مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

مريم العذراء من هي؟

Watch Now

Download

مريم العذراء من هي؟

هي فتاة يهودية من بلدة الناصرة (لو 1: 26)، وهي بلدة صغيرة مكتظة بالسكان، ويقال إن سكانها تراوح عددهم وقتئذٍ ما بين 15-20 ألف نسمة. هذه القرية المنعزلة تقعُ في القسم الجنوبي من مقاطعة الجليل، ولا ذِكر لها مطلقًا، لا في العهد القديم، ولا العهد الجديد، ولا التلمود، ولا الأسفار الأبوكريفية، ولا كتابات المؤرخين اليهود، أمثال يوسيفوس، ولا الوثائق الأشورية أو البابلية أو المصرية القديمة؛ أي أنها بلدة بلا أهمية تاريخيَّةٌ أو نبويَّةٌ.

ويبدو أنها كانت بلدةً سيئة السمعة ومُحتَقَرةً للدرجة التي جعلت نثنائيل يقول: “أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟” (يو1: 46) مع أن نثنائيل نفسه من قانا الجليل (يو 21: 2)، والناصرة جليليةٌ أيضًا، إلا أن الجليليين أنفسهم كانوا يحتقرون أهل الناصرة مع أنهم (الجليليون) كانوا مُحتقرين من أهل اليهودية. وفي سفر الأعمال يشير بعضُهم بازدراء إلى المسيحيين بالقول إنهم “شِيعَة النَّاصِرِيِّينَ” (أع 24: 5). ويُعتَبَر سكانُها خليطًا من الأمم واليهود، ولهم لهجتهم الخاصة (متى 26: 72) مثلما قيل عن لهجة بطرس الجليلية “لغتك تظهرك”.

وذُكِرت الناصرة للمرة الأولى في العهد الجديد في (لو 1: 26)؛ حيث كان يعيش يوسف ومريم، وبسبب الاكتتاب الذي أمر به أوغسطس قيصر، ذهب يوسف ومريم إلى موطنِهما الأصلي في بيت لحم؛ حيث وضعت وليدَها (لو 2: 1-7). وبعد عودتهما من مصر ذهبوا -يوسف ومريم والرب يسوع- إلى الناصرة ليسكنوا هناك، وفي الناصرة قضى الربُّ يسوع صباه (لو 2: 39، 40، 51، 4: 16) و(متى 2: 23).

وبعد أن أُسلِم يوحنا المعمدان، ترك الربُّ يسوعُ الناصرةَ، وسكن في كفر ناحوم (متى 4: 13). ومع أن الرب يسوع كان يُدعَى ناصريًّا، فإنه لم يذهب للناصرة -بعد أن غادرَها إلى كفر ناحوم- إلا مرة واحدة حين دخل المجمع في يوم السبت وقرأ من نبوة إشعياء (لو 4: 16-30).

 

الأصل والنسب والعائلة

يعتقد الكثيرون أن مريم العذراء هي أحد المصادر التي اعتمد عليها لوقا الطبيب في كتابة إنجيله، ومن جهة أخرى، يُعتبر لوقا أكثر البشيرين تدوينًا لأحداث ومواقف تخص مريم. فالفرق بين سلسلتي النسب المذكورتين في متى 1 ولوقا 3: 23-38 هو أن سلسلة النسب الأولى تخص يوسف، بينما الأخيرة تخص مريم، وبوضع السلسلتين بجانب بعضهما نجد أن النسب الملوكي للمسيح قد مر من خلال أبي يسوع من منظور القانون، أما انتماؤه الجسدي إلى داود فقد حصل من خلال نسب مريم، مع ملاحظة أن سلسلة لوقا -بخلاف متى- لا تحوي سلسلة نسب المسيح التي ذكرها على أية امرأة حتى مريم نفسها.

ولا يذكر العهدُ الجديد شيئًا عن أبيها أو أمها ولا أقربائها سوى أليصابات نسيبتها، أم يوحنا المعمدان (لو 1: 36)، بالإضافة إلى أختها ” وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ” (يو 19: 25)، ويشير هذا النص إلى أن أختها اسمها مريم، ولكن تأتي هذه الآية في ترجمة الحياة كالتالي: “وَهُنَاكَ، عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، وَقَفَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا؛ وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ”.

