مَنْ هو إسرائيل؟
- Sermon By: القس عيد صلاح
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
مَنْ هو إسرائيل؟
بقلم: الدكتور القسّ غبريال رزق الله
تقديم: القسّ أمير ثروت
تحرير: القسّ عيد صلاح
مًقّدِّمَةٌ:
إنَّ كتاب “من هو إسرائيل؟” للوالد الدكتور القسّ غبريال رزق الله([1]) رغم صغر حجمه إلا أنَّ له أهمية خاصة جدًا؛ تعود إلى تاريخ نشره الأول: في عام 1970م، حيث لم يكن هناك اتجاه تفسيريّ ولاهوتيّ واضح في الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة بمصر حول الاسخاتولوجيّ-الفكر االلاهوتيّ حول الأخرويّات-وخصوصًا المتعلق بوضع شعب إسرائيل في المجئ الثاني للمسيح. إلا أنَّ الكاتب قدَّم طرحًا مهمًا في الفكر االلاهوتيّ الكتابيّ آنذاك حول هذا الموضوع؛ وقد كان كتابه هذا بمثابة الجزء الأول من سلسلة كان ينوي أن يستكملها-حيث وضع بقية مباحث هذه السلسلة على الغلاف الخلفيّ للكتاب في طبعته الأولى-فالجزء الأول-المنشور بين يديك الآن عزيزي القارئ-عنوانه: لقب إسرائيل، أما بقية الأجزاء فعناوينها تباعًا: مملكة إسرائيل، ثم سقوط إسرائيل، ثم ملك إسرائيل. غير أنَّ الكاتب لم يكمل خطته البحثيّة. ولو تتبعنا منهجيّة الكاتب في هذا المبحث الأول من دراسته فسنجده قد ركَّز بحثه حول إسرائيل كلقب كتابيّ-وإنْ كان الكتاب كلّه عبارة عن مقال مطول بلا فواصل ولا عناوين فرعيّة-فتكلم عن الصيغة اللفظيّة للقب في أصله العبريّ، ثم تكلم عن الصيغة الرمزيّة للقب في الشريعة والنبوات، ويمكننا أن نضع عناوين فصلية للكتاب، كما قام محرِّر النصّ، كالتالي:
- إسرائيل ابني البكر دراسة للنصّ الكتابيّ الوارد في سفر خروج 4: 22
- نسل إبراهيم دراسة للنصّ الكتابيّ الوارد في سفر تكوين 21: 12
- عبدي إسرائيل دراسة للنصّ الكتابيّ الوارد في إشعياء 49: 3
وفي تتبعنا لهذه المحطات الكتابيّة التي اختارها الكاتب من التاريخ المقدّس نلاحظ أنه يتدرج بنا من الكلام عن إسرائيل كشخص إلى الكلام عن إسرائيل كشعب ليصل في النهاية إلى الكلام عن إسرائيل بمعنى كل من يؤمن، كما يظهر شرح تلك المحطة الأخيرة بوضوح عند الرسول بولس في الرسالة إلى كنيسة رومية: “لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيًّا، وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَانًا، بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ، وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ، الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ.” (رو 2: 28، 29). فالفكر االلاهوتيّ الإنجيليّ المصلَح يتكلم عن إسرائيل الروحيّ المتحقق في الكنيسة؛ التي تتكون من كل شعوب العالم وليس من شعبٍ واحدٍ معينٍ؛ وهذا التعليم ينقلنا من الحصرية الإثنيّة إلى رحابة التعدديّة الإنسانيّة.
ومن الجدير بالذكر هنا، أنَّ كتاب “مَنْ هو إسرائيل؟” قد تمَّ ترجمته إلى اللغة الإنجليزيّة عام 2000م على يد الدكتور إسحق بولس، الذي قام بنشر الكتاب على نفقته الخاصة بالولايات المتحدة الأمريكيّة، كما قام بإيداع الكتاب في مكتبة الكونجرس الأمريكيّ. ونحن إذ نعيد نشر هذا الكتاب نهدف إلى استلهام منهجه في مواجهة الواقع الذي نعيشه في منطقتنا العربيّة اليوم، حتى يمكننا أن نطور من رؤيتنا في التعامل مع الحاضر والمستقبل أيضًا.
مَنْ هو إسرائيل؟
نلتقي بهذا الاسم “إسرائيل” لأول مرَّةٍ في التَّاريخ المقدّس، عند مَخَاضةِ، تُدعى “مخاضة يَبُّوق”، في نهر يُسَمَّى اليوم بوادي الزَّرقاء أو النهر الأزرق، في مناسبةٍ عجيبةٍ، لمظهرٍ فائق الطبيعة.
في ذلك المكان، كان يعقوب بن إسحق بن إبراهيم، منفردًا، جزعًا يخشى ملاقاة أخيه عيسو، حاسبًا إيَّاه عدوًا لدودًا، مستعدًّا أنْ يقضى عليه. وعلى كلِّ مَنْ له ومَالهُ. وإذا بإنسان يبغته مفاجئًا إياه “وَصَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ” (اقرأ تك 32: 22- 24).
