مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

كيف غيَّرت المسيحيّة النظرة للمرض؟

Watch Now

Download

كيف غيَّرت المسيحيّة النظرة للمرض؟

إنّ الرعاية الطبيّة، والأنظمة الصحيّة، قد باتت اليوم حديث الساعة حول العالم. أمّا قديمًا، فكانت رعاية المرضى طبّيًّا مسؤوليّة الأسرة؛ إذ لم يكن النظام الطبّيّ المعروف حاليًّا قائمًا. أمّا في حال وجوده، فقد اقتصر على الأسر الميسورة، التي يمكنها تحمُّل النفقات الباهظة لعلاج أفرادها، واستقدام الأطبّاء المعالِجين، المدرَّبين بحسب منهج أبُقراط وجالينوس. هؤلاء كانوا يقدّمون الخدمة الطبّيّة للمريض داخل المنزل، بينما تقع مهمة التمريض كلّيًّا على عاتق أفراد الأسرة والخدم والعبيد. وبالطبع، لم يكن هناك مجال للفقراء لتلقّي الخدمة الطبّيّة. يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم في هذا الصدد: «غالبًا ما يضطرّ الرجل الفقير لأن ينحرم من العلاج، لأنّ دخله لا يغطّي حتّى تحضير الدواء، فضلًا عن رسوم الأطبّاء.» [1]

ولم يكن الأطبّاء يُقدِمون على معالجة الحالات الميؤوس من شفائها، أو حتّى تلك البالغة السوء، وذلك حفاظًا على سُمعتهم ومكانتهم العلميّة، فمَن الذي سيُقدِم على التداوي عند طبيب اشتُهر بالفشل أو بموت مرضاه؟ وعليه، فإنّ هؤلاء المرضى الميؤوس من حالتهم، أو الفقراء منهم، أو العبيد الذين نالت منهم الأمراض والشيخوخة، كانوا مسؤوليّة الأُسَر أو السادة؛ على أنّه كان مألوفًا أن يتخلّى عنهم ذووهم ومالكوهم فيفترشون الشوارع والأسواق كمتسوّلين. وتُخبرنا أسفار العهد الجديد بشيوع هذا النمط المؤلم من السلوك في المجتمع آنذاك. [2]

ربّما يقفز الآن إلى ذهن القارئ سؤال بديهيّ: ألم تكن هُناك أعمال خيريّة؟! بالطبع كانت الأعمال الخيريّة موجودة. ولكنّها غالبًا ما انحصرت في شكلين؛ فهي إمّا أن تكون في شكل يُشبه الكفالة، وهي علاقة منفعة متبادَلة بين الكفيل الرومانيّ الثريّ وأحد الفقراء المكفولين يقدّم فيها الكفيل بعض القروض والإعانات الماليّة، وبعض الكفالة في التمثيل القانونيّ، شرط أن يقدّم المكفول الولاء التامّ للكفيل والخدمة متى طُلب منه ذلك. وإمّا أن تكون في صورة عمل عامّ، فيقوم أحد الأثرياء، أو أعضاء مجلس الشيوخ، بتوزيع بعض الحبوب أو الأموال، ولكنّ هذا كان حدثًا عَرَضيًّا وغير دائم. وعليه، كانت الأعمال الخيريّة كلّها موجّهةً لمنفعة، وبعيدةً كلّ البعد عن الفئات الأضعف، وعن المرضى تحديدًا. فقد كانت هذه الفئة موصومةً وعلى هامش المجتمع.

أمّا الجيوش، فقد عرفت المعسكرات الطبيّة منذ القرن الأوّل؛ ففي منطقة كارنتم بالقرب من ڨيينا الحاليّة، قام أوّل مستوصف طبّيّ عسكريّ. وقد اقتصر العلاج والدواء فيه على الفئة التي كان يُرجى ويسهل شفاؤها لتعود للخدمة في صفوف الجيش سريعًا. أمّا بقيّة المرضى من العامّة والجنود الفقراء، والعبيد الذين تخلّى عنهم سادتهم، فكانوا يلوذون بالمعابد للتداوي بالسحر والتعاويذ التي كان يصنعها الكهنة. فقد كان هؤلاء منبوذين في المجتمع، كمصدر للخزي والعار. ويقول، مثلًا، المؤرّخ الطبّيّ سيجرست (+ 1957) في هذا:

«كان الإنسان المريض والمعاق والضعيف يُعتبر في درجة أدنى من الإنسان الصحيح، ولا يمكن اعتباره إلّا كذلك في نظر المجتمع، إذ كان يتمّ تحديد قيمة الشخص بحسب إمكانيّة تحسّن حالته الصحّيّة. ومن ثمّ، كانت حياة أيّ إنسان مريض بمرض مزمن مزريةً تمامًا. فالعصور القديمة، لم تقدّم أيّة وسيلة لرعاية المعاقين أو المصابين بالشلل. كان على الإنسان المريض أن يعود صحيحًا حتّى يمكن اعتباره شخصًا ذا قيمة.»[3]

جاء يسوع ليقدّم مفهومًا جديدًا للمحبّة، وهي بحسب وصف سي. أس. لويس في كتابه المحبّات الأربع، محبّة محدودة تقدَّم بحريّة ولا تعتمد على قيمة المتلقّي وجدارته، إذ إنّها انعكاس لله، الذي هو في ذاته محبّة[4]، وتعبير عنه. فالإنسان في المسيحيّة حين يحبّ أخاه، فما هذا إلّا انعكاس لصورة الله والحبّ الإلهيّ الذي اختبره الإنسان، حتّى إنّ يسوع ربط نفسه بشخص المريض المحتاج: «بِمَا أَنَّكُم لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا» (مت 25: 40). وهنا، في رأينا، حَدَثَ التحوّل الفارق في حياة المرضى والمعوزين؛ إذ رفعهم المسيح إلى مكانة لا أعلى منها مكانة. كما شرّع المحبّة شريعةً للجوعى والعطاش والغرباء والمساجين (مت 25).

ولقد انعكس هذا على الكنيسة الأولى، التي أسندت خدمة المرضى للشمامسة كما نقرأ في كتاب تعاليم الرسل في القرن الثالث. وإلى جانبهم ظهرت مجموعات من العلمانيّين الذين تطوّعوا لخدمة المرضى مثل «محبّي التعب» (باليونانيّة: الفيلوبوني)، الذين كانوا يجوبون الشوارع بحثًا عن المرضى في سبيل مساعدتهم. كذلك ظهرت مجموعة تسمَّت «المجازفون» (باليونانيّة: البارابلاني)، وقد اشتهر أعضاؤها في مدينة الإسكندريّة بمساعدة المرضى والعاجزين كما نقرأ في منشوري ثيوذوسيوس (رقم 42 من العام 416 و43 من العام 418). وقد بلغ عددهم في مطلع القرن الخامس نحو خمسمائة شخص تقريبًا. [5]

وضع يسوع علامةً فارقةً حين قال: «بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبُّ بَعْضٍ لِبَعْضٍ» (يو 13: 35). وقد شهد ترتليان (+ 240) على تأثير هذه الوصية ذات الطابع الشرطيّ؛ إذ قال: «إنّ رعايتنا للعجزة، وممارستنا للمحبّة المتحنّنة، هي التي تُميّزنا في نظر الكثير من خصومنا. فهم يقولون: فقط انظروا كيف يحبّون بعضهم بعضًا، انظروا كيف أنّهم مستعدّون أن يموتوا بعضهم من أجل بعض.» [6]

وقد تجسَّدت المحبّة المسيحيّة في أزمنة الأوبئة والأمراض والكوارث والحروب. وظهرت محبّة المسيحيّين الباذلة، لا للمسيحيّين فحسب، بل لجميع المحتاجين والمرضى والمتروكين، حتّى للوثنيّين، الذين كانوا يضطهدونهم. في القرن الميلاديّ الثالث، ضرب وباءٌ خطيرٌ الإمبراطوريّةَ الرومانيّة وحصد نحو نصف سكّان المدن الكبرى مثل الإسكندريّة وقرطاجة. خلال هذا الوباء، ظهرت شجاعة المسيحيّين حيال إخوتهم وحيال الوثنيّين أيضًا. وقد شهد على ذلك البابا ديونيسيوس الإسكندريّ (+ 264) في رسالته الفصحيّة عام 260:

«أظهر معظم إخواننا المسيحيّين وفاءً وحُبًّا لا حدَّ لهما، ولم يبخلوا بأنفسهم قطّ، ولم يفكّروا إلّا في بعضهم البعض. لقد تولّوا مسؤولية المرضى، مُستهينين بالخطر المُحدق بهم، ساهرين على كلّ ما يحتاجون إليه، خادمين إيّاهم في المسيح. ومعهم غادروا هذه الحياة بهدوء وهم سُعداء، إذ إنّهم أصيبوا بالمرض من خلالهم، مُجتذبين لأنفسهم مرض أقربائهم، وقبلوا آلامهم بفرح، الكثيرون أثناء رعايتهم وعلاجهم للآخرين نقلوا المرض لأنفسهم وماتوا بدلًا عنهم.» [7]