وبمقارنة (يو 19: 25، مر 15: 40، مت 27: 56)، يمكن أن نستنتج أن أختها هي سالومه أم ابني زبدي وليست مريم أخرى، أي أن يعقوب ويوحنا ابنا خالة الرب يسوع. (مر 15: 40): ” وَكَانَتْ أَيْضًا نِسَاءٌ يَنْظُرْنَ مِنْ بَعِيدٍ، بَيْنَهُنَّ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ، وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ الصَّغِيرِ وَيُوسِي، وَسَالُومَةُ”، (متى 27: 56): “وَبَيْنَهُنَّ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ، وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَيُوسِي، وَأُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي”. أي أن البعض يظن أن سالومة زوجة زبدي أم يعقوب ويوحنا هي أخت مريم العذراء، والبعض الآخر يرى أن أختها هي مريم، زوجة كلوبا، ولكنه أمرٌ مُستَبعَد أن تُسمَّى أختان باسم واحد.

ولأن نسيبتها أليصابات كانت من بنات هارون (لو 1: 5)، مما جعل البعض يقول إن مريم أيضا كانت من سبط لاوي، ولكن هناك اتفاقًا على أنها من نسل داود؛ لأن مريم ويوسف كانا من بيت داود (لو 2: 4).

ويذكر بعض المؤرخين مثل أبيفانوس وكذلك إنجيل يعقوب، (كتاب أبوكريفي) أن والديهما (مريم ويوسف)، هما يواقيم من الناصرة، وحنة من بيت لحم. ولكن الملفت للنظر أنه عند الصليب أوصى المسيح يوحنا لكي يهتم بأمه ويرعاها من بعده، هل لأنه لم يكن لها عائل يهتم بها؟ أم لأنه استأمن يوحنا أكثر من غيره؟

وآخر موقف نتقابل فيه مع العذراء مريم هو في اجتماع العلية وسط التلاميذ بعد صعود المسيح مباشرةً “وَلَمَّا دَخَلُوا صَعِدُوا إِلَى الْعِلِّيَّةِ الَّتِي كَانُوا يُقِيمُونَ فِيهَا: بُطْرُسُ وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا وَأَنْدَرَاوُسُ… هؤُلاَءِ كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلاَةِ وَالطِّلْبَةِ، مَعَ النِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ” (أع 1: 13- 14).  

وإجمالًا، تنتمي العذراء مريم لأسرةٍ متواضعةٍ، لم تستطِع أن تقدم إلا تقدمة الفقراء وهي فرخي/ زوج حمام (لو 2: 22- 24)، وهي ذبيحة الفقراء الذين لا يملكون تقديم شاه (اللاويين 12: 2- 8). وهي أيضًا فتاة ريفية تحمل ملامح شرقية خالصة، نشأت في بيئة زراعية، تحمل عقلًا فَطِنًا وذهنًا صاحيًا؛ فالكتاب يذكر مرتين في إنجيل لوقا دلالة هذا الوعي “وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا” (لو 2: 19)، وفي (لو 2: 51): “ثُمَّ نَزَلَ مَعَهُمَا وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ وَكَانَ خَاضِعًا لَهُمَا. وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذِهِ الأُمُورِ فِي قَلْبِهَا”. يبدو أن لديها إلمامًا جيدًا بكتابات العهد القديم؛ حيث أتت تسبيحتُها في (لو 1: 46-56) وكأنها خلاصةُ كثير من المزامير واقتباسات من ترنيمة حنة أم صموئيل (1 صم 2: 1- 10).

 

خطبتها من يوسف

في كتابٍ قديم من القرن الرابع اسمه “تاريخ يوسف النجار”، يقال إنها خُطبت ليوسف، الذي كان أرمل في التسعين من العمر وصاحب عائلة كبيرة، وهي كانت ابنة اثنتي عشرة سنةً، لكني أرى أن القصة الكتابية تفترض أنه كان رجلًا قادرًا على الحركة والسفر والترحال، وتحمُّل أعباء رحلة طويلة وشاقة من اليهودية إلى مصر ذهابًا وإيابًا. وعلى الأرجح أنها كانت في العقد الثاني من عمرها عندما خُطِبت ليوسف، وتقول بعضُ التقاليد إن عمرها كان نحو 17 سنةً.

وكانت الخطبة في العادات اليهودية تكاد تُعتَبَر زواجًا وقد تُسجَّل في وثيقة مكتوبة، ومنذ تلك اللحظة تعتبر الفتاة “زوجة”، لذلك يقول الكتاب ليوسف “لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك” ولو مات خاطب المرأة في أثناء الخطبة فإنها تُعتبر أرملة خاضعة لشريعة الزواج من أخي الزوج (تث 25: 5- 10).