في هذه المصارعة، استخدم يعقوب مع هذا الإنسان المصارع كلَّ ما فيه من قوى بَدنيَّةِ، وجهادٍ عضليٍّ، فلم يُذعن له ولم يخضع لإرادته: ولما رأى (ذلك الإنسان)، “وَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِهِ، فَانْخَلَعَ حُقُّ فَخْذِ يَعْقُوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ. وَقَالَ: «أَطْلِقْنِي، لأَنَّهُ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ». فَقَالَ: «لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي».” (تك 32: 25، 26).
وقد علَّق الوحْيُ الإلهيُّ، بفم هوشع النبيّ، على موقف يعقوب هذا بقوله: “بَكَى وَاسْتَرْحَمَهُ” (هو 12: 4). وهو تعبيرٌ، يُبَيِّن لنا الحال، التي كان عليها يعقوب، إزاء إدراكه قوة ذلك الإنسان التي لا يستطيعها. وكأَنَّه أدرك أنَّه إنسان فوق العادة ولعلَّهُ وصل، في إدراكه إلى كونه، شخصًا إلهيًّا، فتمسَّك به باكيًا مسترحمًا قائلاً: “لاَ أُطْلِقُكَ؛ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي”.
هنا انتهت المصارعة، بالخضوع التَّام لهذا الإنسان المصارع. ونتج، عن هذا الخضوع إعداد الفرصة لإعطاءِ البركة، التي قصدها ذلك الإنسان من تلك المصارعة، إجابةٍ لطلبِ يعقوب الملِحِّ. وإتمامًا لقصد “يهوه” فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: يَعْقُوبُ، فَقَالَ: لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ.” (تك 32: 27، 28) انظر (هو 12: 3، 4).
في هذا القول، بالتأمل الروحيِّ الدقيق. وبكشف روح الرَّبِّ، يمكننا أن نُمسك بمفتاح المعرفة، لمعرفة مَنْ هو “إسرائيل” وسر هذه المعرفة ينكشف من:
أولاً: الصيغة اللفظيّة لهذا اللقب.
ثانيًا: الصفة الرمزيّة النبويّة لهذا اللقب.
أولاً: الصيغة اللفظيَّة للقب
هذه الصيغة، يَتبيَّن مدلولها في ذلك السبب المقترن بهذا الَّلقب، وهو قوله: “لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ” (تك 32: 28). وهو تفسير فيه نتبيَّن أنَّ هذا الاسم، ليس عَلَمًا من الأعلام؛ لذاتٍ من الذَّوات، أو لشخصٍ معيَّن بالذَّات، بل بالحري هو لقبٌ، أُعطِيَ ليعقوب، سوى اسمه. به يُسَمَّىَ، بمراعاة المعنى بخلاف الأَعلام، وهذا يدعونا إلى فحص هذا الَّلقب؛ لمعرفة حقيقته.
إسرائيل: صيغةٌ تتركب من كلمتين عبريَّتين إحداهما “يسْرَا” وثانيتهما: “إِيْل”. الكلمة الأولى فعلٌ. والكلمة الثانية اسم الجلالة “إِيْل” أي “الله”. أما الفعل؛ فقد صدر من يعقوب ولفظة “سَارِيتَ”. وهو في العربيَّة مِن أصل سَرَا يَسْرُو. وسَرُوَ يَسْرو: وسَرِىَ يَسْرى (واويُّ) سَرْوَا وَسَرَاوَةً وسَرًا وسَرَاءً: كان سَرِيًا أي صاحب مرَؤةٍ في شرفٍ أو صاحب سخاء في مرؤَة. وهو السَّيّد الشريف السخيُّ: وسَرَوات القوم سادتهم ورؤساُؤَهم. وفي هذا المعنى، يدخل اسم “ساراى” زوجة إبراهيم (أميرتي) الذي تغيَّر إلى “سارة” (أميرة). وهو لفظ منه يتَّضح أنَّ “يهوه” اعتبر فعل يعقوب في جهاده عملاً شريفًا، يرفعه إلى درجة سَرَوَات القوم. ويعطيه حق الرِّياسة والسِّيادة، جاعلاً خضوعه لسيادة العزَّة الإلهيّة ولإرادة الجلال السماويّ أساسًا لرفعته، متَّخذًا من بكائهِ واسترحامهِ ولجاجتهِ في نيل البركة سلَّمًا لصعودهِ إلى درجة الشرف عند الله، وإلى سموِّ القدرة في الجهاد مع الله وجهًا لوجهٍ.
وهذا يثبته لقب آخر هو لقب جديد أعطاء يعقوب نفسهُ لمكان هذه المصارعة حيث قيل: “فَدَعَا يَعْقُوبُ اسْمَ الْمَكَانِ “فَنِيئِيلَ” قَائِلًا: “لأَنِّي نَظَرْتُ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَنُجِّيَتْ نَفْسِي» (تك 32: 30، 31). وهنا نجد تغييرًا مزدوجًا:
- تغييرًا في اسم يعقوب صدر من “يهوه”.
