أنَّ هناك ممتلكات روحية لها قيمة أكبر بكثير من الرخاء والسلام الشخصي، يأتي الله قبل الإنسان دائمًا. محبته هي الوصية العظمى والأولى لنا (متى 22: 37 _ 38). فينبغي أنّ نطيعه أكثر من طاعة الرجال (أعمال الرسل 5: 29). لذلك يجب البحث عن مملكته وبره فوق كل شيء (متى 6: 33). لأن ملكوت السموات كنز ولؤلؤة غالية الثمن (متى 13: 44 _ 46). وهكذا فإن الإنسان أكثر قيمة من العالم كله (متى 16: 26)، والنفس أكثر من الجسد (متى 6: 25). إذًا ترشدنا تعاليم المسيح والرسل إلى إنه ينبغي علينا دون تردد أنّ نتخلى عن الأصغر لكي نشارك في الأعظم ونحافظ عليه. الحياة والازدهار والسلام ليسُ أعلى الممتلكات، هناك حالات ينبغي فيها التخلي عن الأغلى ومعارضته. لقد ترك لنا الشهداء مثالاً على ذلك، حتى المسيح لَم يُرضي نفسه، فاحتمل عار الصليب (رومية 15: 3). فالمسيح يشجع على الغفران والتسامح، ولكن من جانب آخر لَم يختار الاتفاق والانحياز إلى مملكة الظلمة من أجل سلام مؤقت؛ فكان الحق والعدل أولوية عن السلام المزيف مع الظلم والشر (Herman Bavinck, “The Problem of War,” 46–53.). فالوقوف ضد الشر والظلم هو دعوة كتابية واضحة، فلا يمكن أن نتعايش مع ظالم أو نقبل تكبيل حرية أحدهم سواء شخص أو شعب على أساس خطأ أو بدعوة النظر فقط لجانب المسامحة والغفران في كلمات المسيح، فلَم يدعونا يومًا أنّ نحيا بلا حرية أو بلا كرامة أو نترك الظالم بلا أنّ نقف أمامه ونعلن الحق. وأعتقد أنّ باڤينك هنا يكرر ما قاله جون كالفن عن الحَرب ودور الحكام: “فالحُكام ينبغي أنّ يدافعوا عن رعيتهم، فلو التعليم المسيحي يدين كل حُروب بصورة مطلقة لكان ينبغي أن يقول المسيح للجنود الذين طلبوا مشورته حول خلاصهم. أن يتخلصوا من أسلحتهم ويتركوا الخدمة ولكن قال لهم لا تظلموا ولا تشوا (لو٣: ١٤) (جون كالفن، أسس الدين المسيحي المجلد الثاني، ص ١٣٩٨.).”

ثالثًا: استنتاجات هيرمان باڤينك اللاهوتية عن الحرب.