ولم يكن في إمكان المرأة المخطوبة أن تتخلص من خاطبها إلا بوثيقة طلاق، ومع ذلك كان أي اتصال جنسي بين الخطيبين قبل أن يُشهر الزواج ويتم الزفاف يُعتبر زنا.

 

معنى اسم مريم

يرى هربرت لوكير في كتابه “كل نساء الكتاب المقدس” أن الاسم أعطيَ 70 تفسيرًا مختلفًا في محاولة للابتعاد عن المعنى الكتابي للاسم وهو “مرارة”.

إلا أن القواميس والمعاجم المختلفة تذكر معانيَ محدَّدةً للاسم، وعلى سبيل المثال، يذكر معجم اللاهوت الكتابي أن الاسم “مريم” جاء من الكلمة العبرية “مريام” أي المُرام أو المطلوبة، ومن الآرامية بمعنى أميرة أو سيدة. وتذكر دائرة المعارف الكتابية أن “مريام” العبرية مُشتَقَّة من “مريامون” الهيروغليفية ويعني “محبة لآمون”، أو قد تكون من كلمة عبرية معناها “مر” أو “عنيد”، ويذكر قاموس الكتاب المقدس أن مريم اسم عبري معناه “عصيان”.

واسم مريم كان معروفًا ومشهورًا ومُتداوَلًا منذ زمن بعيد منذ مريم أخت موسى (خر 15: 2). وفي ايام المسيح نقرأ عن العديد من المريمات؛ إذ يرد اسم مريم في العهد الجديد 51 مرةً.

ولكن أليصابات أعطتها لقب “أم الرب”: “فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟” (لو 1: 43)، وفي ظني أن هذا اللقب الفريد قد فتح بابًا كبيرًا لكثير من الهرطقات عند محاولة تفسيره.  

 

مكانتها في التقليد

يذكر الدكتور القس إلياس مقار أنه حتى القرن الخامس كانت الصور والتماثيل تقدم العذراء مريم كسيدة عادية وسط التلاميذ والمسيح هو المتوَّج فقط. وبعد ذلك -وتحديدًا في اوائل القرن الخامس- أخذت مكانة العذراء شكلًا مختلفًا تمثل في الاعتقاد في عذراويتها المستمرة، وعقيدة الحبل بلا دنس، والاعتقاد في صعودها إلى السماء حيةً.

وهناك عدة أمور جعلت مريم العذراء تأخذ هذه المكانة، الأول: في أوائل القرن الخامس الميلادي أخذت عبارة “والدة الإله” تنتشر في الأوساط الكنسية، الأمر الذي لم يستَرِح له أحد اللاهوتيين في هذه الحقبة وهو نسطورس (بطريرك القسطنطينية) وعارض الفكرة وقال إن العذراء ليست أمًّا للمسيح كابن لله بل أمه كإنسان، ولكن الأمر حسم في مجمع أفسس المسكوني سنة 431م بقيادة البابا كيرلس عمود الدين الذي كان بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، وحكم المجمع ضد نسطور وأتباعه وأطلقوا عليهم هراطقة. وتم التشديد على لقب “والدة الإله” كأحد ألقاب العذراء مريم. وإمعانًا في تحقير نسطورس وأتباعه، أخذ عامة الناس يجمعون المسيح والعذراء في كل شيء حتى في الصور والأيقونات. الأمر الثاني: ألقى الجدال الدائر وقتئذٍ حول طبيعة المسيح وشخصيته ومركزه في الثالوث، بظلاله على مخاوف الناس من الاقتراب بغير مهابة من شخص المخلص المسيح والبحث عن شخصية وسيطة تقربهم إليه، فوجدوا في شخصية مريم أمه هذا الوسيط، ومن هنا تولدت فكرة الاقتراب منها فيما يشبه العبادة. الأمر الثالث: يذكره الدكتور القس مكرم نجيب نقلًا عن المؤرخة إيريس حبيب المصري في كتابها “ظل الخيرات العتيدة” إذ تقول: “إن تأليه العذراء مريم، وبالتالي عبادتها، هو النتيجة الحتميَّة بتلقيبها “والدة الإله”؛ لأن هذا اللقب كان يرتبط في أذهان القدماء بالألوهية، فإيزيس، والدة الإله حورس، كانت إلهة تُعبَد مثل ابنها، لذلك عندما دخل المصريون القدماء للمسيحية استبدلوا صورة إيزيس وهي تحمل ابنها حورس بصورة مريم العذراء وهي تحمل ابنها يسوع.   