- تغييرًا في اسم المكان صدر من يعقوب وفي كلا التغييرين نستوضح معنى كلمة “إسرائيل”. ونتعرف على إسرائيل الحقيقيِّ.
أولاً: تغيير في اسم “يعقوب” إلى “إسرائيل”
هذان لقبان لشخصٍ واحد وما أوسع البعد بينهما! كالبعد بين أطراف الأرض. وبالحريِّ: كالبعد بين الأرض والسماء: فلقب “يعقوب” يرينا شخصًا خارجًا من بطن أمه “وَيَدُهُ قَابِضَةٌ بِعَقِبِ عِيسُو؛ فَدُعِيَ اسْمُهُ يَعْقُوبَ” (تك 25: 26 انظر هو12: 3). ويثبت لنا الوحي أيضًا علَّة هذا القبض موضحًا ذلك، بتقريره أمرًا عجيبًا، حدث في بطن رفقة، وهي حبلى؛ عبَّر عنه بالقول: “وَتَزَاحَمَ الْوَلَدَانِ فِي بَطْنِهَا” (تك 25: 22) الأمر الذي يَدُلُّ على أنَّ هذا القبض كان نتيجة عملية تزاحمٍ أو مصارعةٍ بين الولدين.
وإذ كبر الوالدان، أثبت يعقوب هذا التعقب لأخيه كما يتبيَّن جليًا في صرخةٍ عظيمةٍ ومرّةٍ جدًا، من قلب عيسو، عبَّر عنها بالقول: “أَلاَ إِنَّ اسْمَهُ دُعِيَ يَعْقُوبَ، فَقَدْ تَعَقَّبَنِي الآنَ مَرَّتَيْنِ! أَخَذَ بَكُورِيَّتِي، وَهُوَذَا الآنَ قَدْ أَخَذَ بَرَكَتِي.” (تك27: 34- 36 اقرأ ص 25: 27- 34، ص 27). وقد تحوَّلت هذه الصرخة المُرَّة إلى حقدٍ، تمكَّن مِن قلب عيسو وأصبح نيَّة مبيَّتة لقتل يعقوب، فقال في قلبه: “قَرُبَتْ أَيَّامُ مَنَاحَةِ أَبِي، فَأَقْتُلُ يَعْقُوبَ أَخِي” (تك27: 41).
وانتهى الأمر بهروب يعقوب إلى فدَّان أرام في أرض حاران (تك 27: 42- 46؛ 28: 1- 5) وطالت الأيام في تلك الأرض إلى عشرين سنةٍ عاد بعدها، ليتقابل مع عيسو، وقد كان يعمل لتلك المقابلة، ألف حسابٍ، خوفًا ورعبًا لئَّلا يبطش به ويسحقه ويبيد كل مَن له ومَاله (اقرأ تك 28: 23- 32). وهنا يصل، بنا المجال إلى ميدان المصارعة، عند مخاضة يبوق، الذي فيه تغيَّر اسم “يعقوب” إلى “إسرائيل” كما سبق فرأينا وفيه نرى تغيير لاسم المكان من “يبوق” إلى “بنيئيل” (تك32: 30).
ثانيًا: تغيير لاسم المكان من “يبوق” إلى “بنيئيل” (تك32: 30)
وما أوسَعَ البعد يين البقبقة واللقلقة في تلك المخاضة! وما يتلوث به الناس، في خوضها، مشاةً وركبانًا، ذهابًا وإيابًا! وبين رؤيا الجلال الإلهيِّ، في “بنيئيل”: رؤيا البهاء والمجد السماويّين، أما أبعد الشُقة بين يعقوب منطلقًا عَبَر تلك المخاضة نحو أرض سَعير، بلاد أدوم، نحو أخيه عيسو، والخوف يملأ قلبهُ. ويهزُّ كل أعصابه. والرُّكب تصطك، والبدن يرتجف. والنفس معذبة: ما أعظمم الفرق بينه في هذه الحال! وبين “إسرائيل” وجهًا لوجهٍ أمام “إِيْل” ونور المحبة يسطع ووجه الرضى الإلهيِّ يلمع.
عاملان يتنازعان “الخوف” في يعقوب، و”المحبُّة” في إسرائيل. وهما ضدَّان لا يجتمعان. وعدوَّان لا يتصالحان كما يتبيَّن من قول الوحي المقدّس: “لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ. نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلًا.” (1 يو 4: 18، 19).
وإن كان الله قد أحبَّ يعقوب، كما أعلن صريحًا في قوله الصادق: “أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ” (قابل ملا 1: 2؛ مع رو9: 13) فمن أين هذا الخوف، الذي له عذاب في قلبه، ألا يعتبر ذلك دليلاً على أنَّه “فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ” لا في محبة الله ولا في محبة الأخوة كما قيل: “إِنْ قَالَ أَحَدٌ: إِنِّي أُحِبُّ اللهَ وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟ وَلَنَا هذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضًا” (1 يو4: 20، 21).
