مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

لاهوت الجماعة ولاهوت العطاء

Watch Now

Download

لاهوت الجماعة ولاهوت العطاء

مُقدمة

لا يُمكن لنا تجاهُل دور التنمية في حياة المُجتمع، سواء لرُقيِّهِ الاجتماعي أو الثقافي أو المجالات المُختلفة في حياة البشرية عامة والمُجتمع بصورة خاصة. التنمية مسؤولية لا تقتصر فقط على الجهات الحكومية، لكن كُل فرد له مسؤوليته تجاه المنظومة البشرية التي ينتمي لها، والكنيسة كإحدى المؤسسات لها دورها التنموي لمُجتمعها المُحيط بها، وعليها ألا تُراعي استغلال هذه المسؤولية لأهداف أخرى سوى تنمية المُجتمع، هذا ليس إنكارًا لدورها في الكرازة، بل بالعكس تمامًا هذه هي الكرازة بأعمق معانيها والتي تُقدَّم مِن خلال التنمية، فتُعبِّر عن رؤيتها ورسالتها في أوضح صورها.

إذا كُنا نُدرك ما سبق عرضه، فعلينا إذًا إدراك البُعد اللاهوتي، الذي بمقتضاه نستطيع التعرُّف على كيفية تغيير المُجتمع، والانتقال به من حالة إلى أُخرى أفضل مما عليه المُجتمع، وفي وجهة نظر الباحث، أنّ هذا البُعد اللاهوتي يَكمُن في لاهوت الجماعة ولاهوت العطاء، وسيُحاوِل الباحث إثبات هذا من خلال ورقتِهِ البحثية.

أولًا: المُجتمع والجماعة

إذا كُنا نتحدَّث عن الأساس اللاهوتي لتغيير المُجتمع ونُريد معرفته، فعلينا مُراعاة ولفت انتباهنا إلى المُسمى لنتمكن من معرفة الأساس اللاهوتي، فإذا كُنا نتحدَّث عن المُجتمع، فما هو المُجتمع إذًا؟ وبطرح هذا التساؤل والإجابة عليه يُمكننا التوصُّل إلى البُعد اللاهوتي. إذًا فما هو المُجتمع؟ في مُعجم المعاني الجامع نجد تعريف المُجتمع بأنَّهُ “جماعة من النَّاس تربطها روابط ومصالح مشتركة وعادات وتقاليد وقوانين واحدة.”[1] كذلك المُجتمع هو “تجمُّع بشري، مُنظَّم، يجِد كفايته الذاتية في مجالات مُعينة، تشترك في استمراريته عَبر الأجيال.”[2] فالمُجتمع عبارة عن جماعة، ويُمكن تقسيم الاحتياجات والمصالح وفقًا لأمرين، الأول احتياجات فردية، والثاني احتياجات جماعية، لكن مِن وجهة نظر الباحث أن الاحتياجات الجماعية أقوى، فنتوصَّل إذًا إلى لاهوت الجماعة وأنَّهُ المُحرِّك الأساسي وراء التنمية، فيتفق المُجتمع على احتياج مُلحّ يُحقق إشباعًا لرغباتهم، ومنها السّعي لتحقيقه. والدُّعامة الرئيسية التي يقوم عليها المُجتمع هي العلاقات الإنسانية التي تربط أفراده ببعضهم البعض.[3]

الرسالة بين المسؤولية والعمل الجماعي

خلق الله العالم ثمَّ كلَّف الإنسان برسالة فيه، فوضع الإنسان كسيّد للخليقة ودعاه للسيطرة عليه، ولو عَصْرَنَّا هذه الكلمات فتُفهم بأنَّهُ يُشيِّد المُجتمع البشري مِن خلال نشاطه الإنساني، ويتم هذا الفكر مِن خلال نشاط الإنسان في تشييد المُجتمع والحضارة والتاريخ، وبالتالي فهو يُحقِّق ذاته، ويكوِّن نفسه، وبالتالي فهدف النشاط البشري كُلّه هو سعادة الأشخاص وفرحهم في مُجتمع يسعى نحو الأفضلية والكمال،[4] وهذا هو الدور الفردي في عملية التنمية، وهي مسؤولية كُل فَرد تجاه العمل المُخصص له، حتى يُحقَّق بنهاية الأمر إشباع الاحتياج والمصلحة العامة للجماعة. وتأكيدًا لدور الجماعة؛ ففي كُل خطوة نخطوها في المُجتمع نجد أنفُسنا أمام علاقات إنسانية تربط بيننا وآخرين، وبين الآخرين وأنفُسهم.[5]