 

العذراء والمسيح

في كثير من المواقف التي ذُكرت في الأناجيل، والتي جمعت بين مريم والمسيح، تبدو هذه العلاقةُ مرتبكةً أو ملتبسةً على مريم، بمعنى أنها لم تكن قادرة على تحديد مشاعرها تجاه المسيح، فهي علاقة ومشاعر مرتبكة غير محددة الملامح ولا توجد بها خطوط عريضة فاصلة. فمريم من ناحية تريد أن تعامله بغريزة الأمومة وأنه ابنها الجسدي فعلًا، ومن ناحية أخرى تدرك في أعماقها أنه ليس إنسانًا عاديًّا بل ينتمي إلى السماء. من جهة تراه ابن بطنها، ومن جهة أخرى تدرك أنه ابن الله. من جهة تعامله كصغيرها ومن جهة أخرى تعرف أنه مسيحُ الرب، تريد أن تعامله وكأنها مسؤولة عن سلامته ومن جهة أخرى تعترف أنه مخلصها.

ويتضح هذا الارتباك من عدة مواقف أخرى؛ فمثلاً في (متى 12: 46- 50): “وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُ الْجُمُوعَ إِذَا أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ قَدْ وَقَفُوا خَارِجًا طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوهُ. فَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ: «هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ وَاقِفُونَ خَارِجًا طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوكَ». فَأَجَابَ وَقَالَ لِلْقَائِلِ لَهُ: «مَنْ هِيَ أُمِّي وَمَنْ هُمْ إِخْوَتي؟» ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ: «هَا أُمِّي وَإِخْوَتي. لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي»” وفي مرة أخرى، كان المسيح يتكلم للجموع فصاحت امرأةٌ من الجمع: “طُوبَى لِلْبَطْنِ الَّذِي حَمَلَكَ، وَالثَّدْيَيْنِ اللَّذَيْنِ رَضِعْتَهُمَا!” (لو 11: 27)، فكانت إجابة المسيح: “بَلْ طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللهِ وَيَعْمَلُونَ بِهَا” (لو 11: 28).   

 وما يؤكد على هذه العلاقة “الملتبسة” على مريم مع ابنها أو بين المسيح وأمه، هو ما نلاحظه بوضوح أن المسيح لم يَقُل لها أو يناديها ولا مرة واحدة بلفظة “أمي”؛ ففي عرس قانا الجليل يقول لها: “مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟” (يوحنا 4:2) وحتى لو اجمع المفسرون على أن اللفظ ” امرأة” كان نوعًا من التبجيل والاحترام والإكرام إلا أنه يظل لفظًا لا يحمل صريحًا معنى الأمومة، الأمر الذي يسبب أذى في نفس الأم مريم. ويعلق أوغسطينوس على هذا الموقف بقوله “إن المسيح لا يعترف برحمٍ بشري عندما يكون على وشك أن يجري أعمالًا إلهيَّةً”. وعاد يوحنا في المشهد الثاني والأخير اللذين ذكرهما عن مريم (مشهد عرس قانا الجليل ومشهد الصلب) ليكرر قول المسيح لمريم “يا امرأة” (يو 17: 26). وعند الصليب لم يقل ليوحنا: “هوذا أمي” بل قال: “هوذا أمك”. وحتى بعد القيامة لم يظهر المسيح أولًا لمريم أمه بل لمريم المجدلية.

ولكن يمكن أن نلخص هذه العلاقة في أمرين؛ فهي علاقة مزدوجة، أولًا: علاقة الألم، ثانيًا: علاقة المسؤولية والرعاية.

عبَّر سمعان الشيخ عن علاق الألم، عندما أمسك بالطفل يسوع في الهيكل، وقال لمريم العذراء: ” وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ…” (لو 2: 35).

