لماذا الإصلاح الإنجيلي؟
- Sermon By: د.ق وجيه يوسف
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
البابا هو نائب يسوع المسيح، وخليفة بطرس، هو ممسوح من الله، إله فرعون هو وسيط بين الله والناس، هو أدنى من الله، وأعلى من الناس، هو يحاكم الجميع، ولا يُحاكمه أحد. كما جعل الله القمر لحكم الليل، جعل الدولة للحكم على الأجساد؛ ولكن الشمس تعطي النور للقمر، والقمر لا يستقيم في حياته بدون الشمس.
كانت هذه تعاليم أرساها عدد كبير من باباوات الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في العصور الوسطى. تصف هذه التصريحات الباباوات لأنفسهم، ولمكانتهم التي علموا بها آنذاك في البداية، علينا أن نسأل أنفسنا عن معنى التعبير “الإصلاح الإنجيلي” هل هو فعلًا إصلاح إنجيلي، أم بروتستانتي؟ في الحقيقة، وللأسف الشديد، لكلمة “بروتستانتي” سمعة غير طيبة، سمعة سلبية جدًّا في الشرق الأوسط؛ لأنها دائمًا ترتبط في ذهن الناس بالاعتراض، وإن كان في هذا الأمر بعض الحق لكن، لا يمكن أن ننسى أن الأصل اللاتيني للكلمة مشتق من الفعل “يشهد” تأتي هذه الكلمة من الكلمة اللاتينية (protestantes) وهي اسم فاعل يعني “الشاهدون للحق، أو الذين يحملون شهادة علنية للحق” وتعود جذور هذه الكلمة للقرن السادس عشر، وبالتحديد إبان انعقاد مجمع سبير الثاني (Diet of Speyer) الذي انعقد عام 1529م. وقد ناقض هذا المجمع قرارات مجمع سبير الأول الذي انعقد عام 1526م، وكان المجمع الأول قد تسبب، بطريقة أو بأخرى في نشر الفكر الإنجيلي. أما المجمع الثاني فقد عارض هذا الفكر وأدانه جدًّا، وعليه فقد قدم عدد من الأمراء الألمان وثيقة اعتراض ضد قرارات المجمع، مطالبين بأن يتوقف تدخل الحكام في أمور الدين، مؤكدين كذلك على مبادئ إنجيلية أخرى. ومن هذا الحدث التاريخي، جاءت كلمة “بروتستانت” إذن البروتستانت هم من يشهدون عن أمر ما. بالطبع هم اعترضوا على قرارات معينة لكن هم أيضًا شهدوا عن أمر آخر، هم من يشهدون عن حق كتابي علَّمه الكتاب المقدس.
هذه المطالبات التي نادي بها الكثير من الناس سواء من الرهبان أو أستاذة الجامعة قبل لوثر، كلهم طالبوا بالإصلاح لأنهم رأوا في الكنيسة فسادًا. كانوا يرون في الكنيسة انحرافًا كبيرًا عمَّا علَّمه الكتابُ المقدس. كل هذا قاد لليوم المبارك الذي قام فيه الراهب الأوغسطيني لوثر في يوم الأربعاء 31 أكتوبر سنة 1517م بتعليق احتجاجاته الـ95 على باب كنيسة فيتنبرج. ولكن، لماذا في هذا التوقيت بالتحديد؟ آنذاك، وصلت قمة الفساد إلى حد مهول، هاكم بعض الأمثلة:
كانت للملك هنري الرابع، إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة (1056م-1105م) قضية مشهورة مع البابا غريغوريوس السابع (1020م-1085م) بشأن تعيين أحد معارفه (الأسقف تيدالد Tedald) أسقفًا على ميلانو في إيطاليا. وقد سبق وعيّن البابا حرم الملك، والتحريم، آنذاك، له معنى ربما أشمل وأكبر بكثير من المعنى الذي نفهمه اليوم، فكان يشمل منع كل الممارسات الدينية في كل المقاطعة التي تخضع للملك. هذا الأمر جعل الملك يقف عاري القدمين لمدة ثلاثة أيام، طالبًا الغفران من البابا سنة 1077م.
