ما دلالة خروج دم وماء؟
- Sermon By: ق. أمير إسحق
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
نحن هنا أمام آخر مشهد عن جسد المسيح قبل دفنه في القبر، وشهادة يوحنا بخروج دم وماء (مقدمًا الدم على الماء بحسب إنجيله)، وماء ودم (مقدمًا الماء على الدم بحسب رسالته الأولى) فما دلالة كل من الصيغتيْن؟
في قصة صلْب وموت المسيح يؤكد مرقس على تعجب بيلاطس عند سماعه نبأ موت المسيح سريعًا: “فَتَعَجَّبَ بِيلاَطُسُ أَنَّهُ مَاتَ كَذَا سَرِيعًا. فَدَعَا قَائِدَ الْمِئَةِ وَسَأَلَهُ: «هَلْ لَهُ زَمَانٌ قَدْ مَاتَ؟»” (مرقس 15: 44). ولم يسمح بإنزال جسد يسوع من على الصليب، ليدفنه يوسف الرامي، إلا بعد أن تأكد من واقعة الموت، بسؤال قائد المئة. لم تكن ظاهرة موت مصلوب غريبة على الجنود الرومان، فهذا أمرٌ مألوفٌ بالنسبة لهم. كانت عادة الرومان أن يتركوا أجساد المصلوبين معلقة على الصلبان حتى يموتوا على مهلٍ، فتنتن جثثهم وتصير مأكلًا للطيور الجارحة والحيوانات المفترسة. أما الشريعة اليهودية فقد قضت بأن ترفع أجساد المصلوبين عن الصلبان قبل حلول يوم السبت المقدس، حتى لا تحل بأرضهم المقدسة لعنة الجثث المصلوبة، لأنها تنجس الأرض بحسب (تثنية 21: 22-23).
كان ذلك السبت “عظيمًا“، لأنه ليس سبتًا أسبوعيًّا عاديًّا، بل سبت الفصح، أعظم سبوت السنة. أما الرومان فلم يبالوا كثيرًا بشرائع اليهود، لولا أنهم ألحوا على بيلاطس بأن تكسر سيقان المصلوبين قبل أن يحل ذلك السبت؛ لأن شمس يوم الجمعة قد آذنت بالغروب. لم يكن السبب هو غيرتهم في تقديس السبت، بل حقدهم على يسوع، وتأكيدًا لموته. فسألوا بيلاطس أن يتخذ وسيلةً سريعةً لإماتة المصلوبين الثلاثة، بأن تُكسر سيقانهم، مما ينتج عنه اختناقهم وتصفية أجسامهم من الدم، فتحدث الوفاة سريعًا.
الطعنة
جاءت فرقة من الجنود الرومان الخبراء المتخصصين في فحص المصلوبين؛ حيث كان بمقدورهم أن يميزوا بوضوح المصلوب الميت. فكسروا سيقان المصلوبيْن الآخريْن اللذيْن مع يسوع. ولما أتوا إلى يسوع، وجدوا أنه قد مات. فتقدم أحد الجنود، لتأكيد أنه مات فعلًا، وليس في حالة إغماء أو ادِّعاء، وطعن جنبه بحربته. وكأنه قال في نفسه: “إنْ لم يكن قد مات فعلًا، فطعْن جنبه هكذا كافٍ أن يذهب ببقية حياته”. ونستدل من (يوحنا 20: 27) أن تلك الطعنة قد أحدثت جرحًا عميقًا واسعًا في جنب يسوع، يكفي لوضع يدٍ. إذ قال لتوما: “هات يدك وضعها في جنبي”. كما نستدل أن الحربة قد نفذت بين ضلوعه وبلغت جدار قلبه.