إذًا لم يكن يعقوب الذي لم يتكمَّل في المحبة هو إسرائيل بالرغم من إعلانات تلك المحبة الفائقة وبالرَّغم من تجلِّياتها، في تلك الرؤْيا وبالرَّغم من سموِّ البركة التي شملت يعقوب؛ بتغيير اسمه إلى إسرائيل بالرَّغم من كلِّ ذلك، لم يتغيَّر يعقوب فلم يصر “إسرائيل” ولم يكن “إِسْرَائِيلِيًّا حَقًّا لاَ غِشَّ فِيهِ” (يو1: 47). بل ولَّى ظهرهُ “لفنيئيل” (أي وجه الله) وخرَّ صريعًا أمام الخوف من عيسو. ودنَّس الَّلقب الإسرائيلي، لقب السيادة والشرف. وألقى به في أقذار المخاضَّة حين رفع عينيه وَرَفَعَ يَعْقُوبُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا عِيسُو مُقْبِلٌ وَمَعَهُ أَرْبَعُ مِئَةِ رَجُل، فَقَسَمَ الأَوْلاَدَ عَلَى لَيْئَةَ وَعَلَى رَاحِيلَ وَعَلَى الْجَارِيَتَيْنِ. وَوَضَعَ الْجَارِيَتَيْنِ وَأَوْلاَدَهُمَا أَوَّلًا، وَلَيْئَةَ وَأَوْلاَدَهَا وَرَاءَهُمْ، وَرَاحِيلَ وَيُوسُفَ أَخِيرًا. وَأَمَّا هُوَ فَاجْتَازَ قُدَّامَهُمْ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ حَتَّى اقْتَرَبَ إِلَى أَخِيهِ. فَرَكَضَ عِيسُو لِلِقَائِهِ وَعَانَقَهُ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ، وَبَكَيَا. ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ وَأَبْصَرَ النِّسَاءَ وَالأَوْلاَدَ وَقَالَ: مَا هؤُلاَءِ مِنْكَ؟ فَقَالَ: الأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ بِهِمْ عَلَى عَبْدِكَ. فَاقْتَرَبَتِ الْجَارِيَتَانِ هُمَا وَأَوْلاَدُهُمَا وَسَجَدَتَا. ثُمَّ اقْتَرَبَتْ لَيْئَةُ أَيْضًا وَأَوْلاَدُهَا وَسَجَدُوا. وَبَعْدَ ذلِكَ اقْتَرَبَ يُوسُفُ وَرَاحِيلُ وَسَجَدَا. فَقَالَ: مَاذَا مِنْكَ كُلُّ هذَا الْجَيْشِ الَّذِي صَادَفْتُهُ؟ فَقَالَ: لأَجِدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْ سَيِّدِي. (اقرأ تك 33: 1- 8 مع 32: 13- 21) وهل يطلب “إسرائيل” المبارك من الله “نعمة” من “عيسو” الزاني المستبيح الذي باع باكوريته لأجل أكله واحدة من طبيخ عدس؟ (راجع شرح عب 12: 16ـ 17).
أين شرف السَّيادة، الذي يحملهُ لقب “إسرائيل”؟ لقب القدرة في الجهاد مع الله والاستظهار على الناس والسموِّ عليهم هل ينطبق هذا الاستعباد على قصد الله الذي أعلنه لرفقة أمه في قوله: “كبير يستعبد لصغير”؟ (تك 25: 23 مع رو 9: 12) وأوحى به إلى أسحق أبيه وهو يباركه قائلاً: “لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ، وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ. كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ، وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ.” (تك 27: 29، 33، 37).
أين سيادتك يا إسرائيل التي أعطيتها في لقبك هذا؟ أين إكليل فخرك، لقد دنَّسته في التُّراب؛ وأنت تقيس الأرض بطولك سجودًا، سبع مرَّات، وتلقي بنفسك عند رجلي عيسو، الذي أبغضه “يهوه” وتضع ذاتك عبدًا أمامه كسيّد، متعبدًا عند قدميه كإله؟ لقد أضعت الشرف وأهنت السّيادة ونقضت العهد الإلهيِّ يا للعار يا إسرائيل!
وهل يُنقض الوعد؟ وهل تسقط كلمة الله؟ وهل يضيع شرف إسرائيل؟ حاشا: “أَنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلاَ لأَنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ هُمْ جَمِيعًا أَوْلاَدٌ. بَلْ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. أَيْ لَيْسَ أَوْلاَدُ الْجَسَدِ هُمْ أَوْلاَدَ اللهِ، بَلْ أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ يُحْسَبُونَ نَسْلًا.” (رو 9: 6- 8 اقرأ ع1- 16) فإسرائيل حسب الجسد ليس هو إسرائيل. وأولاد الجسد ليسوا هم أولاد الله، فإسرائيل الحقيقي، إذًا، هم أولاد الموعد المختارون من كلِّ أمَّةٍ وقبيلةٍ ولسانٍ وشعبٍ، في أربع رياح الأرض المحافظون على قلب تلك السيادة والشرف (قابل رؤ 5: 9، 10؛ 7: 1- 3، 9 مع مت 24: 30، 31).
