مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

نحن نؤمن بالاختطاف

Watch Now

Download

نحن نؤمن بالاختطاف

سألني أحدهم مرة: هل أنتم كإنجيليين، تؤمنون بالاختطاف!

أجبته وقتها وها أنا أجيب هنا: بالطبع نحن نؤمن بالاختطاف لأنه حقيقةٌ كتابيةٌ مؤكَّدةٌ، وكلمة الرب تشهد بذلك.

“فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ. لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهذَا الْكَلاَمِ” (1تس 4: 15-17).

الاختطاف هو جزءٌ من أحداث مجيء الرب ثانيةً. هذا الرجاء الحي الذي تنتظره الكنيسة كعروس المسيح، ولسان حالها: “آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ”. وكل الذين اختبروا نعمة المخلصة، ويعشون “ِبالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ، مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (تي 2: 11-13).

وكلما مرت الأيام وتوالت السنون، أصبح مجيء الرب قريبًا، وهذا يدفعنا أكثر أن نكون “في سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى، مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ” (2بط 3: 11، 12). والذي سبق وخاطب تلاميذه، يخاطب شعبه في كل زمان: “اِسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ” (مت 24: 42).

وعند صعود المسيح إلى السماء، كان تلاميذه في حالة من الحيرة والاندهاش: “َلَمَّا قَالَ هذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ.  وَفِيمَا كَانُوا يَشْخَصُونَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ، إِذَا رَجُلاَنِ قَدْ وَقَفَا بِهِمْ بِلِبَاسٍ أَبْيَضَ، وَقَالاَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ»” (أع 1: 9-11). ومنذ ذلك الحين والكنيسة تتوقع بالصبر والرجاء قرب مجيئه، والذي تبدأ أحداثه الرهيبة باختطاف الكنيسة. سيجيء الرب بمجد محاطًا بالملائكة القديسين، فيُقام الأموات عديمي فساد، ويتغير الأحياء إذ يلبسون أجسادهم الجديدة، “فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ” (1كو 15: 52)، ويخطفون جميعًا -جميع المفديين- لملاقاة الرب في الهواء. وهذا الاختطاف يحدث قبل انسكاب غضب الله على العالم والدينونة الأبدية.

وقد أخذ موضوع الاختطاف حيزًا كبيرًا في تفسير المدرسة التدبيرية لمجيء المسيح ثانيةً. وخلاصة رأيهم:

  • أن الاختطاف سيكون حدثًا منفصلًا وسابقًا لمجيء الرب.
  • المجيء الثاني سيكون على مرحلتين. الأولى: هي اختطاف المؤمنين، وهذا ما يسمونه مجيءَ المسيح لأجل القديسين. والثانية: بعدها بسبع سنين، هي الظهور أو الاستعلان، ويسمونه مجيء المسيح مع القديسين.
  • الاختطاف سيكون سريًّا وفي هدوء وغير منظور.
  • سبب الاختطاف، لكي تنجو الكنيسة من الضيقة العظيمة.

ونتناول بتركيز شديد هذه الآراء السابقة والمرتبطة بالاختطاف:

  • هل سيكون الاختطاف حدثًا منفصلًا عن مجيء المسيح ثانية؟

هذا المفهوم يعتبر مخالفًا تمامًا لكلمة الله. ألم يقل المسيح: “لِذلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ” (مت 24: 44). فإن كان الاختطاف سيتم قبل مجيئه، فما الداعي أن يحض المسيح على الاستعداد لمجيء ابن الإنسان؟ ألم يقل أيضًا: “تَاجِرُوا حَتَّى آتِيَ” (لو 19: 13)، فكيف للكنيسة أن تتاجر حتى يجيء، إذا كانت قد اختطفت قبل مجيئه بسبع سنوات؟ ووعد الرب تلاميذه: “آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ” (يو 14: 3). وواضح أن الرب يسوع عندما يأتي سيأخذ تلاميذه إليه. وأخذهم إليه لن يكون قبل مجيئه بسبع سنوات!