هنا يشهد يوحنا، بشكلٍ لا مثيل له في روايات الإنجيل، أنه قد شاهد بعينيه خروج “دم وماء” من جنب جسد يسوع (الآيتان 34-35)، مقدِّمًا الدم على الماء. ويؤكد ويشدد أنه يقدم الحق لكي نؤمن به! فأي حق يقصد؟ هل هو موت المسيح؟ هذا الأمر لم يكن بحاجةٍ إلى شهادةٍ من يوحنا، لأن الحراس أنفسهم شهدوا بذلك. وهل الإيمان الذى يطلبه منا هو أن نؤمن بموت المسيح؟ هذا وضعٌ لا يحتاج إلى إيمان؛ لأنه النهاية الطبيعية لكل مصلوبٍ. فما هو وجْه العجب الذي رآه يوحنا في ذلك الحدث، حتى أنه يؤكده ويشدد عليه بكل تلك القوة؟ وما الأسباب التي دفعته لذكر ذلك؟ هل مجرد الدقة التاريخية، أمْ تقديم برهانٍ على حقيقة موت المسيح، التي كانت مثار شك في الأزمنة المبكرة؟ وهل هناك علاقة بين ما كتبه يوحنا في الإنجيل عن رؤيته دمًا وماءً خرجا من جنب المسيح المطعون، وبين ما قاله عن يسوع في رسالته الأولى أنه “أتى بماءٍ ودم”، مقدمًا الماء على الدم؟
سبب الوفاة على الصليب
سجَّل يوحنا بأمانة وبكل دقة، كشاهد عيان، السبب الفسيولوجي لموت يسوع على الصليب. لم يمت بسبب إنهاك جسده على الصليب، ولا بسبب الآلام التي اجتازها قبل الصلب. بل بسبب حزنه الشديد الذي أدى إلى انفجار جدار قلبه. كان من الثابت نشاطه العقلي والجسدي أثناء مراحل الصلْب، بما لا يدع مجالًا للشك أن موته لم يكن نتيجة نفاد قوته الجسدية. فجاءت طعنة الجندي الروماني بالحربة في جنبه، لتعلن للعالم أن سبب الوفاة هو انفجار جدار القلب. إن الدماء التى سالت من جنبه لم تكن دماء محبوسة ومخزونة داخل جسمه، ظلت هكذا إلى أن وجدت لها منفذًا فخرجت منه بشكلٍ طبيعي. فمن المعروف طبيًّا أن أي شخصٍ عند وفاته يبدأ التحلل والفساد يصيب جسده، وخلايا الدم هي أول الخلايا التى يصيبها الفساد بعد الوفاة مباشرةً. لذلك، يعبر عن الموت بالقول “سفْك الدم”.
من الناحية الفسيولوجية، لتفسير هذه الواقعة، فإن الدم الذي خرج من جراء طعنة حربة الجندي، لا بد أنه كان متجمعًا خارج القلب، قبل أن تفتح الحربة جنب يسوع. لأن هذا هو الوضع الوحيد الذي يجعل من الممكن خروج الدم والماء، كما جاء في شهادة يوحنا. هي ظاهرةٌ عجيبةٌ لم يستطع يوحنا أن يفسرها، لكنه قدم لنا مفتاحًا أكيدًا لمعرفة السبب الحقيقي لموت المخلِّص.
يوضح أحد علماء التشريح أن موت المسيح لم يكن بسبب آثار الصلب، بل نتيجة تمزق القلب أو انفجاره بسبب الأسى العميق والإجهاد النفسي الرهيب الذي تعرض له. كانت معاناة أي مصلوبٍ تستمر عادةً وقتًا طويلًا (24-28 ساعة) قبل أن تحدث الوفاة. فليس هناك سببٌ جسماني يبرر موت المسيح السريع على الصليب؛ حيث أنه مات بعد ست ساعاتٍ فقط من صلبه. فالموت الناتج عن انفجار وتمزق القلب يحدث نتيجة المعاناة النفسية الشديدة، وهو ما حدث سريعًا للمسيح وهو على الصليب.
هنا تحقق القول النبوي: “الْعَارُ قَدْ كَسَرَ قَلْبِي” (مزمور 69: 20)، و”أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ” (إشعياء 53: 10). فالدم الذي يسري، بسبب تمزق وانفجار القلب، إلى غشاء التامور المحيط بالقلب، سرعان ما يتخثر مكونًا جلطة دموية، وينفصل المصْل عنه السائل “الماء”. لقد نفذت الحربة من بين أضلع صدر يسوع من أسفل إلى أعلى، حتى وصلت إلى جدار قلبه، فمزقت غشاء التامور، وأدت إلى إطلاق التجمع الدموي من داخل غشاء القلب. فكانت تلك الطعنة القاسية بمثابة عملية تشريح للجثة لمعرفة سبب الوفاة، الذي من دونه لا يمكن تحديد السبب الحقيقي للوفاة.
لقد تدفق الدم والمصْل السائل من الجرح الذي أحدثته الطعنة. أما الصرخة العالية التي ذكرتها الأناجيل الثلاثة الأولى: “فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ” (متى 27: 50، مرقس 15: 37، لوقا 23: 46)، والتي سبقت موته الفعلي، فهي علامة مميزة لحالات انفجار وانكسار وتمزق القلب. إن الوفاة في مثل هذه الحالة، تسبقها مباشرةً صرخةٌ مدويةٌ قويةٌ. هذا التفسير يعطينا بالتأكيد فرصةً عظيمةً أن ندرك عمق معاناة المسيح النفسية لأجلنا، لقد بلغت آلامه النفسية حدًّا حتى انفجر قلبه، بسبب تحمله لعنة الخطية، وهو القدوس البار، وهكذا تمَّم الفداء وقدَّمه للبشرية كلها.