هذا السلوك كان في تناقض صارخ مع سلوك الوثنيّين الذين هجروا مرضاهم في الوباء، وتركوا الجثث في الشوارع بلا دفن. ويكتب ديونيسيوس الإسكندريّ في إحدى رسائله:

«تصرّف الوثنيّون بشكل مُخالف تمامًا. في البداية الأولى للمرض، دفعوا بالمصابين بعيدًا عنهم، وهربوا من أعزّ أعزّائهم، مُلقين بهم في الطرق قبل أن توافيهم المنيّة. وتعاملوا مع الجثث غير المدفونة كقذارة، راجين بذلك أن يتفادوا العدوى، وانتشار المرض المميت. وبالرغم من أنّهم فعلوا ما في وسعهم، إلّا أنّهم وجدوا صعوبةً بالغةً في الهروب.» [8]

وقد اعترف الوثنيّون نفسهم بالفارق الذي لمسوه في الأخلاق المسيحيّة، فيقول الإمبراطور يوليان (+ 363) في رسالة إلى أحد الكهنة الوثنيّين: «أعتقد أنّه عندما تمّ إهمال الفقراء، وتجاهلهم الكهنة، اهتمّ بهم الجليليّون الملحدون، وكرّسوا أنفسهم للإحسان». وقال أيضًا: «الجليليّون يدعمون ليس فقراءهم فقط، بل فقراءنا أيضًا، كلُّ إنسان يمكنه ملاحظة أنّ شعبنا تنقصه المساعدة من جانبنا.» [9] وهذا ما دفع راودني ستارك، عالم الاجتماع الأمريكيّ، ليعزو نموّ المسيحيّة إلى الأسباب الآتية: [10]

  • رعاية المرضى في زمن الأوبئة، والاهتمام لا بالمسيحيّين فحسب، بل بالوثنيّين أيضًا. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا يصنع فارقًا في حياة الآخرين.
  • عدم ممارسة المسيحيّين للإجهاض، الذي كان يُعرّض الكثيرات من النساء للموت.
  • قدّمت الكنيسة مفهومًا جديدًا ومكانةً جديدةً للإنسان، حين كانت مكانته منحدرةً ومتدنية.

حقًا إنّ المحبّة، وأفعال المحبّة، لم تسقط أبدًا، ولا يزال لها الأثر الفارق في شخصيّة المسيحيّة ورسالتها.

ربما طالعت القارئ ذات مرّة صورة لفتاة جميلة تحمل جرّةً في يمناها، وفي يسراها تحمل مشطًا؛ إنّها القدّيسة ڨيرينا، وهي فتاة مصريّة صعيديّة تنتمي إلى إحدى قُرى مركز قوص بمحافظة قنا. كانت ڨيرينا من ضمن الوفد الطبّيّ الذي ضمّ مُمرّضاتٍ مصريّاتٍ كُنّ في صُحبة الكتيبة الطيبيّة المصريّة، وذلك نسبةً إلى طيبة، أي الأقصر، وهي كتبية مصريّة مسيحيّة خرجت لمساعدة الجيش الرومانيّ في الحرب في سويسرا، وعلى حدود فرنسا. وقد أبلوا بلاءً حسنًا في الحرب، ولكنّ الإمبراطور مكسيميانوس أمر بقتلهم جميعًا عندما رفضوا إكرام أوثانه.

         وصاحبَ الكتيبة الطيبيّة بعض العذارى القبطيّات، اللواتي كنّ يقمن بإعداد الطعام ورعاية الجرحى وغير ذلك من الأعمال، وكانت القديسة ڨيرينا التي ذكرناها من بينهن. فلمّا قُتل أفراد الكتيبة كلّهم، لم تُغادر راجعةً إلى مصر، بل بقيت تخدم الربّ يسوع في مكانها. فهَدَت الشعب الوثنيّ إلى المسيحيّة، وقامت بتعليمهم أسس العلاج من الأمراض عبر استعمال بعض الأعشاب الطبّيّة، كما لقّنتهم أصول النظافة الجسديّة عبر الاغتسال بالماء. وهي تُصَوَّر على النحو المذكور آنفًا تخليدًا للدور الذي قامت به هذه المصريّة في العناية بمرضى أوروبا، وفي تعليم أهلها النظافة، وذلك قبل أكثر من خمسة عشر قرنًا. [11]