الكنيسة باعتبارها جماعة ولها احتياج وتُريد تحقيقه، لكن بسبب دورها المُرسلي، فهي تعمل على تحقيق وتسديد احتياج الجماعة المُحيطة “الكنيسة مسؤولة باعتبارها مؤسسة إلهية، لكن الكنيسة مع ذلك مؤسسة داخل المُجتمع ومرتبطة بالمُجتمع ومسؤولة عن المُجتمع”[6] وليس معنى أنّ الكنيسة مؤسسة إلهية فعليها الانعزال عن المُجتمع، لكنَّها مؤسسة داخله فهي مسؤولة إذًا عن المُجتمع وتغييره. الكنيسة أيضًا هي امتداد لرسالة يسوع المسيح ويسوع كان له رسالتان “الأولى رسالة الكرازة، والنقطة الرئيسية لهذه الرسالة كانت أن يعرف الناس يسوع المسيح كَربّ ومُخلِّص- والثانية كانت مُساعدة الشعب ليصبح أكثر إنسانية كما خلقهم الله مُنذ الخليقة.”[7] وبذلك فعلينا أن نحمل لواء الرسالة ومشعَل القيادة، ونستكمل هذه المسيرة، ونضع نصب أعيُنِنا هاتين النُّقطتين الأساسيتين، سواء أكانت الكرازة أو مُساعدة الشعب. يذكر أيضًا في كتاب لچون ستوت كلمات قوية عن دور الكنيسة وإرساليتها وخروجها للعالم ودعوتها لأن تكون لآخرين، ومركزها يكون خارجها، وحياتها لا لذاتها بل للعالم، وأن تكون مُبادرة بالذهاب ورؤية الاحتياج، بدلًا من أن تكون مُنتظرة لمجيء الأفراد لها، بذلك يزداد ويتقوى دورها المرسلي.[8]

ويتحدَّث الدكتور القس صموئيل حبيب عن الكنيسة ومسؤوليتها نحو الفُقراء في مُحاضرة له، فتساءل عما إذا تم إحصاء وحصر للآيات التي قالها المسيح عن قضيتين الأولى الخطية والثانية الفقر، ليس عن الأقوال فقط، لكن أيضًا الأعمال التي قام بها تجاه الخطية أو الفقر، فكانت إجابته “نجد أنَّهُ كان يواجه مُشكلتين كبيرتين هُما الخطية والفقر، ونجد أنّ الآيات التي تُعالج مُشكلة الفقر عدديًّا أكثر من الآيات التي تُعالج مُشكلة الخطية.”[9]

وفي كتاب العقائد المشيخية يتحدَّث الكاتب عن الكنيسة المنظورة فيقول إن من خلالها “تتشكل إرسالية الله وخدمته في هذا العالم… وهي تشهد عن محبة الله ونعمته في يسوع المسيح. الكنيسة هي المكان الذي منه تخرُج الخدمة والإرسالية بعمل الروح القُدُس… فنخدم باسم المسيح بكُل ما نفعله بكوننا تلاميذًا لمُعلمنا.”[10]

وإذا كُنا قد قُلنا سابقًا إنّ الكنيسة هي امتداد لوجود المسيح، فيُطرح إذًا نفس تساؤُل الدكتور صموئيل حبيب وهو “لو كان السيد المسيح هُنا؟ ماذا كان يفعل؟” كان المسيح يواجِه مُشكلتين خطية البشر والفقر.[11] مِن ثَمّ فدور الكنيسة لا يقتصر فقط على الكرازة بالكلمة وحسب، إنَّما رؤية الاحتياج ومحاولة استخدام كُل الإمكانيات لتحقيق الإشباع، مع الوضع في الاعتبار جميع فئات المُجتمع، والتعدُّدية، وعدم الانحصار في فئة بعينها على حساب الأخرى، فنحنُ نرى في يسوع مثال ذلك، فكان لا يُفرِّق بين الأديان والأوطان، كُل اهتمامه هو تقديم الرعاية للمنبوذين، فقلب المسيح يسَع الجميع.[12]

تناول المجمع الفاتيكاني الثاني حديثًا عن الكنيسة في العالم اليوم، واختتم بكلمات قوية جدًّا وهي:

“إن الإيمان المسيحي رائعٌ في نظرته إلى الله: إذ نؤمن بأن الكلمة الإلهي أخلى ذاته وأخذ طبيعتنا وأدخلنا إلى حياته. رائعٌ في مسيرة حياة البشر وتطور الحضارة: فالإيمان المسيحي لا يستند إلى طقوس أو مذاهب وإن كان يستخدمها، فقد جاء المسيح ليقيم الإنسان من جديد انطلاقًا من حب الله. الإيمان المسيحي يسكب نور المسيح الإله على الطريق ليحقق الأسرة الإلهية على الأرض. الإيمان المسيحي موقف وليس مظهرًا، إنه مبدأ وسلوك يحرر، فليس الإنسان المسيحي والإيمان والكنيسة في خصومة مع أحد بل تقود خطاه إرادة التغيير في المحبة تحت راية الحوار البنّاء. فقد أقام المسيح حوارًا مع كل من قابله: السامرية، زكا، قيافا وحتى بيلاطس فلنتبع خطوات المسيح ولنسر على نهجه الذي رسمه لنا.”[13]

وهذا ما يُقارب فكر الدكتور القس صموئيل حبيب والذي تم عرضه سابقًا.

ثانيًا: لاهوت العطاء

في فصلٍ كاملٍ، يتحدَّث چون ستوت باستفاضةٍ عن العطاء ومبادئه العشرة، مستندًا في الحديث عن هذه المبادئ العشرة من موقف الرسول بولس، ويُمكن لنا الرؤية بصورة أكثر تخصيصًا لما يتلامس مع التنمية من هذه المبادئ مِثل:

أولًا: العطاء المسيحي هو تعبير عن نعمة الله،[14] فنعمة الله ووجُودها أكبر دليل على إمكانية مُشاركة الآخرين بها، ويجب على الجماعة أن تُعطي حتى وإن لم تَكُن نعمةُ الله ماديةً، لكن يُمكن لها العطاء مِن خلال طاقتنا وأفكارنا.

ثانيًا: العطاء المسيحي مستوحى من صليب المسيح،[15] فالمسيح، بالرغم مِن الألم الذي اجتازه، قدم وأعطى محبة، ليس محبة فقط لكن كذلك صفح وغُفران، فمهما كان الألم الذي تجتاز فيه الكنيسة، إلا أنّ رسالتها عليها أن تستمر في العطاء.

ثالثًا: العطاء المسيحي يسهم في المساواة،[16] فالعطاء يضمن المساواة، ولو بقدر قليل أو في جانبٍ واحد، وهو تسديد احتياج، بذلك يحاول العطاء حل مُشكلة، فوضع غنى البعض بجانب احتياج الآخرين يجعل هناك نوعًا من المساواة.

[1]  http://www.almaany.com/home.php?language=arabic&lang_name=%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A&wor d=%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9 تم الاطلاع عليه في 29/ 4/ 2014.

[2]  صموئيل حبيب، الإنجيل والحضارة دعوة لتجديد الحضارات، (القاهرة: دار الثقافة، 1997)، 21.

[3]  صموئيل حبيب، الكنيسة في مُجتمع مُتطوِّر، (القاهرة: دار الثقافة، 1965)، 152.

[4]  فاضل سيداروس اليسوعي، المُجتمع في ميزان الكنيسة، (القاهرة: دار الجيل للطباعة، 1979)، 20، 29.

[5]  صموئيل حبيب، الكنيسة في مُجتمع مُتطوِّر، مرجع سابق، 152.

[6]  صموئيل حبيب، قراءة جديدة لرسالة الكنيسة، أندريه زكي، الكنيسة والتحوُّلات الاقتصادية والاجتماعية- دراسة في اقتصاد السوق، (القاهرة: دار الثقافة، 1999)، 20.

[7]  أندريه زكي، المسيح والنقد التاريخي- قصة الصراع بين الكرازة والتغيير الاجتماعي، (القاهرة: دار الثقافة، 1996)، 92.

[8]  چون ستوت، الكنيسة- الهروب إلى الله أم من الله؟، (القاهرة: دار الثقافة، 2011)، 55.

[9]  المرجع السابق، 22.

[10]  دونالد كي ماكيم، العقائد المشيخية- شرح مُختصر للأساسيات الإيمانية، (القاهرة: دار الثقافة، 2010)، 136.

[11]  المرجع السابق، 23.

[12]  فاضل سيداروس اليسوعي، مرجع سابق، 29.

[13]  أب لوس جرس، دستور رعوي عن الكنيسة في العالم المعاصر، http://catholicchurch-eg.com/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D 9 %88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D9%8A-%D9%84%D9%84%D9%85% D8%B3%D9%8A%D8%AD%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%A A%D9%85%D8%B9-%D8%A7/ تم الاطلاع عليه في 1/ 5/ 2014.

[14]  چون ستوت، مرجع سابق، 110.

[15]  المرجع السابق، 112.

[16]  المرجع السابق، 114.