إذا أضفنا إلى ما فعلهُ يعقوب من إهانة لقب إسرائيل وضيع شرفه في سجوده لأخيه؟ إذا أضفنا إلى ذلك ما فعله يوم أن سكن في سُكُّوتَ، حيث “بَنَى لِنَفْسِهِ بَيْتًا، وَصَنَعَ لِمَوَاشِيهِ مِظَلاَّتٍ.. وَأَقَامَ هُنَاكَ مَذْبَحًا وَدَعَاهُ «إِيلَ إِلهَ إِسْرَائِيلَ». (اقرأ تك33: 17- 20). وقد نسى عهدهُ مع الله الذي ظهر لهُ يوم أن هرب من وجه عيسو واستجاب له في ضيقته، وسار معهُ في الطريق الذي ذهب إليه، والتقى به عند رجوعه في مَخَاضة يَبّوق، حيث رآه وجهًا لوجه وباركهُ ودعى اسمه إسرائيل. فقد نسى بيت إيْل، مبتعدًا عن وجه الله، واستقر في الأرض بين الأرضيات، وملأ بيته بالآلهة الغريبة وباقراط الذهب، واختطَّ لنفسه عبادة حسب شهوة قلبهِ، واختراع عقله، ليعبد الله والمال، غير مفرّقٍ، بين عبادة الإله الحقِّ وبين الأباطيل الكاذبة، وابتعد عن البساطة في الحق الإلهيِّ فانطبق عليه قول السيد: “وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا، فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ” (قابل مت 6: 22- 24 مع 2 كو11: 1- 3).
إذا أضفنا ذلك أيضًا نرى صورةً بارزة تُحقِّق لنا، أن يعقوب لم يحقِّق لقب إسرائيل في شرف السِّيادة مع الله والتغلب على شهوة نفسه، الأمر الذي يحقق ما قاله رسول الأمم: “لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيًّا، وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَانًا، بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ، وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ، الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ.” (رو 2: 28، 29 اقرأ ع 25- 29).
ولكن الله لا ينسى وعده ولا ينقض عهده، فهو “لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلاَ يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلاَ يَفِي؟” (قابل عد 23: 19 مع 1 صم 15: 39 مع مز 110: 4) “فَمَاذَا إِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ؟ أَفَلَعَلَّ عَدَمَ أَمَانَتِهِمْ يُبْطِلُ أَمَانَةَ اللهِ؟ حَاشَا! بَلْ لِيَكُنِ اللهُ صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبًا. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي كَلاَمِكَ، وَتَغْلِبَ مَتَى حُوكِمْتَ.” (رو3: 3، 4 اقرأ ع1- 4)، “أَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ” (رو11: 29 اقرأ ع 27- 29).
فلأجل كلمتهم المصفَّاة النقيّة الممحوصة سبع مرات (مز 12: 6) وإتمامًا لمقاصده التي لا بدّ أن تتم، قال ليعقوب: “ثُمَّ قَالَ اللهُ لِيَعْقُوبَ: قُمِ اصْعَدْ إِلَى بَيْتِ إِيلَ وَأَقِمْ هُنَاكَ، وَاصْنَعْ هُنَاكَ مَذْبَحًا للهِ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ حِينَ هَرَبْتَ مِنْ وَجْهِ عِيسُو أَخِيكَ، فَقَالَ يَعْقُوبُ لِبَيْتِهِ وَلِكُلِّ مَنْ كَانَ مَعَهُ: اعْزِلُوا الآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ وَتَطَهَّرُوا وَأَبْدِلُوا ثِيَابَكُمْ. وَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا، وَدَعَا الْمَكَانَ إِيلَ بَيْتِ إِيلَ لأَنَّهُ هُنَاكَ ظَهَرَ لَهُ اللهُ حِينَ هَرَبَ مِنْ وَجْهِ أَخِيهِ.. وَقَالَ لَهُ اللهُ: اسْمُكَ يَعْقُوبُ. لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِيمَا بَعْدُ يَعْقُوبَ، بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِسْرَائِيلَ. فَدَعَا اسْمَهُ إِسْرَائِيلَ. هناك ظهر له الله وجدد له لقب إسرائيل وهو ذلك اللقب الذي سبق أن رأينا أن يعقوب دنسه. وفي هذا التجديد إعلان بأنه لقب لا يليق إلا بحافظي العهد المقدّس الذين يرون الله وجهًا لوجه في عبادة طاهرة نقية وعلاقة مقدَّسة مجيدةٍ وجهادٍ شريفٍ من جلاله” (اقرأ تك 35: 1- 10).