         وكتطبيق عمليّ لتأثير المحبّة المسيحيّة، ظَهَرَ أوّل مشفى في التاريخ في كبادوكيّة في زمن باسيليوس الكبير، الذي شَرَعَ بعد تنصيبه أسقفًا لمدينة قيصريّة عام 370 في إنشاء مُجمّع خدميّ ومَشفى خيريّ خارج أسوار قيصريّة. وقد اكتمل بناء هذا الصرح في العام 372، وسُمّي «الباسيلياد». وقد سمّاه القدّيس غريغوريوس النازينزيّ «المدينة الجديدة»[12]. كان هذا المشروع الخيريّ يخدم المرضى والعجزة والأرامل والأيتام والمُسنّين، وقد ضمّ قسمًا مُختصًّا بمرضى الجذام، الذين كانوا قبلًا مرفوضين في المجتمع.

         ثمّ انتشرت المشافي في الإمبراطوريّة الرومانيّة. ففي العام 373، أنشأ مار أفرام السريانيّ مشفى يضمّ ثلاثمائة سرير. كما أقامت الإمبراطورة أوذوكسيّا مشفىً في كلّ من أورشليم والقسطنطينيّة، وأسّس الذهبيّ الفم عددًا من المشافي وأقام على رئاستها بعضًا من الكهنة. في عام 2012، قام مارك أندرسون في أطروحة دكتوراه وضعها في جامعة ييل في أميركا عن المستشفيات والملاجئ بتحديد نحو 297 مشفىً وملجأ للمرضى أقيمت في حوض البحر المتوسّط، وذلك في أربع عشرة مقاطعةً من أصل خمس عشرة من مقاطعات الإمبراطورية الرومانيّة علاوةً على ما أقيم في أرمينيا وفارس، بحلول العام 700م.

         وأمَّا العرب، فقد استمدوا أطباءهم من المسيحيين أمثال عائلة بختيشوع، ويوحنا بن ماساويه، من خريجي مدرسة جنديساپور، وهي بلدة بإقليم خوزستان، بين البصرة وفارس، بناها ساپور الأول الساسانيّ، أبن أزدشير، وأسكنها سبي الروم إثر حربه مع أورليان الإمبراطور الرومانيّ. واشتهرت جنديساپور بمدرستها الطبيّة المتميزة، وأطبائها الأكفاء، وبيمارستانها [مشفاها] الذي أنشأه كِسرى؛ وقد كان هذا البيمارستان -السابق على ظهور الإسلام بثلاثة قرون- نِعمَ المُلهِم والمُعين للعرب على إنشاء البيمارستانات بعد ذلك في بلادهم والأمصار التي دخلوها. وقد استطب رسول الإسلام والخُلفاء من بعده على أيادي الكثيرين منهم، مثل الحارث بن كَلَدة وابنه النضر بن الحارث، وابن أثال، وأبا الحَكم الدمشقي، وغيرهم. وفي عام ٨٠٥ م، أنشأ الخليفة هارون الرشيد مشفىً في عاصمته بغداد، نَقلًا لتجربة مشفى جنديساپور، كان من أعلامه من النصارى، بختيشوع بن جورجيوس، وحُنين بن إسحاق، وإسحاق بن حُنين. ومن القرن التاسع حتى القرن الثالث عشر،‏ بنى الحُكام العرب المشافي في جميع أرجاء الدولة الإسلاميّة الممتدة من إسبانيا إلى الهند.‏[13]

وبسقوط الإمبراطورية الرومانيّة -في القرن الخامس الميلاديّ- بدأت الحِقبة التي عُرفت بالقرون الوسطى، وخلال هذه الحِقبة -التي دامت عشرة قرون- انعدم الإنتاج العلميّ والثقافيّ تقريبًا، ولم يتحقق أي إنجازٍ علميّ أو ثقافيّ في القارة الأوروبيّة بأسرها. بل أنه وحتى منتصف القرن الرابع عشر، كان متوسط عمر الفرد يتراوح ما بين ثلاثين وخمسة وثلاثين عامًا، وطفل واحد من بين كل خمسة أطفال يموت أثناء الولادة! لم تعرف أوروبا آنذاك نسقًا طبيًّا مُنظمًا، ولا سبيلًا لتطوير البحوث العلميّة، بل وانحدر التعليم أيضًا؛ فانتشر الجهل والخرافات، والتداوي بالسحر والرُّفات كنتيجة لذلك. لكن في الأديرة كان الوضع مختلفًا نوعًا ما؛ فقد كان الرُّهبان وحدهم هم القادرون على القراءة والكتابة. واستمر الحال على ذلك المنوال إلى أن بدأ عصر النهضة في القرن السادس عشر.

