نساء الإصلاح بين التراث الأبوي وإصلاح الإصلاح
- Sermon By: د. فنيس نقولا
- Categories: درسات نفسية وأجتماعية
كتب القس سهيل سعود عن الإصلاح الإنجيلي وتأثيره في نواحي الحياة، وخصَّص فصلًا عن “النساء المُصلحات” بعنوان “النساء المُصلحات والحوار والتسامح والخدمات الاجتماعية”.
وبدايةً نعرض لرأي مارتن لوثر ونظرته إلى الزواج؛ فقد رأى أنه أحد أسرار الكنيسة السبعة (عام 1519) باعتباره ترتيبًا من الله للخليقة؛ لأن الله خَلق الانسان ذكرًا وأنثى، وتنبع قدسية الزواج من كونه مباركًا من الله. لكن مفهومه تغيَّر عام 1552 فشدَّد على أن المحبة هي العنصر الأساسي في الزواج المسيحي وأن الصداقة والمشاركة في الحياة العائلية أمور أساسية.
أما عن أثر الفكر الإنجيلي المصلح في زمن الإصلاح بخصوص النساء، فهم لم يحقِّقوا تقدمًا ملموسًا في منْح مكانة مميِّزة للنساء، بل ركَّزوا على دور المرأة كزوجة وأم وربة عائلة.
وقد يكون هذا راجعًا إلى أن السيدات كانت لهن مكانة مميَّزة من قبل الإصلاح، فمنهن من كانت أميرة أو حاكمة كاثوليكية ساهمت بأدوار بارزة في الإصلاح وأثنائه. إلا أن الانتقاد طال المصلحين لأنهم قلَّصوا خدمة المرأة وحدُّوها، خاصة وأنهم أغلقوا الأديرة، فأُلغي دور الراهبات المتمثِّل في الاهتمام بالفقراء والمحتاجين.
كل هذا لا يؤثر في أن النساء اللاتي قَبِلن الإصلاح تغير فيهن شيءٌ، ألا وهو نظرة النساء لأنفسهن. وبالتالي شهد دورُ المرأة متغيراتٍ جديدةً في القرن 16 كنتيجةٍ للإصلاح، بطريقٍ غير مباشر، عندما سمح المصلحون للشعب بقراءة الكتاب المقدس دون العودة إلى مراجِع السلطة الكنسية.
أما عن التعليم في تلك الحِقْبة؛ فقد اقتصر على المرحلة الابتدائية للنساء فكانت نسبة المتعلِّمات قليلة نظرًا للأثر الاجتماعي والمادي، ولهذا فمن حصلن على فرص جيدة للتعليم كنَّ بنات الطبقة العليا المثقَّفة، وبعضهن حاكمات مُصلِحات ومفسِّرات للكتاب المقدس ومُدافِعات عن الإيمان البروتستانتي وأميرات نشرن التعليم المُصلح في مقاطعاتهن.
توجد عدد من أسماء المُصلحات الإنجيليات برزن في زمن الإصلاح، ويذكر الكاتب عدة أسماء ومنها “كاثرين تزال” زوجة المصلح ماثيو تزال 1497- 1562 (ألمانية).
كاثرينافون بورا 1525، زوجة لوثر
استقبلت 150 شخصًا من اللاجئين بعد أن أجبرهم الراعي في مدينة قُرْب ستراسبورغ على مغادرة المدينة، وتولَّت كاثرين خدمتهم وإعالتهم كما استقبلت عددًا كبيرًا من زوجات الفلاحين وأولادهم بعد نشوب ثورة الفلاحين في ألمانيا.
كانت سياسة المدينة أن الإغاثة تُقدَّم فقط لسكان ستراسبورغ وليس للغرباء، ولكن كاثرين استطاعت أن تُقنِع السلطات بضرورة مساعدة اللاجئين وقامت بحملة تبرُّعات واسعة واستمرت مساعدتها لهم لمدة ستة أشهر إلى أن عادوا إلى بيوتهم وقُراهم.
المصلحة الإنجيلية كاثرين تزال (1497- 1562)
عُرفِت بمواقِفها الصلبة بالتمسُّك بالإيمان الإنجيلي المُصلَح وفي نفس الوقت بالانفتاح والتسامح واستقبال المحاورين من كل الخلفيات الإيمانية البروتستانتية، وعندما وقَع خلاف لاهوتي بين رموز الإصلاح الرئيسية الثلاثة (لوثر، كالفن، زوِنجلي “بخصوص العشاء الرباني”) استقبلت اللاهوتيين المحاورين وتولَّت إعداد الطعام والخدمة، واستقبلت جون كالفن في بيتها عندما طُرِد من جنيف وعملت على تهدئة الوضْع بين كالفن وبيير كارولي واهتمت بثلاثين شخصًا من موفدي الطرفين الكاثوليكي والبروتستانتي على أمل استعادة الوحدة الكنسية 1541.
اعترضت كاثرين على المُعاملة القاسية التي عامل بها الإصلاحُ الأنابابتست. ولها مواقف مشهود لها في خدمة اللاجئين والمرضى والمسجونين المضطهدين الوافدين إلى ستراسبورغ، وكانت مقاطعةً ألمانيةً مستقلةً ولم يشملها مرسوم “ورمس” الذي أعلن هرطقة لوثر، وبالتالي صدرت التعليمات لاضطهاد وملاحقة أتباعه بأعداد كبيرة وظلوا في مقاطعتها لمدد طويلة.