الآن! وقد رأينا “إسرائيل الحقيقيَّ” بارزًا في معنى اسمه، بحسب الصِّيغة اللفظيِّة الأصليَّة، في اللغة العبريّة، حيث رأيناه لقبًا، يرتفع به إلى مرتبة الشرف العليا، بين سَرَوَات القوم هي مرتبة الجهادح مع الله للاستظهار والسموّ على الناس: مرتبة الجهاد ضدَّ الخطيَّة، التي أشار إليها الرسول في قوله: “لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ” (عب 12: 4): “جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ، وَأَمْسِكْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ” (1 تي 6: 12) وهي تلك المرتبة التي وصل إليها رسول الأمم، وعبَّر عنها بالقول: “قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا” (2 تي 4: 7، 8) وهي تلك المرتبة التي رآها الرَّب بعلمه الإلهي في “نثنائيل” وهو تحت التينة، مجاهدًا في الصلاة مع الله فقال “هُوَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ حَقًّا لاَ غِشَّ فِيهِ” (يو 1: 47 اقرأ 45- 50).
إلى مرتبة “إسرائيل” العليا: وإلى أسمى درجات شرفها وصل “ابن الإنسان” العجيب: “ابن الله الوحيد” فإنَّه “وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ” (لو 22: 44 اقرأ ع 39- 46 مع عب 5: 7- 10؛ 12: 1، 2) هذا هو إسرائيل الحقيقي: مع الخليقة الجديدة: المعينين ليكونوا مشابهين له المدعوين “إسرائيل الله”. الذين عبر عنهم رسول الأمم بالقول: “وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ، أَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لَيْسَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الْخَلِيقَةُ الْجَدِيدَةُ، فَكُلُّ الَّذِينَ يَسْلُكُونَ بِحَسَبِ هذَا الْقَانُونِ عَلَيْهِمْ سَلاَمٌ وَرَحْمَةٌ، وَعَلَى إِسْرَائِيلِ اللهِ.” (قابل رو 8: 29، 30 مع 2 كو 5: 17 مع أف 1: 3- 6 مع غل 6: 14- 16). وهذا هو ما نرجو أن ينكشف لنا أكثر فأكثر عند تأملاتنا في الآتي: الصفة الرمزيّة النبويّة في هذا اللقب إسرائيل.
ثانيًا: الصفة الرمزيّة النبويّة في هذا اللقب إسرائيل
ويمكن أنْ نتبيَّن هذه الصفة على الأقل في ثلاث كلمات نبويّة جوهريّة، نطق بها “الْعَلِيُّ الْمُرْتَفِعُ، سَاكِنُ الأَبَدِ، الْقُدُّوسُ اسْمُهُ” (أش 57: 15): وهذه الكلمات الثلاث هي: الكلمة الأولى: قوله تعالى اسمه “إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ” (خر 4: 22)، الكلمة الثانية قولهُ جلَّ جلالهُ: “نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي” (إش 41: 8)، الكلمة الثالثة: قولهُ له المجد: “أَنْتَ عَبْدِي إِسْرَائِيلُ الَّذِي بِهِ أَتَمَجَّدُ” (إش 49: 3).
الكلمة الأولى: قوله تعالى اسمه “إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ” (خر 4: 22)
وهي كلمة نطق بها العلى المرتفع بفم “موسى” كليمه مخاطبًا فرعون ملك مصر، يوم دعوته لهذا الابن البكر من مصر تلك الدعوة التي عبر عنها النبيّ هوشع بقولهِ عن فمِ الرَّبِّ نفسه: “لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي” (هو 11: 1) مشيرًا إلى تلك الدّعوة الموسويّة التاريخيّة السابقة، بكلمةٍ نبويَّةٍ فسَّرها الرَّوح القدس في إعلانات العهد الجديد، يوم تمت في دعوة الابن البكر، الوحيد، من مصر كما يتضح من القول: وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ، “فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلًا وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ: وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ. لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنبيّ الْقَائِل: مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْني” (اقرأ مت 2: 13- 15؛ مع هو11: 1 مع خر 4: 22، 23؛ 12: 29- 34 اقرأ ع 29- 51). حيث نرى أنفسنا أمام موسى والأنبياء في تفسير الإنجيل بوحي الروح القدس ونتبيَّن من ذلك التفسير، بوضوح تام شخصية إسرائيل الحقيقيِّ “الابْنِ الْبِكْرُ”.
مع موسى، نقف أمام دعوة تاريخيَّة واقعيَّة فيها يرسم لنا الوحي المقدّس صورة تمثيليَّة رمزيَّة نبويَّة لذلك “الابن البكر”، “اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ” وهو متجسد في “ملء الزمان، في أرض ظلمة”. وفي “كورة الموت وظلاله” (قابل يو 1: 18 مع غل 4: 4 مع مت 4: 16؛ مع إش 9: 1- 7 مع أف 5: 8)، حيث تتمثل قوة الشيطان في ذلك التنين الفرعونيّ لوياثان، الحيَّة الهاربة لوياثان، الحيَّة المتحويَّه، التنين الذي في البحر “التِّمْسَاحُ الْكَبِيرُ الرَّابِضُ فِي وَسْطِ أَنْهَارِهِ، الَّذِي قَالَ: نَهْرِي لِي، وَأَنَا عَمِلْتُهُ لِنَفْسِي” (قابل إش 27: 1؛ 51: 9 مع مز 74: 13، 14 مع حز 29: 3؛ 32: 2 اقرأ حز ص 29- 32).