يقول علماء التشريح أيضًا إن الوفاة يمكن أن تحدث بتمدد في الأوعية الدموية التي تحمل الدم من القلب لتوزعه على خلايا الجسم، تحت ضغط ضخ القلب. لهذه الأوعية خاصية المرونة، فتتمدد وتتقلص حسب قوة ضغط ضخ القلب للدم. لكن، إذا حدث ارتفاع في ضغط الدم لفترات طويلة، وصاحبه ارتفاع في الكولسترول، وعوامل أخرى، يحدث تمدد غير قابل للتقلص في أحد أجزاء الشريان الأورطي، الذي يأخذ الدم مباشرة من القلب، بحيث ينتفخ ويصبح مثل البالون. ومع مرور الوقت، يزداد ضعف هذا البالون، مما يؤدي إلى الانفجار المفاجئ في جدار القلب. هذا الانفجار عبارة عن تشقق يحدث في جدار الشريان الأورطي. وعندها يتدفق الدم من الشريان الأورطي نحو الصدر، ويؤدي هذا النزيف الشديد إلى حدوث الوفاة.
دم وماء
إن خروج “دم وماء” بسبب طعنةٍ في جسدٍ ميت ظاهرة غير طبيعية، الأمر الذي جعل يوحنا يؤكد صحته بقوة. أما الملاحظات المتكررة التي أجريت على الإنسان والحيوان، فقد دلت على بعض النتائج المهمة؛ فعند طعن الجانب الأيسر من الجسد، بعد الوفاة، بسكين كبيرة تساوي تلك الحربة، فقد سجلت النتائج التالية:
(تخرج قطرات قليلة من الدم المحبوس، ذلك ما يحدث في أغلب الحالات؛ يتدفق سيلٌ من الدم فقط من الجرح، وهو ما يحدث في حالات الموت غرقًا أو نتيجة التسمم؛ يتدفق ماءٌ فقط، تتبعه قطرات قليلة من الدم، في حالة انفجار القلب أو التهاب غشاء التامور؛ سيلٌ غزيرٌ من الماء يتبعه سيلٌ غزيرٌ من الدم من الجرح، وذلك في حالة المصلوب الذي كان مصابًا قبل صلبه بالتهاب رئوي أدى إلى احتقان الرئتيْن بالدم، كما في حالة الغرق أو التسمم؛ سيلٌ غزيرٌ من الدم يتبعه سيلٌ غزيرٌ من الماء من الجرح، وذلك نتيجة انفجار قلب المصلوب). النتيجة الأخيرة هي الحالة التي يصف بها يوحنا ما رآه بعد موت يسوع وهو على الصليب. لقد تدفق دمٌ ثم ماءٌ، وليس العكس. فلو كان المسيح حيًّا عندما طُعن جنبه بالحربة، لخرجت دفقات غزيرة من الدم فقط، مع كل نبضة في قلبه.
رأى بعض العلماء أن كلام يوحنا عن مشهد الدم والماء كلامٌ محوريٌّ. فرغم أن خروج دم من الجسم بعد الموت يُعد أمرًا غريبًا، ورغم أنها تبدو للوهلة الأولى ملاحظةً لا أهمية لها، إلا أنها عبارةٌ محوريةٌ في المقطع كله، فهذا ما حدث بالفعل. وبذلك أراد يوحنا أن يرد على افتراءات اليهود وغيرهم مؤكدًا أن المسيح مات فعلًا. وليقول للمؤمنين إنهم يعيشون في ظل فصحٍ جديدٍ منذ سال من جنب يسوع ينبوعان يعطيان الحياة: ينبوع المعمودية (الماء)، وينبوع العشاء الرباني (الدم). لذلك، نلاحظ أنه بدأ إنجيله بطريقة عملية باعتراف المعمدان أن يسوع هو حمل الله، وعمَّده في الماء (1: 29، 36). وانتهى بخبر موت يسوع، حمل الفصح الحقيقي الذي يحتفلون به في العشاء الرباني (الدم). لذلك، شدد على حدث الدم والماء بصورة واضحة كشاهد عيان، لأهمية ذلك الحدث، وما يحمله من مفهومٍ عميقٍ في حياة الكنيسة.
