مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

الذكاء الاصطناعي وتحديات البحث العلمي

Watch Now

Download

الذكاء الاصطناعي وتحديات البحث العلمي

       مرت البشرية خلال تاريخها الحديث بتطورات هائلة بدأت مع الثورة الصناعية الأولى التي بدأت مظاهرها مع بداية القرن التاسع عشر عندما استُخدم الماء والبخار لتحريك الآلات، ثم أعقبتها الثورة الصناعية الثانية عندما استُخدمت الكهرباء لذات الغرض، والثورة الثالثة التي عُرفت بالثورة التكنولوجية أو ثورة المعلومات وظهور الإنترنت. وفي طورها الرابع والأخير جمعت الثورة الصناعية بين التكنولوجيا والبيولوجيا في عمليات التصنيع عبر آلات يتم التحكم فيها إلكترونيًّا، وعبر آلات ذكية متصلة بالإنترنت مثل: إنترنت الأشياء، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والروبوتات والذكاء الاصطناعي.

        إذًا، فالذكاء الاصطناعي هو أحد مُخرجات أو تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة، تلك الثورة التي تُظهِر رغبة العلماء في الوصول إلى ما لا يعلمون بما يعلمون آملين في صناعة آلة أو جهاز من خلايا إلكترونية لها قدرات وإدراك إنساني. ولعل ذلك ما جعل مصطلح الذكاء الاصطناعي مصطلحًا مثيرًا للجدل من حيث تعريفه، ووظائفه في كافة المجالات التي يُستَخدَم فيها، خاصةً وأنه قد تمكن من الحصول على نفوذه من خلال مواجهة التحديات الكبرى كالتغيير المناخي، وتشخيص الأمراض، اكتشاف العلاجات، وإثبات النظريات… وغيرها وقد وصل الأمر إلى قدرته على حل المشكلات التي يتعرض لها الكوكب بأسره، هذا وأخيرًا، التحديات التي تنجُم عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصةً لدى الدول التي لم تساهم في إنتاجه.

      وأيًّا كان الجدل، فالذكاء الاصطناعي هو مجال من مجالات علوم الحاسوب الآلي (الكمبيوتر) وأنظمته ويسعى إلى أداء مهام محددة تحاكي الذكاء البشري، وسلوكه، وقدراته من حيث التعرف على الأشياء والتعلم من الأمثلة والتجارب، وتعلم اللغة والاستجابة لها، واتخاذ القرارات وحل المشكلات، والجمع بين هذه القدرات… وغيرها. بقول آخر، إنه يعني قدرة الحاسوب أو برنامج الكمبيوتر على التفكير وكذا التعلم أي جعل الكمبيوتر ذكيًّا أو إعادة إنتاج مظاهر الذكاء الإنساني. إذا فهدف الذكاء الاصطناعي هو فهم ملكة الذكاء لدى الإنسان في كل مظاهره ومستوياته (الفهم، والابتكار، والتعبير، والقدرة على التفكير المجرد، والتكيف مع المشكلات، والقدرة على حلها أو اتخاذ القرارات بشأنها، والقدرة على التعلم والاستفادة من الخبرات… إلخ).

      هذا، ويُقسِّم المختصُّون الذكاء الاصطناعي إلى نوعين: نوع قويّ والآخر ضعيف، النوع القوي يُشير إلى أن كُل النظم تمتلك كُل الطاقات مثل الإنسان أو تتفوق عليه، أما النوع الضعيف فيُركز على حل المشكلات النوعية مستخدمًا الأساليب الرياضية مع علوم الحاسب الآلي. إلى جانب هذا التقسيم، يميل البعض إلى تقسيمه إلى ثلاثة أنواع: الذكاء الاصطناعي النظري، وهدفه بناء نماذج معلوماتية للذكاء وهنا ينبغي على الباحثين في الذكاء الاصطناعي أن يجيبوا على الأسئلة التي سألها الفلاسفة منذ زمن بعيد والتي تدور حول: ما هو النظام الذي يوصف بالذكي، وما هي أنماط المعارف المناسبة له، وما هي المناهج الملائمة لتمثيل هذه المعارف داخل ذاكرة الحاسوب. الذكاء الاصطناعي التطبيقي، وهو يهدف إلى توظيف النماذج المطورة من قِبَل الباحثين لبناء أنساق معلوماتية قادرة على حل المسائل المعقَّدة. وهذا النوع من الذكاء له قيمة اقتصادية كبيرة من حيث صناعة البرمجيات لتحسين تفاعل الإنسان مع الآلة. الذكاء الاصطناعي التقني، وهو تطوير لغات برمجية جديدة لتسهيل برمجة أنظمة الذكاء الاصطناعي مما يجعل آلات الحاسوب مصحوبة بإمكانيات عالية للتواصل كي تتمكن من الحوار الشفهي معها بلغة عادية.

