الشائعات.. هل من آليات للمواجهة؟
- Sermon By: د. سامية قدري
- Categories: دراسات متنوعة
الشائعات.. هل من آليات للمواجهة؟
د. سامية قدري
الشائعات هي أقوال وأحاديث وروايات يتداوله الناس دون التأكد من صحتها أو التحقق منها؛ فهي أخبار قد تكون لا أساس لها من الصحة، أو بها من المُبالغة أو التهويل أو التشويه عند سرد الخبر عن طريق إضافة معلومة كاذبة أو مُشوهة لخبر مُعظمه صحيح، وذلك بهدف التأثير النفسي على الأفراد لتحقيق أهداف سياسية، أو اقتصادية، أو عسكرية، أو اجتماعية. وتأتي الشائعات في صورة أخبار أو أحداث، أو نكات ونوادر تنتشر شفاهةً أو عبر وسيط اتصالي.
وقد شهدت العقود الماضية دورًا مُتصاعدًا ومُهمًّا لوسائل التواصل الاجتماعي في نشر الشائعات، نتيجة لتوسع المجال العام وإعادة تشكيل أدوار الأفراد في المجتمع، من خلال مُمارسة الجمهور لحقهم في التجمع والاتصال، والاشتراك في مُناقشة قضاياهم العامة عبر هذه الوسائل. كما تنوعت الشائعات من حيث القضايا والموضوعات التي تتناولها -سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. فتداول شائعةٍ ما -على سبيل المثال- عبر الرسائل الإلكترونية أو الهاتف المحمول؛ يُمكن أن يُحدث انهيارًا -أو على الأقل تراجعًا كبيرًا- في أداء البورصة، وإثارة القلق من ارتفاع أسعار أو اختفاء السلع، وخطف الأطفال والنساء، ونشر شائعة حول ظهور مرض مُعين… إلخ. والجدير بالذكر أن جُل هذه الشائعات قد تكون مادةً للثرثرة، وهو الأثر الأقل ضررًا، وصولًا إلى انهيار الثقة بين أفراد المجتمع، وبينهم وبين الحكومات، وهو الهدف الأول الذي يسعى إليه مُروجو الشائعات.
وتُصنَّف الشائعات وفقًا للعديد من التصنيفات: فهي تُصنف وفقًا لمجالها (سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ديني)، فالشائعات السياسية تستهدف كلَّ ما له علاقةٌ بالنظام السياسي من شخصيات ومؤسسات وقضايا وأحداث سياسية، وهي أداة للحرب النفسية وقت الأزمات والحروب. والشائعات الاجتماعية، مثل الشائعات المُرتبطة بالصراع بين الجماعات، تستهدف ضرب التماسك الاجتماعي، والشائعات الاقتصادية هي تلك المُرتبطة بأسعار الأسهم والمُعاملات المالية وأخبار الاتفاقيات التجارية، أما الشائعات الدينية فهي تلك التي تنال الرموز والشرائع الدينية.
وتُصنف الشائعات أيضًا وفقًا للجهة أو المصدر الذي أطلقها؛ فقد يكون مصدرًا معروفًا وواضحًا، وتُسمى “الشائعات البيضاء”، أو تبدو وكأنها صادرة من مصدر يُخالف المصدر الفعلي الذي انطلقت منه ويُطلق عليها “الشائعة السوداء”، أو هي شائعات مجهولة المصدر ويصُعب تحديد الجهة التي أطلقتها، ويُطلق عليها “الرمادية”، وتُعد الشائعات التي تُطلق عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثالًا على هذا النوع من الشائعات.