ماء ودم
هل هناك علاقة مباشرة بين ما شاهده يوحنا ورواه في إنجيله، وما كتبه في رسالته (1يوحنا 5: 6-7)؟ يقول الكتاب إنه “بدون سفك دمٍ لم تحصل مغفرةٌ”، ولا شك في أن الدم الذي سُفك من يديه ورجليه ورأسه، لا يقاس بالدم الذي انسكب من قلبه نتيجة انفجار جداره. لذلك قال يوحنا عنه: “هذَا هُوَ الَّذِي أَتَى بِمَاءٍ وَدَمٍ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ. لاَ بِالْمَاءِ فَقَطْ، بَلْ بِالْمَاءِ وَالدَّمِ” (1يوحنا 5: 6). فما هو الدم والماء اللذان أتى بهما يسوع؟ لقد سببت هذه الآية إرباكًا شديدًا بين المفسرين، وقد قدمت ثلاثة تفسيرات رئيسة لهذه الآية:
الأول: الماء والدم هنا إشارة إلى سرَّي العهد الجديد: سر المعمودية الذي فيه يبدأ المسيحي حياته المسيحية وشهادته العلنية؛ وسر العشاء الرباني، الذي ينمو فيه المسيحي في الشركة والشهادة. وقد أيد مارتن لوثر وجون كلفن هذا الرأي. لكن، إذا كان الماء رمزًا يشير إلى المعمودية، فإن الدم سيكون رمزًا جديدًا للإشارة إلى العشاء الرباني لم يسبق استخدامه. هذا فضلًا عن أن موضوع يوحنا في رسالته الأولى ليس عمل المسيح الحالي، بل كان يتكلم عن مجيء المسيح الأول التاريخي، وما ارتبط به من شهاداتٍ.
الثاني: هناك علاقة بين قولَي يوحنا، الأول عن طعْن المسيح بحربة في جنبه، وخروج دم وماء، وهو ما سجله في إنجيله، وبين قوله في رسالته عن أن المسيح أتى بماء ودم، كلاهما مرتبط بالشهادة. لكننا لا نستطيع أن نقول إن يسوع “أتى” بماء ودم في ذلك الحدث، أو جاء بواسطتهما وعن طريقهما. لأن الواقع التاريخي أنهما خرجا من جنبه. وليس هناك تطابق بين الفقرتيْن بخصوص الشهادة. فيوحنا في إنجيله هو الذي يشهد لها، وفي الرسالة هي التي تشهد للمسيح.
الثالث: إن الماء يشير إلى معمودية يسوع، التي أعلن الله الآب بواسطتها شهادته عن ابنه الحبيب الذي به سُرَّ، وبعدها بدأ المسيح إرساليته وتزوَّد بالقوة الإلهية لأجل تلك الإرسالية. أما الدم فيشير إلى موته الذي ختم به تلك الإرسالية وتوَّجها، حيث شهد له الآب أيضًا بقبول موته من خلال الأحداث الطبيعية التي رافقت موته على الصليب. وهكذا استخدمت الكنيسة الأولى تلك الرموز اللفظية “الدم والماء” للتعبير عن هذه الحقائق اللاهوتية. وهذا هو الرأي الأرجح، بحسب وجهة نظرنا.
فبينما قدم يوحنا الدم على الماء في إنجيله؛ لأن الدم أثقل من الماء فسال أولًا، قدم في رسالته الماء على الدم، ليشير إلى زمن تجسد المسيح الذي بدأ بمعموديته وانتهى بسفك دمه، من جانبٍ، وليشير إلى حياة المؤمنين التي تبدأ بإشهار الإيمان في المعمودية، وتستمر في الشركة مع المسيح ومع المؤمنين، والشهادة للمسيح، من خلال ممارسة العشاء الرباني، من جانبٍ آخر.
قد نتعجب من تشديده في القول: “هذَا هُوَ الَّذِي أَتَى بِمَاءٍ وَدَمٍ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ. لاَ بِالْمَاءِ فَقَطْ، بَلْ بِالْمَاءِ وَالدَّمِ” (1يوحنا 5: 6). كانت أمام يوحنا هرطقة تقول إن يسوع الإنسان يختلف عن المسيح؛ فالمسيح حل على يسوع عند معموديته في الماء، وظل معه في تعاليمه ومعجزاته، لكنه فارقه عندما مات على الصليب وسالت دماه. وهم بذلك يرفضون الطريقة التي دخل بها المسيح إلى العالم، أيْ ميلاده العذراوي المعجزي. ويرفضون أيضًا الطريقة التي خرج بها جسده من العالم، أيْ قيامته من الأموات. لذلك، شدد يوحنا، في تعليمه المؤمنين، على أن يسوع هو المسيح ابن الله، وقد بدأ إرساليته منذ معموديته بالماء، حيث شهد له الآب، وختمها وتوَّجها بموته على الصليب. فليس بالماء فقط، بل بالماء ثم الدم أيضًا، الذي شهد له الآب أيضًا من السماء، بما حدث في الطبيعة.