زارت أحد أعضاء جماعة الأنابابتست في السجن -الذي أنكر عقيدة اللاهوت- ولم توافِق على حكم كالفن بهرطقة مايكل سيرفيتوس.
عندما ماتت زوجة أحد الأطباء الأنابابتست، رفَضَ القس إجراء صلاة الجنازة إلا إذا أعلن زوجها أنها تركت الإيمان الصحيح، طلبت كاثرين أن تؤخذ المتوفاة على عربة إلى المقبرة وأجرت بنفسها مراسِم الجنازة واتخذ مجلس المدينة قرارًا بتوبيخها إذا تحسنت صحتها، لكنها ماتت عام 1562.
عندما اتُّهِمت بأنها تزعج السلام قالت: أنا أزعج سلامي الشخصي وليس سلام الكنيسة، صحيح أني لم أقف كواعظةٍ على منبر، لكن أعمالي تتكلم بصوت أعلى من صوت واعِظ عل المنبر.
المُصلحة الإنجيلية الأميرة جين دالبر (1528- 1572)
ابنة الأميرة مرجريت دي نافار وعُرِفت بمحالكنيسة ورصدتها فرنسيس ملك فرنسا.
كانت مرجريت مثقَّفة جدًّا وأتقنت لغات، قرأت الفلسفة بالألمانية وتَرْجمتْ تأملات لوثر حول الصلاة الربيَّة إلى اللغة الفرنسية وكانت شاعرة، ظهر في كتاباتها الشعرية تأثُّرها بالإصلاح، وأرادت أن تُصلِح الكنيسة الكاثوليكية داخليًّا بمبادئ الإصلاح وأن تحافِظ عليها، وإلى حدٍّ ما استطاعت أن تحمي الإنجيليين الفرنسيين في العصر الأول للاضطهاد. تأثرت ابنتها “جين” بأفكارها.
فكانت الأميرة الشخص الأعلى منصبًا بين الإنجيليين الفرنسيين، وعملت على نشر الإيمان الإنجيلي في منطقة نفوذها، ودعت الرعاة الإنجيليين إلى مقاطعتها، وأعلنت الكالفينية مذهبًا للمقاطعة، وأسَّست الإصلاح بواسطة التشريعات والقوانين التي أقرَّتها، وأسَّست كلية لاهوت بروتستانتية لتعليم الرعاة واستقدمت أفضل الأساتذة، ودفعت الجزء الأكبر من رواتبهم من مالها الخاص. دعت إلى ترجمة العهد الجديد إلى الفرنسية لغة شعبها وأسست جامعة أكاديمية.
رهنت جواهرها وثروتها للحصول على قروض لمساعدة اللاجئين، ووقفت ضد استغلال طبقة النبلاء لأموال الكنيسة ورصدت تلك الأموال لخدمات الكنيسة المُصلَحة وفتح المدارس ومساعدة الفقراء.
سجنها زوجها لإجبارها على ترْك الكالفينية، ولجأ إلى وساطة البابا بيوس الرابع ليناشدها أن ترجع فرفضت. ومع تمسُّكها الشديد بالإصلاح الإنجيلي فقد أخذت أسلوب الحوار والتَّسَامُح منهاجًا لحياتها وأقرَّت قانون حرية العبادة والتعبير عن الإيمان والمعتقد. تصارعت مع عدم تقييد ضمير الآخرين، وفرْض الإيمان الإنجيلي، وفي الوقت نفسه إحساسها بالمسؤولية الروحية لتحذير الناس من غضب الله وعدم اختيار الإيمان الصحيح.
لم ترغب أن ترى أحدًا يُقتَل بسبب انتماءاته وأصدرت مرسومًا دينيًّا 1562 عن الحرية الدينية.
سمحت بالقداديس الكاثوليكية في المقاطعة التي تحكمها، ورفضت التطرُّف الذي اتسم به باقي المُصلِحين الإنجيليين.
ماتت عن عمر 44 سنة قبل موعد زواج ابنها الذي كانت قد وافقت على زواجه من ابنة ملك فرنسا هنري الثاني، على أمل أن يساهم ابنها في نشر الايمان الإنجيلي وحماية الإنجيليين من الاضطهاد، وبالفعل وقَّع الامبراطور معاهدة سلام “جرمان” والتي منحت الإنجيليين حرية العبادة في فرنسا (عدا باريس وقُرْب العرْش الملكي).
قال عنها الباحِث وولكر إنها “استطاعت أن تبحر بنجاح في حياة السياسة، ولكن التاريخ أهمَل ذكرها ولم يتكلم عن عَظَمة أفعالها لكونها امرأة.”
وبعد..
فإن لم يكن للإصلاح دور مباشِر في شأن المرأة، إلا أن الإصلاح الديني في حد ذاته هو النبع الذي استقى منه العقل الإنساني التطور الحضاري في مختلف جوانب الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية، والتربة التي انغرس فيها جِذْر عصر التنوير بعد أن رَفَع الإصلاح الديني الوِصاية عن العقل، والنساء ممن استقين من هذا النبع ورفعن الوصاية عن العقول، وقد عبَّر كانط عن معنى التنوير في القرن 18 بأنه هجرة الإنسان من اللا رشد أي عجْز الإنسان عن استخدام عقله والإفادة به.
على أن أهم ما تتميَّز به حركة الإصلاح أنها لا تتوقَّف عند زمن ما ونقطة ما “فإصلاح الإصلاح” هو الملمح الأهم والذي يضمن تواصل جهود الإصلاح، وفي مجال الإصلاح والمرأة تواصلت حركة الإصلاح وامتدت لمجالات أرحب.


