مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

الذكاء الاصطناعي وعصر ما بعد الحداثة

Watch Now

Download

الذكاء الاصطناعي وعصر ما بعد الحداثة

الذكاء الاصطناعي وعصر ما بعد الحداثة

الجزء الأول: الحداثة وما بعد الحداثة

نشأة الحداثة

عادةً يُحدد علماء الاجتماع والسياسة تاريخ الحداثة ما بين 1750–1960م، إلا أن بدايات عصر الحداثة تسبق هذا التاريخ، وتأثيرها على المجتمعات لا يزال حتى اليوم. وظهر عصر الحداثة في أوروبا نتيجة التفاعل مع العصور السابقة خاصةً القرون الوسطى، وعصر النهضة Renaissance، وعصر التنوير Enlightenment، وأيضًا لعبَت حركة الإصلاح الإنجيلي دورٌ كبير في ظهورها، ومِن أهم العلماء الذين لعبوا دورًا كبيرًا في ظهور الحداثة: كوبرنيكوس، بيكون، جاليليو، إسحاق نيوتن. وأهم الفلاسفة: رينيه ديكارت، عمانوئيل كانط، وجون لوك. فمثلًا مقال عمانوئيل كانط “ما هو التنوير؟” حدد فيه أربع معالم أساسيّة للحداثة وهم: 1- التنوير 2- العقل 3- الحرية 4- التقدم.[1]  

مفهوم الحداثة

فلقد مثلت الحداثة منذ بدايتها خروجًا على القرون الوسطى بكل أجوائها السياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة والأيديولوجيّة. وكانت بداية الخروج على عالم العصور الوسطى بمثابة تَصدُّع السلطة الكنسية، وقلب الرؤية الدينيّة للعالم، وتراجع الأيديولوجيات اللاهوتيّة، وحلول النزعة الإنسانيّة محل النزعة الإلهيّة، وبزوغ الفكر السياسي العقلاني، واتساع تأثير حركة الإصلاح الديني، وإحياء التراث اليوناني.[2]

كما تُعتبر الحداثة هي البحث المستمر للتعرف على أسرار الكون من خلال التعمق في اكتشاف الطبيعة، والسيطرة عليها، وتطوير المعرفة بها، ومن ثم الارتقاء الدائم بموضع الإنسان في الأرض. أما سياسيًّا واجتماعيًّا؛ فالحداثة تعني الصياغة المُتجددة للمبادئ والأنظمة التي تنتقل بعلاقات المجتمع من مستوى الضرورة إلى الحرية، ومن الاستغلال إلى العدالة، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن سطوة القبيلة أو العائلة أو الطائفة إلى الدولة الحديثة، ومن الدولة التسلطيّة إلى الدولة الديمقراطيّة. فالحداثة هي الإبداع الذي هو نقيض الاتباع، والعقل الذي هو نقيض النقل.[3]

لذلك يُطلَق عادةً على البيئة الثقافيّة التي سادت الغرب منذ 1750م إلى 1960م مصطلح “الحداثة” “Modernity”. وقد قامت هذه الفترة على الاعتقاد بشموليّة العقل البشري، أي أن هناك عقلًا مشتركًا يشمل جميع الناس والأزمنة، وهو قادر على إدراك أنظمة العالم. وكان العقل هو المفتاح الذي كشف غوامض الحياة، وكانت الحجة هي أداته في الأقناع. وأصبحت الحجة العقلية هي الأداة الموثوق بها في هذه الحقبة الثقافيّة. ولكن انهارت هذه النزعة العقلانيّة بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، فلقد تلقت عقلانيّة عصر التنوير ضربة قاسية من لا عقلانيّة هاتين الحربين.[4]   

ظهور ما بعد الحداثة

وظهر بعد ذلك حوالي عام 1971م مصطلح آخر هو “ما بعد الحداثة” “Postmodernism”، وقد استُخدم بادئ الأمر للإشارة إلى الطراز المعماري الجديد، لكنه سرعان ما انسحب على عالم الأفكار. وأصبح مصطلح ما بعد الحداثة يشير إلى الاعتقاد الثقافي المتنامي القائل بفشل الحداثة وضرورة إصلاحها. وقد تركز هذا الاتجاه في البداية على إخفاقات “الفن الحديث” في التفاعل مع الخيال البشري، ولكنه سرعان ما امتد إلى القضايا الاجتماعيّة والمشكلات الناتجة عن الاعتقاد الساذج بحتمية التقدم، مثل حتمية تحول المجتمعات إلى التصنيع وحتمية الامتداد الحضاري.[5]