وفي اتفاق رائع مع تعاليم الرب يسوع، يقدم الرسلُ النصحَ للمؤمنين: “فتَأَنَّوْا أَيُّهَا الإِخْوَةُ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ. هُوَذَا الْفَلاَحُ يَنْتَظِرُ ثَمَرَ الأَرْضِ الثَّمِينَ، مُتَأَنِّيًا عَلَيْهِ حَتَّى يَنَالَ الْمَطَرَ الْمُبَكِّرَ وَالْمُتَأَخِّرَ” (يع 5: 7)، “لأَنَّهُ بَعْدَ قَلِيل جِدًّا «سَيَأْتِي الآتِي وَلاَ يُبْطِئُ” (عب 10: 37). مرة أخرى نتساءل: لماذا تحريض الإخوة على التأني إلى مجيء الرب، إذا كان رجاؤهم الحقيقي هو في الاختطاف السابق لمجيئه؟

ويكتب الرسول بولس إلى المؤمنين في كورنثوس: “وَأَنْتُمْ مُتَوَقِّعُونَ اسْتِعْلاَنَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (1كو 1: 7). فإذا كان بولس الرسول يعتقد أن المؤمنين سوف يؤخذون إلى السماء في اختطافٍ سريٍّ قبل المجيء بسبع سنوات، فلماذا تحدث عن “المؤمنين” بأنهم متوقعون ذلك؟ واضح أن بولس الرسول لم يكن يرى أن الاختطاف حدثٌ مستقلٌّ، حتى في الأجزاء الكتابية الخاصة بالاختطاف. فقد عبَّر بوضوح أن اختطاف المؤمنين هو مجيء الرب: “فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ” (1تس 4: 15، 17). وعندما نضع هذه الإشارات الكتابية الواضحة، لم نجد أنه من الصعوبة قبول ما يراه البعض من أن الاختطاف هو حدث منفصل عن المجيء الثاني.

ويحاول التدبيريون الرجوع للمصطلحات المختلفة التي استُخدمت للتعبير عن المجيء. ويرون أن الاختطاف يُعبَّر عنه بكلمة “باروسيا” Parousia، أما مجيئه الأخير فيُعبر عنه بكلمتي “أبوكالبسيس” Apocalypses، و”إبيفانيا” Epiphania (هناك دراسة تفصيلية لهذه المصطلحات في كتاب أشهر للنبوات- صفحة 143-148 للكاتب). لكن أقول فقط هنا على سبيل المثال ما جاء في (1تس 4: 15) “نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ (باروسيا)، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ”، ويعتبر البعض أن هذه الكلمة هي مصطلح الاختطاف. إلا أننا نجد نفس الكلمة في (1تس 3: 13) “لكَيْ يُثَبِّتَ قُلُوبَكُمْ بِلاَ لَوْمٍ فِي الْقَدَاسَةِ، أَمَامَ اللهِ أَبِينَا فِي مَجِيءِ (باروسيا) رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ جَمِيعِ قِدِّيسِيهِ”. ومع أنها نفس الكلمة، لكنهم (التدبيريون) يرون أنها تشير إلى الظهور أو الاستعلان أو مجيء الرب مع قديسيه. ثم أن الرسول في (2تس 2: 8) يضع هذا المصطلح (باروسيا) بعد استعلان الأثيم – وليس قبل: “الَّذِي الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ”

وأمثلة أخرى كثيرة جدًّا تؤكد بشهادة الكتاب نفسه أن التمييز بين أنواع المجيء أو مراحله المتعاقبة بناءً على المصطلحات الكتابية، أمر غير صحيح كتابيًّا.

  • هل سيكون المجيء الثاني على مرحلتين؟

نحن نؤمن أن المسيح جاء إلى عالمنا قبل ألفى عام، وسيجيء ثانية في ساعة لا يعلمها أحد. وفي كل تاريخ الكنيسة حتى القرن الثامن عشر، الكل يعرف ويُعلِّم بالمجيء الأول (الميلاد)، والمجيء الثاني. لكن ظهر التعليم أن الرب سوف يأتي مرتين، الأول في اختطاف سري، والثاني بعد سبع سنوات يأتي بمجد وقوة عند نهاية الأزمان. فهؤلاء يرون أن المسيح جاء أولًا في الميلاد، ثم في النهاية يحدث المجيء الثاني والمجيء الثالث. ولا بد أن نذكر أن الغالبية لا يستخدمون تعبير “المجيء الثالث”، بل يفضلون القول إن المجيء الثاني سيكون على مرحلتين.