تزداد هذه المشكلة (سلطة الباباوات) تعقيدًا حتى نتذكر بكلمات غريبة جدًّا ويقول: “البابا هو نائب يسوع المسيح، هو وسيط بين الله والناس.” هذا تعبير مقتبس أصلًا من الإنجيل كوصف للمسيح، لكن الباب أخذه واصفًا ذاته! هذه كلمات صادمة لأي مسيحي تقي. فمجد المسيح ومكانته كوسيط لا مثيل له قد انتُزعت وسرقها إنسان واصفًا نفسه بها! قال البابا:
خالق الكون عمل النورين العظيمين في جلد السماء: النور الأكبر (الشمس) لحكم النهار والنور الأصغر (القمر) لحكم الليل بنفس الطريقة عن جَلَد الكنيسة الجامعة التي يقال عنها السماء. عيَّن الله مقامين عظيمين: الأعظم (الكنيسة) لمسؤولية الحكم على الأرواح هؤلاء، كما لو كانوا النهار؛ والأقل (الدولة) لمسؤولية الحكم على الأجساد. هؤلاء كما لو كانوا الليل. هذان المقامان هما السلطان البابوي والقوة الملكية. أكثر من ذلك فإن القمر يستمد نوره من الشمس، وهو في الحقيقة أدنى من الشمس في الحجم والنوع؛ وبنفس الطريقة تستمد القوة الملكية مقامها من السلطة البابوية. (لوريمر، تاريخ الكنيسة. 4: 28- 29).
في نفس التوقيت أراد الملك جون لاكلاند (John Lackland) ملك إنجلترا سنة (1166م-1216م) أن يختار واحدًا من أقربائه أسقفًا على كانتربري، لكن البابا اعترض على هذا التعيين ثم أصدر حرمانًا ضد الملك. وكانت النتيجة أن الملك اضطر أن يسير حافي القدمين. ثم تسبب هذا الحرمان بأن قام بعض الرهبان بجلده وفُرضت عليه ضريبة يدفعها لروما، للبابا.
أما البابا بونيفاس الثامن (1235م-1303م) فقد فرض سلطته بشكل مطلق على كل شيء تقريبًا، وطلب ممن يرغبون في الحصول على الخلاص أن يخضعوا له وقال: “لا بد أن يخضع للبابا كلُّ من يريد الخلاص” (لوريمر، تاريخ الكنيسة، 4: 30) تخيلوا كم كانت هذه التعبيرات صادمة!
استكمالًا للصراع بين الملوك والباباوات، حدثت مشكلة أخرى بسبب الضرائب بين البابا بونيفاس الثامن وملك فرنسا فيليب الرابع (1268م-1314م)؛ إذ طلب الملك من البابا أن يدفع بعض الضرائب. رفض البابا، وأصر على أن السلطة الأولى والأخيرة تكون في يده. على إثر هذا الرفض حدث شيء “غريب” في تاريخ الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في العصور يسمي المؤرخون ما حدث “السبي البابلي” ليس المقصود طبعًا هو السبي البابلي أيام العهد القديم لكن “السبي البابلي” في تاريخ الكنيسة، وهي أن ملك فرنسا أرسل قوةً حاصرت البابا، وقبضت عليه! إذن، أخذ الصراع بُعدًا عسكريًّا، متجاوزًا مسألة الاختلاف في الآراء. ثم ازدادت المشكلة تعقيدًا؛ إذ نقل ملك فرنسا، فيليب الرابع، مقر الباباوية من روما إلى مدينة في جنوب شرق فرنسا اسمها “أفنيو.” ومنذ تلك اللحظة حتى منتصف القرن الخامس عشر، ظلت فرنسا (لمدة سبعين عامًا) هي مكان الكرسي البابوي في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. وبالطبع، فقد كان كل باباوات تلك الفترة من الفرنسيين. في أفنيو شُيِّدت القلاع والقصور بُنِيَت كمقرٍّ للبابوية. ونعرف من شهادة التاريخ كيف اهتم الباباوات الفرنسيون بتشييد هذه الأماكن الفخمة.
ولكن، ولأسباب سياسية، تم في روما انتخاب بابا (غير فرنسي) معاصر للبابا الفرنسي. اسم الأول أوربان السادس (1318م-1389م)، صار أوربان بابا عام 1378م، وحتى وفاته عام 1389م. وقد حدث بين البابا الجديد وبين ثلاثة عشر من الكرادلة الفرنسيين بعض المشاكل، فتركوا روما وذهبوا إلى مدينة “أناجني” في إيطاليا، وهناك أعلنوا عدم شرعية انتخاب البابا أوربان السادس. وقاموا، يوم 20 سبتمبر 1378م، بانتخاب الكاردينال الفرنسي “روبرت الذي من جنيف” بابا. وصار اسمه: البابا أكليمندس السابع (1342م-1394م). إذن، نحن الآن أمام كنيسة واحدة لها ليس بابا واحد، لكن ثلاثة باباوات في نفس الوقت!