بدأت علاقة الألم عندما أخذت مريم بشارة الملاك جبرائيل وقال لها: “وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ… فَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلاَكُ. فَقَامَتْ مَرْيَمُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَذَهَبَتْ بِسُرْعَةٍ إِلَى الْجِبَالِ إِلَى مَدِينَةِ يَهُوذَا، وَدَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا وَسَلَّمَتْ عَلَى أَلِيصَابَاتَ… فَمَكَثَتْ مَرْيَمُ عِنْدَهَا نَحْوَ ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا” (لو 1: 36، 38- 40، 56) ، ولا نعلم الوقت الذي مضى ما بين تلقِّي مريم بشارة الميلاد، وبين ذهابها إلى اليصابات مع العلم بأن الرحلة استغرقت من الناصرة الى مدينة يهوذا -ذهابًا فقط- نحو 4-5 أيام (100 كم)، وهناك اعتقاد أنه كان قد مر عليها شهر أو شهرين، ومكثت عند أليصابات 3 شهور، وهذا معناه أنها عادت إلى الناصرة وهى حبلى في شهرها الخامس والسادس أو أكثر قليلًا من ذلك، وهنا كانت علامات الحمل قد أخذت في الظهور، بل يذهب القس إبراهيم سعيد في تفسيره لإنجيل لوقا إلى أن مريم مكثت عند أليصابات حتى ولادة المعمدان، حسب العادات والتقاليد الشرقية، ويشاركه الرأي وارين ويزربي في تفسيره “كن شغوفًا”، ووفق كل الاحتمالات تكون علامة الحمل قد ظهرت على مريم عند عودتها إلى الناصرة. وهذا أول سيف يجوز في نفس مريم متمثلًا في نظرات الناس إليها لدرجة أنه كان هناك اعتقاد بأن المسيح قد وُلِد من زنا، إذ في أحد المواقف المتصادمة بين المسيح والفريسيين قالوا له “أننا لم نولد من زنا” (يو 8: 40- 41) في تمليح منهم إلى ما كان يُشَاع عنه.

ثم بعد الرحلة إلى مصر -ذهابًا وعودة- بسنوات قليلة، وتحديدًا عند سن الثانية عشرة، بدأ الابن مبكرًا في إعلان استقلاليته عن والديه، الأمر الذي تأثرت به أمه بأكثر إيلامًا بالرغم من حرصها على تحمل مسؤولية الرعاية والتربية (لو 2: 39- 52).

والسيف الأعظم هو رؤية وليدها وثمرة بطنها يتألم ويعذب ويموت على الصليب، وما أقساه سيف!

ومما لا شك فيه أن القديسة العذراء مريم قامت بدورها كأم على أفضل ما يكون؛ فقد اعتنت بالطفل يسوع أفضل اعتناء، وربَّته كصبيٍّ يهوديٍّ ملتزم، ولعلَّ اختفاء يوسف النجار عند سن الاثني عشر ليسوع يرجح القول بأن يوسف مات مبكرًا في حياة يسوع واحتملت مريم مسؤولية الرعاية والتربية منفردة، وإن كانت الأناجيل قد صمتت عن ذكر أي شيء بخصوص الاثنين (مريم ويسوع) من عمر الاثنتي عشرة سنة من عمر المسيح حتى الثلاثين من عمره، إلا أن واقع الحياة يخبرنا بمدى المعاناة والألم الذي يمكن أن تتحمله امرأة وحيدة في تربية ابنها في بيئة ريفية وشرقية.

وبعد الصلب والقيامة، نتقابل مع مريم العذراء المتضعة والوديعة، والتي لم تأخذ مكانًا ولا مكانة خاصة بين التلاميذ، بل تشاركهم المخاوف والتطلعات والعبادة في العلّية كواحدة مثلهم، بل يذكر اسمها متأخرًا في حديث لوقا في سفر الأعمال (أعمال 2: 13- 14).

خاتمة

ما من شك أن مريم العذراء من أعظم الشخصيات النسائية في كل الكتاب، بل على مر التاريخ، فهي “مباركة في النساء” (لو 1: 42)، وترجع عظمتُها لا لشيء في ذاتها فهي “أمة الرب”، ولكن عظمتها من عظمة من حملته في أحشائها، وما تحملته من الآم مختلفة عبر رحلة حياتها جراء هذا الامتياز. هي “المنعم عليها” أي الآخذة جمالًا وكرامة وبركة بسبب من تحمله. ولا شك أنها تمثل يدَ الله الممتدة في التاريخ الإنساني، والتي استخدمها الله في إتمام خطته لخلاص العالم بواسطة الابن المتجسِّد يسوع المسيح. والكنيسة الإنجيلية تطوبها وتكرمها “هوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوِّبني” (لو 1: 48)، بعيدًا عن الانزلاق إلى عبادتها أو تأليهها.