وأساس هذه الفكرة هو فهم خاطئ لكلمة “القديسين” وارتباطها بأحداث المجيء. فبينما يرى التدبيريون أن “القديسين” هم المؤمنون، يؤكد الكتاب المقدس أنهم الملائكة:

“وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ” (مت 25: 31).

“أَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي فِي هذَا الْجِيلِ الْفَاسِقِ الْخَاطِئِ، فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَسْتَحِي بِهِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِ أَبِيهِ مَعَ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ” (مر 8: 38)

“وَتَنَبَّأَ عَنْ هؤُلاَءِ أَيْضًا أَخْنُوخُ السَّابعُ مِنْ آدَمَ قَائِلًا: هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ” (يه 14)

“فَقَالَ: جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ، وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ، وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لَهُمْ” (تث 33: 2)

ولهذا قيل إن الناموس أُعطِي بترتيب ملائكة (قارن أع 7: 53، عب 2: 2).

إذن سيجيء الرب ثانيةً -على مرحلة واحدة- يرافقه هؤلاء القديسون، ليصنع دينونة على الجميع (يه 15). وقد أعطى الربُّ هذا الدور للملائكة وليس للمؤمنين: “هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ الْعَالَمِ: يَخْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَيُفْرِزُونَ الأَشْرَارَ مِنْ بَيْنِ الأَبْرَارِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ” (مت 13: 49، 50)، عند “اسْتِعْلاَنِ الرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (2تس 1: 7، 8).

  • هل سيكون الاختطاف سريًّا؟

يرى التدبيريون أن الاختطاف سيكون مجيئًا سريًّا، وسيعرف عنه المؤمنون فقط. سيحدث في صمت وسيكون مفاجئًا مثل خطوات اللص في الليل، وسيعلم العالم أن جمهورًا غفيرًا قد أُخذ فجأة، والرد على هذا يقدمه أشهر نصوص الاختطاف (1تس 4: 15-17). والسؤال: أيه سرية هنا؟ لاحظ كم الأحداث والظواهر: قيامة الراقدين، حضور الرب بنفسه، هتاف صوت رئيس ملائكة، بوق الله، اختطاف الجميع. سيكون كل ذلك علانية، والمسيح نفسه سبق وأخبر بهذا: “لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ الَّذِي يَبْرُقُ مِنْ نَاحِيَةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ يُضِيءُ إِلَى نَاحِيَةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ، كَذلِكَ يَكُونُ أَيْضًا ابْنُ الإِنْسَانِ فِي يَوْمِهِ” (لو 17: 24).

لمزيد من البحث في عدم سرية الحديث راجع: (مت 24: 27، 30، 25: 31-46، رؤ 2: 15، 16، 1كو 4: 5، 15: 51، 52، 2كو 5: 10، رؤ 19: 11).

كيف يكون سريًّا؟ سيكون مجيئه في مجد (مت 16: 27)، مع الملائكة على السحاب (مت 24: 30، 31)، وفجائيًّا وغير متوقع (لو 17: 24، مت 24 و39)، وسيكون مجيئه شخصيًّا (أع 1: 9-11)، ومرئيًّا (رؤ 1: 7، تي 2: 11-13).

إن جانب السرية الوحيد، هو توقيت الحدث (مر 13: 32، مت 24: 43، 44).

  • هل تُعفى الكنيسةُ من الضيقة؟

الجدول الزمني الذي وضعه التدبيريون لأحداث المجيء يشير إلى سبع سنوات من الضيقة التي ستأتي على العالم بعد اختطاف الكنيسة. ونحن نتساءل: إلى متى تظل الكنيسة في العالم؟ هل فقط إلى وقت الاختطاف، ثم تستمر السنون بعد ذلك (سبع سنوات ثم ألف سنة)؟ لقد علم المسيح: “َاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” (مت 28: 20، 21). إذن الكنيسة باقية إلى انقضاء الدهر، وإن قلنا بغير ذلك، فهذا الوعد من المسيح يُصبح بلا معنى!