الملامح الفلسفية لعصر ما بعد الحداثة

ولكي نفهم بأكثر وضوح ما هي حركة ما بعد الحداثة وتميزها عن عصر الحداثة علينا أن نتعرف على الملامح الفلسفيّة الأساسية[6] لهذه الحركة وهي:

الملمح الأول: هو أن الحقيقة لا تتطابق مع الواقع. فالشخص البعد الحداثي يعتبر العبارات والكلمات الحقيقية ليست كذلك، لأنها لا تتوافق مع الواقع، لذا فهو لا يهتم بأي نوع من الواقع.

الملمح الثاني: لا توجد قصة/سرديّة كبرى تصلح لتطبيقها على كل الواقع. فما بعد الحداثة تتحدى كل وجهات النظر المحيطة، سواء دينيّة أو سياسيّة أو اجتماعيّة. فإنها تُقلل من شأن الماركسيّة والمسيحيّة والفاشيّة والرأسماليّة والديمقراطيّة والعلوم الحديثة بنفس الأسلوب. وهي لا تقوم بصياغة مجموعة بديلة من الافتراضات، لكن لكي تسجل استحالة تكوين مثل تلك الروايات الكبرى.

الملمح الثالث: هو أن الموضوعيّة وهم. وذلك لأن كل باحث ينتمي إلى ثقافة معينة، وكل ثقافة تُشكل خصائص ثقافة الشخص الذاتيّة، إذًا فلا يمكن لشخص أن يكون موضوعيًّا.

الملمح الرابع: هو أن الحقيقة تصوريّة. وهذا المفهوم مرتبط بمصطلح “مؤت المؤلف” أو “موت النص”، وهذا يعني أن النص مصنوع وليس موجود، وهذا ما يحدث مع القارئ أثناء القراءة. فالنص يجب أن يعاد بناؤه، حتى يتخلص من المؤلف ويُجعل النص حيًّا ككلمة حرة.

ويتضح لنا مما سبق مدى تعقيد عصر ما بعد الحداثة، ويُمكن القول بأنه يتغير بسرعة ويعاني من الشيزوفرنيا والتشتت والاستمرارية والفوضى. لكنه يتصف أيضًا بروح التعدديّة ويسمح بالأصوات المختلفة وبتعايش الثقافات وامتزاجها لخلق ثقافة جديدة.

الذكاء الاصطناعي وما بعد الحداثة

يُعتبر الذكاء الاصطناعي أحد نتائج عصر ما بعد الحداثة، ويمكن ربط الذكاء الاصطناعي بعصر ما بعد الحداثة من خلال عدة جوانب:

  1. تفكيك السلطة والمعرفة: كما يشكِّك عصر ما بعد الحداثة في السلطة والمعرفة التقليديّة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في تفكيك تلك السلطة من خلال توفير أدوات تحليليّة مبتكرة تعتمد على البيانات بدلًا من الآراء والمعتقدات التقليديّة.
  2. التعدديّة والمرونة: في الذكاء الاصطناعي، مثل في عصر ما بعد الحداثة، لا يوجد حل أو طريقة واحدة للتعامل مع القضايا. بدلًا من ذلك، يمكن أن توجد حلول متعددة لكل مشكلة، وهو ما يتماشى مع الفلسفة ما بعد الحداثيّة التي ترفض الأفكار المطلقة.
  3. النسبية في المعنى: يعمل الذكاء الاصطناعي على تطوير أنظمة تفهم اللغة الطبيعية وتفسيرها، وهذا يمكن أن يؤدي إلى فهم نسبي للمعنى، وهو مفهوم رئيسي في ما بعد الحداثة.
  4. التشكيك في الواقع: يمكن للذكاء الاصطناعي، مثلًا من خلال تقنيات الواقع المعزز والواقع الافتراضي، أن يخلق بيئات ومواقف تتحدى تصوراتنا التقليديّة للواقع، مما يعكس الطبيعة التشكيكيّة لعصر ما بعد الحداثة حول مفهوم الحقيقة.