حريٌّ بنا أن نلتفت إلى قضية أخرى أظهرت فيها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية بُعدها التام، آنذاك، عن إنجيل المسيح، ألا وهي قضية صكوك الغفران؛ إذ وصل فساد الكنيسة الكاثوليكية المالي في العصور الوسطى إلى حدٍّ منقطع النظير. وقدم باباوات الكنيسة الرومانية الكاثوليكية “اختراع” صكوك الغفران. الصكوك هي شهادة يشتريها الشخص بالمال، ليسحب من رصيد القديسين الذين قاموا بأعمال تفوق ما يحتاجون إليه. تُستخدم هذه الأرصدة لبركة المُشتَرِي. علَّمت الكنيسة بأن كفارة المسيح تكفي بكمياتٍ أوفر بكثير جدًّا من كل خطايا البشر، كما أن عددًا كبيرًا من القديسين عملوا برًّا زائدًا عما كانوا يحتاجونه هم أنفسهم وهناك فائض الفائض يمكن أن يُباع ويُستخدم لبركة أعضاء الكنيسة. كانت الصكوك مصدرًا مهمًّا للدخل بشكل عام. ومن يشتري من هذه الأرصدة يتجنب عقوبة الخطية. يجب أن نلاحظ أن الصكوك لم تكن تكفر عن الخطية، لكن كانت تجنِّب الإنسان دفع عقوبة الخطية على الأرض أو في المطهر، وكان طبيعيًّا أن يسحب المشترون من هذه الأرصدة لمن هم ليسوا أحياء، للذين هم قابعون في المطهر! من المعروف أن الباباوات هم شخصيًّا من يمنحون تصريح ببيع صكوك الغفران. وهذا معناه أن الشخص الذي صرح له البابا بأن يبيع صكوك الغفران سوف يُرجع نسبة معينة للبابا الذي أعطاه التصريح، في المقام الأول. إذن، حتى البابا نفسه كان يحصد من هذه الغنائم المالية. لقد كانت صكوك الغفران من أكبر الأمور التي جعلت لوثر يفعل ما فعله في هذا الأربعاء المبارك، يوم 31 أكتوبر 1517م.
المبادئ الخمسة للفكر البروتستانتي، المعروفة بالـ (Five Solas): الكتاب المقدس وحده، المسيح وحده، بالنعمة وحدها، بالإيمان وحده، لمجد الله وحده. هذه المبادئ تلخص أساسيات الإيمان الإنجيلي، بل قُلْ أساسيات الإيمان الكتابيّ كله. فلا أساس لكنيسة، راسخ يُعتَمَد عليه كدستور للإيمان والأعمال، غير كلمة الله الموحى بها، والمعصومة؛ ولا مركز للكنيسة غير المسيح، الذي هو حجر الزاوية، الألف والياء، البداية والنهاية؛ والخلاص من الخطية لا يتأتى بسبب مجهودٍ فرديٍّ، ولا عملٍ خيريٍّ، بل يناله الخطاة بنعمة الله الغافرة فقط؛ عن طريق الإيمان وحده الذي هو وسيلة استقبال هذه النعمة، فالأعمال لا تُخلِّص، لكنها تُستعلن في حياة المُخلَّصين؛ والكل يجب أن يزول في مجمله وتفاصيله لمجد الله وحده. هذا إيماننا.
الإصلاح: ماضٍ ومستقبلٌ، الهويّة الإنجيليّة في المشرق العربيّ
قال القديس الشمال-الأفريقي ترتليانوس (160م– 220؟م) “What has Athens to do with Jerusalem?”. “ما علاقة أثينا بأورشليم؟” وكان يعبِّر بسؤاله هذا عن استنكارٍ استفزَّ ضميرَه عن علاقة الفلسفة اليونانية بتراث المسيحيَّة الكتابي؟ إنه لا يرى توافقًا أو انسجامًا بين السياق الفلسفي اليوناني وقرينة الكنيسة في أورشليم/ القدس.
منذ أن وصل البروتستانت (وسأستخدم تعبير “الإنجيليون” فيما يلي لسبب التشويه الذي سبَّبه كثير من الشرقيين من معارضي الفكر البروتستانتي عبر التاريخ) منذ أن وطئت أقدام الإنجيليين بلادَنا في القرن التاسع عشر للميلاد (بالتحديد عام 1854م). ويسألُ بنو المشرق نفس السؤال الذي سبق وطرحه ترتليانوس: “ما للإنجيليين بالمشرق العربي؟” المشرق العربيّ، مثله كمثل بقية بلدان المشرق، أرثوذكسي، فما الذي يجعل الغربيين الأسكتلنديين أو الأمريكيين، يأتون لتأسيس كنائس “جديدة” في بلاد كانت يومًا معقلًا للفكر الأرثوذكسي؟ ألا يمثل وجودهم في المشرق العربيّ شرخًا آخر في جسد الكنائس الأرثوذكسية، كما فعل وصول الكاثوليك ورهبانيتاهم المختلفة مع نفس الكنيسة؟ هذه التساؤلات، وإن بدت غير معقولة عند الإنجيليين، لكنها قضايا مشروعة عند الأرثوذكس.