         وفي القرن السادس عشر، زمن حركة الإصلاح، وتحديدًا عندما ضرب الطاعون أوروبا، ظهرت آنذاك دعاوى تُسَوِّل للمسيحيّين ترك مرضاهم ليلقوا مصيرهم، وكان التبرير هو الخضوع لإرادة الله، لكونه مَن سمح بهذا الوباء تأديبًا للناس كي يقتادهم إليه. ولكنّ المُصلِحين الإنجيليّين رفضوا هذا الموقف تمامًا، ودعوا إلى مُعالجة المرضى ورعايتهم بكلّ الوسائل المتاحة.

            قدّم اللاهوت المُصلَح إيمانًا يرتكز على نعمة الله من جهة، وعلى وزنة العقل من جهة أخرى. في أغسطس من العام 1527، ضرب الطاعون مدينة ويتنبرج، وهرع العديد من مواطني لوثر بحياتهم (إلى الهرب؟)، وطالب حاكم المقاطعة لوثر بالمغادرة على الفور لإنقاذ حياته. ولكنّ لوثر اختار البقاء لخدمة أولئك المنكوبين. سَخِرَ العديد من الألمان من مواطني ويتنبرج لهروبهم، فكتب قسّ ألمانيّ يُدعى چون هَس للوثر يسأله كيف على الراعي أن يتصرّف عند مواجهة مثل هذا الطاعون، فأجابه لوثر في خطاب عُنونَ بـ«هل للمرء أن يهرب من الطاعون القاتل؟».

            نحن الذين نعيش الآن بعد أن اكتشف لويس باستور الجراثيم، المستفيدين من التطوّر العلميّ والمستشفيات الحديثة، لا يمكننا أن نتخيّل كم كانت الظروف مختلفةً في ويتنبرج في زمان لوثر. دعا لوثر إلى اتّخاذ خطوات عمليّة لاحتواء انتشار المرض مثل تخصيص بعض المباني العامّة وتحويلها إلى مستشفيات للمرضى، بدلًا من السماح لهم بالتواجد في مئات المنازل الخاصّة. كما حثّ المسيحيّين على تعقيم منازلهم وساحاتهم وشوارعهم لوقف انتشار الطاعون، وطالب بنقل مقبرة ويتنبرج خارج الحدود. وعن الاحترازات الوقائيّة في زمن الطاعون كتب لوثر في رسالته:

«سوف أطلب من الله الرحوم أن يحمينا. سوف أستخدم موادًّا مطّهرةً، سأتناول الدواء. سأتجنّب الأمكنة والأشخاص حيث وجودي غير ضروريّ كي لا ألتقط العدوى أو أُعدي الآخرين وأتسبّب بموتهم بسبب إهمالي. فإذا شاء الله أن يأخذني إليه، سوف يجد بأنّني قد فعلت ما انتظر منّي أن أقوم به، كي لا أكون المُتسبّب بموتي وموت الآخرين. إذا احتاج لي جاري، لن أتردّد في الذهاب إليه حيث هو. لكن سألتزم بالإجراءات التي قرّرت أن أقوم بها لأحفظ نفسي من العدوى. هذا هو الإيمان الذي نسمّيه مخافة الله، لأنّه إيمان غير مُتهوّر، ولا يُجرّب الله.» [14]

         قدّم زوينجلي (1484-1531)، وهو بمثابة أب الإصلاح في سويسرا، شهادةً حيّةً بعدما انتقل إلى زوريخ العام 1519. فأثناء خدمته هُناك، ضَرَبَ الطاعون المدينة ولقي ثلث سُكّانها تقريبًا حتفهم. فاختار بقلب راعٍ ألّا يترك سُكّان المدينة لمصيرهم المظلم، بل بقي كراعٍ أمين لهم يعتني بالمرضى والموتى. وبرغم التدابير الاحترازيّة، فإنّ عدوى الطاعون قد تسلّلت إليه، وكان على شفير الموت لولا أنّ عناية الله جعلته يتماثل للشفاء خلال ثلاثة أشهر. إنّ بقاء زوينجلي مع رعيتّه وسط الوباء والموت لاقى كلّ تقدير من أهل زوريخ.[15]