باختصار، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي وعصر ما بعد الحداثة يتشاركان في نقد السرديات التقليديّة، والاحتفاء بالتعدديّة والتعقيد، والتشكيك في ما هو معروف ومألوف. ولكن يبقى السؤال ما هي علاقة الذكاء الاصطناعي بالمشاعر والعاطفة؟ وهل يُمكن أن يُغني الذكاء الاصطناعي عن الخبرة العاطفية الشعورية التي يتميز بها البشر، والتي هي لُب اهتمام ما بعد الحداثة؟

الذكاء الاصطناعي والخبرة الشعوريّة

إذا كان أهم ما تركز عليه ما بعد الحداثة هو الخبرة الشعوريّة الإنسانيّة، فل يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون له علاق بالمشاعر والعاطفة؟ هذا مجال مُعقد ومتعدد الجوانب، ويمتد ليشمل محاولات لتطوير أنظمة قادرة على فهم العواطف البشريّة والتفاعل معها وحتى تقليدها.

يُمكن للذكاء الاصطناعي التعرف على العواطف من خلال تحليل البيانات مثل تعابير الوجه، نبرة الصوت، النصوص المكتوبة، والحركات الجسديّة. وذلك مِن خلال تقنيات التعلم العميق والشبكات العصبية التي تستخدم لفهم تعابير الوجه وتحليل نغمة الصوت لتحديد ما إذا كان الشخص سعيدًا، حزينًا، غاضبًا، أو غير ذلك. يمكن استخدام هذه التقنيات في تطبيقات متنوعة مثل خدمة العملاء. والذكاء الاصطناعي يمكنه أيضًا محاكاة العواطف من خلال الخوارزميات التي تُظهر استجابات “عاطفية”. فيمُكن للروبوتات المحاكية للعواطف أن تُظهر مشاعر مثل الفرح أو الحزن بناءً على الظروف والمواقف، مما يمكن أن يجعل التفاعل مع البشر أكثر طبيعية. ومع ذلك، فإن هذه العواطف ليست حقيقية، بل هي نتاج برمجي يهدف إلى تحسين تجربة المستخدم.[7]

بالطبع هناك تحديات كبيرة في تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي العاطفيّة، ويتساءل الكثيرون عن مدى ملاءمة استخدام الذكاء الاصطناعي في فهم العواطف الإنسانيّة الحقيقية، أو ما إذا كان من الممكن الوثوق بالذكاء الاصطناعي لتقديم الدعم العاطفي، كما توجد أيضًا مخاوف بشأن الخصوصيّة واستغلال البيانات العاطفية لأغراض تجاريّة.

حتى الآن، لا يمتلك الذكاء الاصطناعي “وعيًا” أو “إحساسًا” بالعواطف مثل البشر. العواطف الاصطناعية تُبرمج وتعتمد على الأنماط والبيانات السابقة، ولا تعكس تجارب شعوريّة حقيقية، ومع تطور التكنولوجيا، قد تتحسن القدرة على فهم والتفاعل مع المشاعر البشريّة، لكن هذا يظل مجالًا للأبحاث والتطوير المستمر.[8]

في النهاية نريد أن نؤكد أنه يمكن للذكاء الاصطناعي فهم ومحاكاة العواطف والتفاعل معها، لكنه لا يختبر العواطف بنفس الطريقة التي يختبرها البشر، مما يثير تحديات واعتبارات أخلاقيّة حول استخداماته المستقبليّة. وهذا هو أهم ما يتميز به عصر ما بعد الحداثة، الذي شئنا أم أبينا نخضع له جميعًا ونتفاعل في ضوئه وضوء فلسفته، وأنا أضع هذا التحدي أمامنا جميعًا، أنه مِن الصعب تعويض الخبرة الشعوريّة الإنسانيّة بأي أمور اصطناعية، مما يجعلنا نتمسك أكثر بإنسانيتنا، ونعتز بها، حيث إنها حقيقة نعيش بها ونختبرها في كل لحظة.