هذه القوة الفرعونيَّة الغاشمة “الحيَّة المتحويَّة ضد إسرائيل الجسديِّ، تمثل كلَّ قوى الأرض الوحشيَّة، السياسيَّة والدينيَّة، التي تريد تحت سيطرة التَّنين الأحمر العظيم الحيَّة القديمة المدعو إبليس والشيطان” (رؤ 12: 9 اقرأ كل الأصحاح) أنْ تستعبد “إسرائيل”، “الابن البكر الوحيد” وأنْ تذلّه ولكن هيهات؛ كما قال الرسل: “أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَنْتَ هُوَ الإِلهُ الصَّانِعُ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا لْقَائِلُ بِفَمِ دَاوُدَ فَتَاكَ: لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ بِالْبَاطِلِ؟ قَامَتْ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَاجْتَمَعَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ. أَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ اجْتَمَعَ عَلَى فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ، الَّذِي مَسَحْتَهُ، هِيرُودُسُ وَبِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ مَعَ أُمَمٍ وَشُعُوبِ إِسْرَائِيلَ، لِيَفْعَلُوا كُلَّ مَا سَبَقَتْ فَعَيَّنَتْ يَدُكَ وَمَشُورَتُكَ أَنْ يَكُونَ.” (اقرأ أع 4: 24- 28 مع مز 2: 1- 3؛ 41: 5- 9؛ 55: 12- 14، 120 مع يو 1: 13؛ 2: 21- 3 مع أي 19: 19؛ إر 20: 10 اقرأ مت 2: 26، 31- 35 وص 27 مع رؤ 19: 11- 21).
أما صيغة الدعوة من مصر، ففيها نستمع إلى نغمة موسيقيّة عالية جدًا، صادرة من قلب الآب السماويّ قائلاً: “ابْنِي الْبِكْرُ” (خر 4: 22) وهي نغمة من مقطعين شجويين عظيمين المقطع الأول “ابني”، المقطع الثاني “البكر”.
المقطع الأول: “ابني”
وهنا نحس إحساسًا عميقًا بمحبة أبويَّة فائقة عبَّر عنها الله، بفم نبيه هوشع قائلاً: “لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ” وبفم نبيه ملاخي قائلاً: “أَحْبَبْتُكُمْ.. وَأَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ” (قابل هوشع 11: 1 مع ملا 1: 1، 2 مع رو 9: 10- 13). وهي المحبة التي تكلم عنها موسى مع إسرائيل قائلاً: “إِيَّاكَ قَدِ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَكُونَ لَهُ شَعْبًا أَخَصَّ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، لَيْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ، الْتَصَقَ “يهوه” بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ، لأَنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ. بَلْ مِنْ مَحَبَّةِ “يهوه” إِيَّاكُمْ، وَحِفْظِهِ الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمَ لآبَائِكُمْ، أَخْرَجَكُمُ “يهوه” بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ” (تث 7: 6- 8 اقرأ تك 15: 7- 21؛ خر 3: 1-10؛ 19: 1- 6 مع تث 7: 1- 8؛ 18: 9- 19).
بنعمة هذه المحبة الأبويَّة يخاطب “يهوه” فرعون ملك مصر عن ابنه إسرائيل قائلاً “ابني” كأنَّه يقول: إنَّه ليس ابنك يا فرعون! لتستعبده، فَقُلْتُ لَكَ: أَطْلِقِ ابْنِي لِيَعْبُدَنِي، فَأَبَيْتَ أَنْ تُطْلِقَهُ. هَا أَنَا أَقْتُلُ ابْنَكَ الْبِكْرَ” (خر 4: 22، 23) وما هذه المحبة، سوى صورة تمثيليّة ومظهر رمزيِّ للمحبة الأبويَّة الأزليّة، في قلب الآب نحو ابنه الحبيب “الوحيد” الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ (يو 1: 18) تلك المحبة التي يرن صداها، في كل أرجاء العالم، محذرًا من كل النتائج الوخيمة والعواقب الأليمة التي تصيب جميع أمم الأرض الذين يرتجون ضد هذا “الابن الوحيد” ويتفكرون عليه بالباطل “ليقطعوا القيود ويطرحوا الرَّبط كما عبر داود في قوله: لِنَقْطَعْ قُيُودَهُمَا، وَلْنَطْرَحْ عَنَّا رُبُطَهُمَا، اَلسَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ. الرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، حِينَئِذٍ يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِمْ بِغَضَبِهِ، وَيَرْجُفُهُمْ بِغَيْظِهِ” (مز 2: 4، 5 اقرأ كل المزمور).