وما زاد الطين بلة، والأمر سوءًا وتعقيدًا، هو الحكم الذي أطلقه كثير (إن لم يكن معظم) الإنجيليين على الكنائس الأرثوذكسية القائل بضرورة “تجديد” هؤلاء المسيحيين “التقليديين” الذين هم في حكم الإنجيليين بعيدون عن حظيرة الإيمان، أو هم على أفضل تقدير “منحرفون” عن الإيمان القويم. لقد تسبَّب هذا الحكمُ غير المنصف لعمل روح الله في المشرق منذ يوم الخمسين، والمجحف لدور وأمانة الكنائس الشرقية عبر قرون طويلة، في صراعات كثيرة بين الأرثوذكس، وغيرهم من جانب وبين الإنجيليين من جانب آخر. ولا ينكر عاقلٌ عظيم الأثر الذي تركته هذه الصراعات في إضعاف جسد المسيح، بشكل عام، في المشرق أيضًا، ألا نعتبر حركة “الانبثاق غير المنتهية” للمذاهب الإنجيليّة إضعافًا أكثر لجسد المسيح في الشرق؟ فإلى جوار الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية، يحتضن المشرق العربيّ، منذ مطلع القرن التاسع عشر، مذاهب إنجيلية متعددة، إذ يجد المرء المصلحين واللوثريين والأسقفيين وتقريبًا كل مذاهب حركة تجديدية المعمودية، الأنابايتستس.
عودٌ على بدء، ما للإنجيليين الغربيين بالمشرق العربيّ؟ ما لجنيف ببيروت؟ وما لألمانيا بمصر؟ تطرح هذه التساؤلات أمامنا تحدياتٍ عديدةً، كإنجيليين. هذه التحديات هي في الواقع محدِّدة للهوية والسؤال المحوري في هذا المضمار يختص بتعريف الهوية الإنجيليّة في المشرق العربيّ؟ هل فعلًا نحن غرباء، نتمسح بالمشرق العربيّ؟ هل نحن نبتة غريبة في أرض المشرق؟ والسؤال الآخر المهم يتعلق بعروبة الإنجيليين. هل الإنجيليون “المشرقيون” ينتمون للبيئة العربيّة؟
تتحدد هوية الإنجيليين المشرقيين بالنظر إلى مكانهم وزمانهم. فلا يجب أبدًا الوقوف عند تاريخ وإسهامات المشرقيين الإنجيليين دون أن نقيم مكانتهم هنا والآن أحاول أن أناقش في هذه الورقة القصيرة علاقة الإنجيليين العرب بسياقهم المسيحي التاريخي وبيئتهم العربيّة الإسلامية.
المشرقيون الإنجيليون ومسألة التراث المسيحي
يؤكد الفكر الإنجيلي أنه منذ انطلاق شرارة الإصلاح لم يخترع مسيحيةً جديدةً، ولم يَقُم بثورة ضد الكنيسة التي يتأسس لاهوتها على فكر الآباء، الذي يتماشى مع تعاليم الإنجيل، وقد أكد لوثر مرة: “يلزم على العالم كله أن يعترف أن الإنجيل الذي بين أيدينا هو نفس الإنجيل الذي كان عند الرسل الأطهار، بنفس نقائه وأصالته.” أيضًا يشدد: “إننا لا نعلِّم شيئًا جديدًا. بل نعلِّم نفس ذلك التعليم القديم، الذي علَّم به الرسل الأطهار ومعلمو الكنيسة قبلنا.” ومع أن موقف يوحنا كالفن من آباء الكنيسة (باستثناء أوغسطينوس 354م-430م) كان نموذجًا على اختلاف مهم في الرأي بشأن قضية حرية الإرادة بين المصلح وبين تراث الآباء. ولكن مثله في ذلك مثل لوثر، فقد أكد كالفن على أن ما يقدمه المصلحون ليس ابتداعًا جديدًا، بل البدعة الجديدة هي ما أتت به الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، منافية بذلك شهادة الآباء، وبالتالي، فالذي ابتعد عن فكر الكنيسة الأولى هو الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. كل هذه التأكيدات وغيرها من شهادات المصلحين الإنجيليين يجب أن تكون نصب أعيينا، في معرض حديثنا عن هويتنا التاريخية وعن كياننا كجزء أصيل من جسد المسيح، لا في المشرق العربيّ فحسب، بل في كل العالم إننا كنيسة آبائية، لا فئة مبتدعة.


