مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

لاهوت المحبة في عالم مليء بالحروب

Watch Now

Download

لاهوت المحبة في عالم مليء بالحروب

نستصعب التحدث عن المحبة زمن الحروب؛ إذ نتنفس الهواء المليء بالكراهية. وتصبح الكراهية كلية الحضور، نراها ونسمعها ونتلامس معها في كل نشرة أخبار، وفي نظرات الناس الذين يكشّرون عن أنيابهم لينهشوا لحوم البشر. وتنتشر الكراهية والأنانية وتصبح نهجًا وأيديولوجيات سياسية ودينية. وتنشر الكراهيةُ دينَها بنشر معابدها من خلال نقاط التفتيش والقوانين المجحفة والتطرف الديني والظلم الممنهج والعنف المجتمعي والسياسي. وهكذا يتصارع الإنسان الفلسطيني يوميًّا مع منطق الكراهية ويقف أمام سيولها الجارفة التي تنحت الصخر فكم بالحري قلوب البشر. لا يعفينا هذا الواقعُ من دعوة المحبة التي دعانا الله إليها. العكس هو الصحيح؛ فالحاجة إلى المحبة أكثر إلحاحًا وضرورةً، لكن المحبة كلمة ضبابية في زمن الحروب. فكيف نسبر غورها ونسمع ألحانها رغم ضجة المدافع والدماء التي تصرخ في وجهنا. وما مفهوم المحبة وكيف تتكلم وتبني حضارتَها في زمن الكراهية. سأتحدث في هذا المقال القصير عن ثلاثة أوجه من المحبة كما يراها الإنسان المسيحي الفلسطيني المُلتزم بعلاقة حميمة مع السيد المسيح، رب المحبة والسلام.
أولًا، بسبب تشوه مفهوم المحبة وحصرها بالجنس وبتوجهات إباحية، من الضروري تقديم النعوت الصحيحة لنَصِفَ المحبة التي ترضي الله. ولهذا اخترت أن أحدد المحبة بأنها المحبة العهدية. والمحبة العهدية هي المحبة الوحيدة المقبولة في طيات العهد القديم. ويمكننا الدخول إلى عالم العهد القديم من خلال سفر التثنية. ويشدد هذا السفر على مفهوم العهد وربطه بصورة مباشرة بالمحبة. فيقول: “اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ” (تثنية 6: 4-5). إن المحبة العهدية هي أفضل تعبير عن الولاء لله وأفضل تجسيد لإرادته بين البشر. هي الدافع لطاعته والوسيلة لبناء العلاقة معه ومع خليقته، وهي الهدف من العلاقة. وإذا أردنا أن نلخص ونوجز العدالة التي يطلبها الله وكل قوانين العهد القديم نستطيع القول إن المحبة العهدية هي التعبير الأمثل عن العدالة التي يطلبها الله. فالمحبة العهدية هي الوجه الآخر من العدالة الإلهية، بل هي أشمل وأوسع من العدالة الاجتماعية والسياسية. إنها تعبير عن البر والعلاقة مع الله من منظور الولاء الذي يرضيه والسلوك الذي يطلبه والقلب الذي يسرُّه.
ارتبطت هذه المحبة العهدية بشعبٍ عانى من الظلم. كانوا عبيدًا وإماءً في مصر القديمة. صارعوا مع أنظمة فرعونية ظالمة وصرخوا إلى الرب طالبين التحرير من سلاسل الشر. استجاب الله لصرختهم وواجه الشرَّ الممنهج وقاتَلَ الشر السياسي. لكن الله لم يكتفِ بالتحرير السياسي والاجتماعي؛ فهو يريد البر ويهدف إلى نشر حضارة المحبة. هو يريد أن يحبه الشعب من كل القلب وليس بسبب المنفعة مهما كان نوعها. يريد أن يحبوه بسبب هويته وشخصه وصفاته، ويحترموه ويكرموه كأب ويهابوه من خلال المحبة العهدية. وهو يريد أن تكون محبته المولِّد أو المُحرّك الذي يجعل حياتنا تفيض حبًّا لخليقته. فحبنا لله هو سر حبنا للإنسان الذي خلقه على صورته وكمثاله. وهو سر حبنا لكل إنسان مهما كانت خلفيته وثقافته وشكله ولونه وجنسه. ولهذا من الضروري التشديد على المحبة العهدية في بلاد موبوءة بالشرذمة الطائفية والانقسامات الدينية والمجتمعات المتحاربة والعنصرية والعقليات النخبوية. ويحتاج الإنسان الفلسطيني إلى اعتناق المحبة العهدية ومعانقتها يوميًّا ليستطيع أن يعانق جيرانه وكل إنسان دون كراهية. فمن يحب الله يحب كل إنسان.