         يُشدّد كالڨن، في كتابه «أسس الدين المسيحيّ»، على عدم إغفال الوسائل المُتاحة، ومنها العلاجات والأدوية، ويقول في معرض حديثه عن العناية الإلهيّة الوسائل المُتاحة:

«إن عانى هذا الإنسان الورع أيَّ خسارة نتيجة الإهمال أو الاستخفاف، فسوف يستنتج أنَّ ذلك حصل بمشيئة الربّ، لكن سيعزوه أيضًا إلى نفسه. لنفترض أن داءً قضى على مريض قصّر [الإنسان الورع] في علاجه، مع أنّ واجبه كان الاعتناء به؛ فمع أنّه يعلم أنّ المريض قد وصل إلى طريق مسدود، لن يحسب إخفاقه أقلّ جدّيّةً؛ بالأحرى، ومن حيث إنّه لم يقم بواجبه بأمانة من نحوه، سيعتبر أنّ هذا الأخير قد قضى نتيجة إهماله… مع أنّ يوآب قد استشرف أنّ نتيجة المعركة ستكون بيد الله، لم يستسلم للخمول، لكنّه تبوّأ بدأبٍ مهام دعوته. بل أكثر، سلّم إلى الربّ قرار المآل، وقال: «تَجَلَّدْ وَلْنَتَشَدَّدْ مِنْ أَجْلِ شَعْبِنَا وَمِنْ أَجْلِ مُدُنِ إِلهِنَا، وَالرَّبُّ يَفْعَلُ مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْهِ» (2صم 10: 12). ستدفعنا هذه المعرفة ذاتها لنتخلّى عن التهوّر والثقة المفرطة، وترغمنا باستمرار على طلب الله. كما أنّها أيضًا ستُكيّف أذهاننا برجاءٍ صالحٍ، حتّى إنّنا بثقةٍ وإقدامٍ لا نتردّد في ازدراء تلك المخاطر المُحيقة بنا.» [16]  

[1] John Chrysostom, PG 51:355, quoted in Norman Underwood,  Medicine, Money, and Christian Rhetoric, studies in Late Antiquity, Vol.2 (2018), 342-384, 370.  

[2]     راجع مثلًا ما ورد في يو 5: 2- 3 في قصة مريض بركة بيت حِسدا.

[3]  Henry Sigerist, The special Position of the Sick, in Culture, Disease, and Healing, ed. David Landy (NY: Macmillan, 1977), 94.   

[4]   1يو 4: 1.

[5] Gary Ferngren, Medicine and Health Care in Early Christianity, (Baltimore: The  Johns Hopkins University Press, 2009), 119-131.  

[6]  Tertullian, Apology XXXIX, quoted in Adolf Harnack, The Mission and Expansion Of Christianity in the First Three Centuries, trans. & ed. James Moffat (Harper & Row Publishers, 1972), 149.  

[7]  Dionysius of Alexandria, Paschal letter quoted in Stark, The Rise Of Christianity:A sociologist Reconsiders History (Princeton, N.J: Princeton University Press, 1996), 82.  

[8]   Dionysius of Alexandria, Paschal letter quoted in Stark, 83.

[9]   Julian the Apostate, letters quoted in stark, 83-88.

[10]  Stark, 73-128.

[11] روت جرجس، سمير فوزي، القديسة ڨيرينا والفرقة الطيبية، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبي للنشر).

[12] Gregory Nazianzus, The panegyric on st. Basil in NPNF, second series, Vol. VII 416.

[13] أحمد عيسى، تاريخ البيمارستانات في الإسلام، (بيروت: دار الرائد العربي، 1982م)، ط2، صـ 61-63.

[14] Mary Jane, The annotated Luther: volume 4 pastoral writings, Luther’s letter known as “Whether One May Flee from a Deadly Plague?”, Augsburg Fortress, Publishers, pp. 385-410.

[15] ميرل دوپينياه، تاريخ الإصلاح في القرن السادس عشر، ترجمة: إبراهيم الحوراني، (بيروت: مكتبة المشعل، 1982م) طـ3، صـ 319-335.

[16] چون كالڨن، أسس الدين المَسيحي، ترجمة: أديب عوض، وليد هرموش، ڨيكتور مكاري، تحرير: چورچ صبرا، (بيروت: دار منهل الحياة، 2018م)، طـ2، جـ1، صـ 212-213.