      إن الذكاء الاصطناعي بتقسيماته هذه هو نتاج لمراحل سبع بدأت منذ منتصف القرن العشرين وتحديدًا منذ العام ١٩٥٢م وحتى وقتنا الحالي، وهذه المراحل هي:

  • الميلاد (١٩٥٢-١٩٥٦م)، وهي المرحلة التي بدأت ببحث لجون ماك كرثي في مؤتمر يحمل عنوان: “مولد الذكاء الاصطناعي” دعا فيه ماك كيرثي إلى بناء لغة برمجة اصطناعية ملائمة لمتطلبات تشغيل المعارف وتوظيفها وإعادة إنتاج الاستدلال الطبيعي انطلاقًا من مفهوم القوائم Lists التي تُمثل كُل المعلومات المستخدمة، ومفهوم البرمجة الدالية (حيث كانت كُل الموضوعات المبرمجة عبارة عن دوال رياضية).
  • السنوات الذهبية (١٩٥٦-١٩٧٤م)، وهي المرحلة التي شهدت بدايات تطبيقاته في البحث العلمي Reasoning and Research وفي هذه المرحلة بدأ الحديث عن باب العلوم الدقيقة، والاهتمام بهندسة اللغة، ولغة البرمجة الخوارزميات وبداية بناء الإنسان الآلي.
  • الشتاء الأول للذكاء الاصطناعي (١٩٧٤-١٩٨٠م)، وفيها تم وضع الأسس التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي وأهمها النصوص المكتوبة.
  • عصر الازدهار (١٩٨٠-١٩٨٤م)، الارتفاع في تأثير نظم الخبرة والثورة المعرفية وبدايات العائد المادي ومشروع الجيل الخامس وبداية عمليات إحياء الاتصالية. ويعني هذا أن المصانع يمكنها الاتصال لاسلكيًّا بعدة آلات من الأجهزة الذكية، مثل الكاميرات وأجهزة الاستشعار لتجميع البيانات تلقائيًّا، كما يمكن تحليل هذه البيانات ومعالجتها لجعل العمليات أكثر كفاءة وفاعلية من حيث التكلفة. ومن المتوقَّع أن تؤدي شبكات الجيل الخامس 5G إلى توليد تريليونات الدولارات وخلق ملايين الوظائف.
  • الشتاء الثاني (١٩٨٧-١٩٩٣م)، وهي فترة انحسار وركود وفيها انحسرت العقبات وبداية تحديد الأهداف، واندماج التشفير المتناثر وقيام هيئات ومؤسسات تنظيم أعمال الذكاء الاصطناعي.
  • وضع قسمات الذكاء الاصطناعي (١٩٩٣-٢٠١١م)، وهي الفترة التي أرسيت فيها قواعد وخصائص وسمات الذكاء الاصطناعي وإبداع صورته العلمية والتطبيقية.
    • التعلم العميق (٢٠١١-وحتى الآن)، والذي يعني ايجاد نظريات وخوارزميات تتيح للآلة أن تُعلم نفسها عن طريق محاكاة الخلايا العصبية في جسم الإنسان وكم المعلومات الهائلة في المجال وكذا الذكاء الاصطناعي العام.
  • الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي، الفرص والتحديات:

     تنامى استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي خلال السنوات الذهبية للذكاء الاصطناعي، كما أوضحت عاليه، وقد استطاع الباحثون في مختلف المجالات الاستفادة منه بطرق إيجابية، إلا أن هناك العديد من التحديات والمخاطر التي تواجه الباحثين ومؤسسات البحث العلمي نوجزها فيما يأتي:

الفرص:

  • إتاحة أدوات البحث عن المراجع والحصول عليها، وذلك من خلال محرك البحثGoogle Scalar الذي يتيح للمستخدمين مجموعة من خيارات البحث المتعددة.
  • أدوات البحث داخل الملفات والنصوص، وتجميع الفقرات وفقًا لكلمات البحث الرئيسية وأهم تلك الأدوات Data Search .
  • أدوات الكتابة الأكاديمية وإعادة الصياغة، وهي مجموعة من الأدوات التي يمكن الاعتماد عليها في كتابة المقالات والصياغات العلمية للجمل والنصوص.
  • أدوات التحليل الإحصائي للبيانات التي يعتمد عليها المتخصصون في كافة التخصصات العلمية.
  • أدوات الخرائط الذهنية والرسومات والعروض التقديمية والمؤشرات.
  • أدوات التدقيق اللغوي والإملائي.
  • الترجمة الآلية للنصوص.
  • أدوات دمج وتنسيق الملفات.
  • أدوات إدارة المراجع والمصادر.
  • أدوات النشر واختيار المجلة المناسبة.

التحديات:

        على الرغم من الثورة التي أحدثتها استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال البحث العلمي، إلا أن ثمة تحديات على المعنيين الانتباه له وهي:

  • التكلفة العالية التي ترتبت على استخدام الذكاء الاصطناعي وعلى تحديثها وصيانتها.
  • التخوف مما قد يترتب على استخدام الذكاء الاصطناعي من سلوكيات وممارسات ترتبط بالأخلاقيات والقيم الاجتماعية للبشر.
  • فقدان قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته على تغيير نظام عملها وتطويره في حالة تلقي نفس البيانات مما يجعلها عديمة الفائدة في مرحلة معينة.
  • تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال البحث العلمي يحتاج بنية تحتية رقمية لا تتوفر في معظم مؤسسات البحث العلمي.
  • عدم انسجام البيانات المُستَخدَمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي مع واقع أو سياق معين، إلى جانب ندرة المتخصصين في تطوير البرامج والمنصات الرقمية الذكية في العديد من البلدان، كما أن نجاح التطبيقات مرتبط بمدى قبولها في المجتمع.
  • إن بناء تطبيقات آمنة أمر مستحيل حتى الآن في ظل الهجمات الإلكترونية التي تتم بشكل أو بآخر.

      ولكي يمكن مواجهة التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، لا بد من نشر ثقافة الذكاء الاصطناعي ورفع الوعي العلمي التكنولوجي، خاصةً مع تصاعد وتيرة التغيير في هذا المجال.

*  أستاذ علم الاجتماع- كلية البنات- جامعة عين شمس.