هذا هو ” ابْنِ مَحَبَّتِهِ” (كو 1: 13) “اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ” (يو 1: 18) “ابن الآب” (2 يو 3) “ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ” (مت 3: 17؛ 17: 5؛ مر 9: 7؛ لو3: 22؛ 9: 35؛ 2 بط 1: 18) “أَنتَ هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ” (مر 1: 17)، هذا هو الابن الوحيد “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السماويّاتِ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ، لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ” (أف1: 3- 6) حتى أنَّه قيل: “اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ” (رو 8: 32).
هذا هو الابن الذي “فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ” (كو 1: 19) إعلانًا لجوهر لاهوته من جوهر الآب؛ لذلك يقول: “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (يو 10: 30) “اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ”، “صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ” (اقرأ يو 14: 9-11) بل هو الابن الوحيد الذي “فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا” إشارة إلى تجسده فهو الكلمة الذي قيل عنه: “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ الله…وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا” (يو 1: 1، 2، 14) فهو ابن الله وقد صار “ابن الإنسان” إلهًا تامًا وإنسانًا تامًا لذلك يقول الرسول: “وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ” (اقرأ غل 4: 4- 7).
ومَنْ هُوَ الْكَذَّابُ، إِلاَّ الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ؟ هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ، الَّذِي يُنْكِرُ الآبَ وَالابْنَ؟ كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضًا، وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِالابْنِ فَلَهُ الآبُ أَيْضًا” (1 يو 2: 22، 23 مع مت 11: 25- 27) لذلك يحذر الرسول بشدة من هذه الضلالة قائلاً: “وَهذِهِ هِيَ الْمَحَبَّةُ: أَنْ نَسْلُكَ بِحَسَبِ وَصَايَاهُ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ: كَمَا سَمِعْتُمْ مِنَ الْبَدْءِ أَنْ تَسْلُكُوا فِيهَا. لأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ إِلَى الْعَالَمِ مُضِلُّونَ كَثِيرُونَ، لاَ يَعْتَرِفُونَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ آتِيًا فِي الْجَسَدِ. هذَا هُوَ الْمُضِلُّ، وَالضِّدُّ لِلْمَسِيحِ. انْظُرُوا إِلَى أَنْفُسِكُمْ لِئَلاَّ نُضَيِّعَ مَا عَمِلْنَاهُ، بَلْ نَنَالَ أَجْرًا تَامًّا. كُلُّ مَنْ تَعَدَّى وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَلَيْسَ لَهُ اللهُ. وَمَنْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَهذَا لَهُ الآبُ وَالابْنُ جَمِيعًا. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِيكُمْ، وَلاَ يَجِيءُ بِهذَا التَّعْلِيمِ، فَلاَ تَقْبَلُوهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ سَلاَمٌ. لأَنَّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ يَشْتَرِكُ فِي أَعْمَالِهِ الشِّرِّيرَةِ. (2 يو 6- 11).
هذا هو الابن الوحيد الذي ينطبق عليه دون سواه قول الله “ابني” “ابن الله” الذي وحده دون سواه يخاطب الآب أو يتكلم عنه قائلاً: “أبي” فلا تسوغ لغيره هذه النسبة فإذا قيل عن الملائكة أنهم: “بَنو الله” (أي 1: 6؛ 28: 6) فهو قول لا يصح إلا بوصف كونهم جماعة لا أفرادًا لمن من الملائكة قال قط: “أنت ابني” (انظر شرح عب 1: 5). وهكذا إذا قيل عن القديسين أنَّهم: “أبناء الله” أو “أولاد الله” فيصح القول بوصف كونهم جماعة لا أفرادًا، فلا يسوغ لقديس أن يقول: “أنا ابن الله” مهما بلغت درجة قداسته فهو ليس إلا ابنًا لله مع سائر الأبناء. لذلك علَّمنا السيد أنْ نقول: “أبانا” (مت 6: 9؛ لو11: 2) وأعطانا روحه لنقول: “يَا أَبَا الآبُ” (رو 8: 15؛ غل 4: 6؛ انظر مر 14: 36) وقال لتلاميذه: “أبي وأبيكم” (يو 20: 17).
المقطع الثاني: “البكر”
البكر لفظ يُعبَّر عنه في قول الرَّب: “قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ” (خر 13: 2) حيث نتبين أن البكر المقصود هو “أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحَ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوسًا لِلرَّبِّ.” (لو 2: 23). غير أنَّ قصد الله الأزليّ، في اختياره القضائيّ قد تبيَّن لنا على غير هذه الطريقة الشرعيَّة بحسب الجسد. فإنَّه جلَّ اسمه، جعل إسرائيل بكرًا وهو يعقوب الذي خرج من البطن “وَيَدُهُ قَابِضَةٌ بِعَقِبِ عِيسُو” (قابل تك 25: 26 مع هو 12: 3). أي أنَّه خرج من البطن بعده، فلم يكن والحالة هذه فاتح رحم وبالتالي لم يكن بكرًا ولا قدوسًا للرب بمقتضى هذا الشرع الجسديِّ.
[1] يمكن الرجوع إلى دراسة عن “غبريال رزق الله المعلم الأول” للقس أمير ثروت، نُشِرَت في العدد يناير 2021، ص 84- 87.