ثانيًا، بعد الحديث عن المحبة العهدية من الضروري إكمال رحلتنا في فهم المحبة واكتشاف نعوتها الضرورية؛ فالمحبة ناقصة دون صلتها بالمسيح. ولهذا ندعو المحبة بالمحبة الكريستولوجية. إن المحبة العهدية التي أظهرت براعمها زمن عهود العهد القديم سواء مع آدم أو نوح أو إبراهيم أو موسى أو داود، أو حتى العهد الجديد الذي تحدث عنه النبي إرميا، هي مثل القطار الذي يقودنا إلى المحبة الكريستولوجية. ففي المحبة الكريستولوجية تكتمل المحبة العهدية وتتجسد في ذروتها. ونستطيع القول إن المحبة الكريستولوجية أسمى كمًّا ونوعًا من كل محبةٍ عهديةٍ ظهرت في طيات العهد القديم. ولهذا من الضروري الانتباه لها وجعلها العدسة التي تعيننا في فهم المحبة العهدية. على أي حال، اخترقت المحبة الكريستولوجية حصون الكراهية، فتحدثت عن محبة الأعداء بشكل مذهل وصاعق. ولم يحب المسيح أعداءه بالكلام فحسب، بل مات على الصليب من أجل أعدائه. لم يَمُت ليصالحنا مع الله فحسب، بل مات أيضًا ليصالحنا مع بعضنا بعضًا. لم يَمُت ليُنهي العداوة بين الله والإنسان فحسب، بل مات ليُنهي العداوة بين الإنسان والإنسان، بين اليهودي والأممي. لقد مات على الصليب من أجل أعدائه ولكي يتصالح معهم. ولكن علينا أن ندرك أن المحبة الكريستولوجية لا تعني التخلي عن العدالة؛ فالعكس هو الصحيح. إنها المحبة التي تسعى لتحقيق العدالة من دون انتقام أو كراهية، وحتى عن طريق محبة الأعداء. إنها محبة الصليب الذي تلتقي فيه المحبة مع العدالة. إنها محبة الغفران. إنها المحبة التي تنزف وتضحي ليس من أجل القريب فحسب، بل أيضًا من أجل العدو! ومن المثير للانتباه أن عددًا من الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين ربطوا معاناتهم مع معاناة المسيح. ووصفوا أنفسهم بالمصلوبين ظلمًا ومن أعداء شرسين وظالمين.
لكن هذه الصورة غير مكتملة، لا سيما بعيون المحبة الكريستولوجية. فإن أردنا تبنِّي منطق الصليب فعندئذٍ نرى أن المحبة الكريستولوجية لم تتألم من الأعداء فحسب، بل تألمت أيضًا من أجل الأعداء. لقد قبل الصليب ليفيض بحبه على أعدائه. وكأنه يقول: المسيحي الذي يتألم من أعدائه يستطيع أيضًا أن يتألم من أجل مصلحة أعدائه. فيواجه الشر ويخلق عالمًا من المحبة محاربًا كل أصناف العنصرية والكراهية والانتقام. هذا الحب الكريستولوجي مذهل حقًّا. إنه الحب الذي يستطيع أن يخلق عالمًا جديدًا يخلو من الكراهية. إنه الحب الذي يستطيع أن يمنحنا الأمل والرجاء بولادة علاقات اجتماعية وسياسية تفيض بالعدل النابع من المحبة. المحبة الكريستولوجية تستطيع أن تصنع هذه المعجزة وتشفي بلادًا بأكملها من الكراهية.
ثالثًا، لم تكن خطة الله أن تتحول المحبة إلى بحيرة راكدة، بل أرادها نهرًا يفيض إلى كل العالم. ولهذا يجب أن تكون المحبة محبة إرسالية. وهذه هي المحبة الثالثة من رحلة المحبة؛ فلا يمكن للمحبة أن تكون أنانيةً وحصريةً. ترغب المحبة أن تغزو بلاد الكراهية وتشفيها من أمراضها الكثيرة. وتريد المحبة أن تدخل عالم السياسة وربما تريد أن تحوِّل الاثنوقراطية إلى ديمقراطية أو نظام آخر يخلو من الأنانية وتريد أن تستبدل الأنانية بالرحمة والإنسانية. إن مهمة المحبة الإرسالية أن تخلق عالمًا من العدالة والبر للفلسطيني واليهودي ولكل إنسانٍ مهما كان. ولا نستطيع أن نتمتع بالسلام دون المحبة الإرسالية؛ فهي وحدها تقدر أن تضمن الأمان. السيف لا يضمن الأمان أما محبة الصليب فتستطيع تحقيق المعجزات. ونستطيع أن نتلامس مع المحبة الإرسالية في شخص السيد المسيح عندما ذهب إلى السامرة ليلتقي بالمرأة السامرية. اخترق الحواجز السياسية والدينية والثقافية والجغرافية والجندرية؛ فالمحبة الإرسالية تصنع المعجزات وتحقق السلام رغم تاريخ مليء بالحروب.
إن النعوت التي ذكرناها أعلاه مهمة وضرورية لتشكيل نظرة صحيحة وصحيّة عن المحبة. ولا شك أن التخلي عن هذه النعوت أو مدلولها سيفسح الطريق أمام عالم الكراهية. ونحن المسيحيين مدعوون أن نحمل علم المحبة بنعوتها الثلاثة وأن نواجه الكراهية بمحبة الله والمسيح وقيادة الروح القدس. فنختبر المحبة العهدية والكريستولوجية والإرسالية. ونغير عالمنا المريض إلى عالم يتحقق فيه حلم المحبة والعدالة والسلام. ونتلامس مع حضارة المحبة والمجتمعات التي ترضي الله. ولا يمكننا أن نحب دون أن نواجه عالمنا ونعانق عدونا ونتحاور مع القضايا الشائكة بعقلية المحبة التي في إمكانها أن تقضي على عالم الموت وتحوله إلى عالم القيامة. ومهما بلغت قوة الكراهية فإن النصرة ستكون للمحبة ولها الكلمة الأخيرة.