وفي مَثَل القمح والزوان، تحدث يسوع عن إنسان زرع زرعًا جيدًا في حقله، لكن العدو جاء وزرع زوانًا وسط الحنطة. فلما طلع النبات، واكتشف العبيد ما حدث، فسألوا أن يجمعوا الزوان، إلا أن رب البيت قال لهم: “دَعُوهُمَا يَنْمِيَانِ كِلاَهُمَا مَعًا إِلَى الْحَصَادِ، وَفِي وَقْتِ الْحَصَادِ أَقُولُ لِلْحَصَّادِينَ: اجْمَعُوا أَوَّلًا الزَّوَانَ وَاحْزِمُوهُ حُزَمًا لِيُحْرَقَ، وَأَمَّا الْحِنْطَةَ فَاجْمَعُوهَا إِلَى مَخْزَني” (مت 13: 30). وفي تفسير الرب للمثل، أوضح معاني كل المفردات المستخدمة (ع 36-43)، وقال: “فَكَمَا يُجْمَعُ الزَّوَانُ وَيُحْرَقُ بِالنَّارِ، هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ هذَا الْعَالَمِ، حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ” (ع 40، 43). وأوضح أن الفصل بين فاعلي الإثم والأبرار هو النهاية، انقضاء الدهر، ثم إن ما يُجمع أولًا هو الزوان وليس الحنطة.

وقدم يسوع مثلًا آخر، هو مثل الشبكة الجامعة من السمك الجيد والسمك الرديء (مت 13: 47-50). وفي تفسيره للمثل قال: “هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ الْعَالَمِ: يَخْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَيُفْرِزُونَ الأَشْرَارَ مِنْ بَيْنِ الأَبْرَارِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ” (مت 13: 49، 50أ).

كل ما سبق –وغيره كثير– يؤكد لنا أن الكنيسة موجودة في العالم حتى المنتهى، ولن تُؤخذ قبل “الضيقة العظيمة”. أضيف إلى ذلك ما يؤكده الكتاب إلى اجتياز المؤمنين ضيقات كثيرة:

“قدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلاَمٌ. فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ» (يو 16: 33)

“لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ” (يو 17: 15)

لاحظ أن المسيح لم يصلِّ لكي يؤخذوا من العالم، ولكن ستبقى الكنيسة في العالم، ولكنها لن تكون من العالم. واعترض البعض على هذا القول الأخير (يو 17: 15)، بأن المسيح كان يصلي من أجل الرسل، والرد على هذا نجده في تكملة صلاة المسيح:

 “وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِم” (يو 17: 20)

“لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ” (في 1: 29)

“يُشَدِّدَانِ أَنْفُسَ التَّلاَمِيذِ وَيَعِظَانِهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ، وَأَنَّهُ بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ الله” (أع 14: 22)

في الختام، أؤكد أن الهدف من هذا المقال ليس إظهار أخطاء مدرسة تفسيرية محددة، أو القناعة لأننا نحن على صواب كامل. لكن أرجو أن يخلق فينا هذا البحث المختصر، الرغبة لمزيد من الأبحاث المتعمقة في هذا الموضوع، وأن نُكثر الحديث والتعليم عن هذا الرجاء الحي، مجيء المسيح ثانية. ليس في اتجاه الدفاع أمام المفاهيم الأخرى، بل بقصد تعليم شعب الرب لكي يتسلحوا بكلمة الله، فيأتي بهم التفكير والمشغولية في هذه العقيدة، إلى حياة أكثر قداسة وخدمة أكثر أمانة، كما كتب الرسول بطرس: “فَبِمَا أَنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟ مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ” (2بط 3: 11، 12).

إن مجيء المسيح ثانية هو بحق أكبر دافع لحياة القداسة والسهر، ولندرك أن الموضوع جزء أصيل من رسالة الإنجيل الذي ننادي به، والذي يشمل النبوات الخاصة بمجيء ربنا يسوع المسيح بالتجسد وحياته وتعاليمه وموته وقيامته وصعوده ومجيئه ثانية في سحاب المجد والبهاء.