وأخيرًا تُصنف الشائعات وفقًا للهدف منها والآثار المترتبة عليها: فهُناك شائعات “التمني والأمل”، وهي شائعات يتمنى الناس أن تكون حقيقية؛ ولذلك فهي تنتشر في الأوساط التي تتمنى تحقيقها، “وشائعات البُعبُع”، وهي الشائعات التي تُبنَى على مخاوف وقلق جمهورها، “شائعات مُتعمَّدة” وهي شائعات مقصودة تنطلق لتحقيق أهداف واضحة ومُحددة، “وشائعات دق الإسفين”، وهي شائعات تهدف إلى إحداث الفرقة والانقسام بين المُختلفين، ويشيع استخدام الدين فيها لإثارة الفتن والانقسام، “وشائعات عفوية” وهي شائعات تظهر في الأزمات ومواقف مُعينة دون تعمُّد أو تخطيط، “وشائعات استباقية” وهي الشائعات التي تسبق الأحداث المُرتقبة أو المُتوقَّع حدوثها، و”شائعات تآمرية” وهي تلك التي تقوم على مفهوم المؤامرة؛ حيث تخطط جماعةٌ ما بشكل سِرِّي لشيءٍ مكروه، وغالبًا ما يرتبط هذا النوع من الشائعات بحركات سياسية أو دينية أو أيديولوجية.
عادةً ما تنتشر الشائعات بكافة أشكالها في أوقات الحروب وتوقُّع الخطر والتغيُّرات الكبرى التي تشهدها البلاد، وكذلك في أزمنة السلم والإنجازات. ففي أوقات الخطر يسعى مُروجو الشائعات إلى خلق مُناخ من عدم الاستقرار وتهديد الأمن القومي والاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، وترويع الناس ونشر الفتن بينهم، خاصةً في ظل حالة الغموض التي تُحيط بموضوع الشائعة، أو لكونه موضوعًا مُهمًّا وكبيرًا ويشغل حيزًا كبيرًا من اهتمامهم ويتطلعون إلى معرفة أخباره. ولعل ما حدث في مصر منذُ أحداث ٢٥ يناير ٢٠١١، وما تلاها من أحداث، مثال واضح على ما أحدثته الشائعات في نفوس المصريين من إحباط وتثبيط للعزم وزيادة حالة اللايقين، خاصةً وأن الشائعات قد طالت رموز الدولة وقدرة مؤسساتها على الوفاء بأمنهم الغذائي، والصحي، والتعليمي… وغيرها من الموضوعات التي تزعجهم وتفقدهم الثقة في دولتهم.
وحتى عندما بدأت الدولة في الإنجازات والسعي لطمأنة المواطنين ودعوتهم للوقوف بجانب دولتهم، وإتاحة مجال عام للتفاعل والتواصل بينها وبين مواطنيها من ناحية، وبين المواطنين بعضهم البعض من ناحية أخرى من أجل بناء حالة من الإجماع الوطني حول قضايا مرتبطة بالولاء، والمشاركة، والتوافق السياسي، والحوار المجتمعي… وغيرها من القضايا، تأتي الشائعات لتزيد من الخوف والإحباط، خاصةً في وجود أزمة اقتصادية تطول البلاد، فيسرع مروجو الشائعات إلى نشر الشائعات التي تدور حول الخوف من المستقبل، وحول أداء الدولة ومؤسساتها في تجاوز هذه الأزمة مما زاد من إحباط الناس وخوفهم من المستقبل.
إن ما يزيد من سرعة وانتشار الشائعات هي وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت فيها المعلومات غير مقتصرة على شخص مُعين أو جهة مُعينة، أو وفقًا لمعايير واضحة ومُحددة، بل أصبح بإمكان أي شخص أن يمتلك الوسيلة المناسبة وبعض المهارات التقنية وأن يكون بنفسه مُنتجًا وناشرًا للمعلومة، ناهيك عن استخدام هذا السلاح من قِبَل الجماعات المناوئة للدولة ونظامها. لهذا اعتُبرت الشائعات إحدى حروب الجيل الرابع، الحروب التي تسعى للنيل من ثقة المواطنين في دولتهم وزعزعة أركانها. بالإضافة إلى ذلك، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة المجال العام البديل الذي يلتقي فيه المواطنون، خاصةً الشباب، للتفاعل والنقاش العام الذي من المُفترض أن يكون نقاشًا إيجابيًّا وبنَّاءً يهدف إلى تشكيل رأي عام ووعي مُغاير من أجل إحداث التماسك والتوافق، والمشاركة الاجتماعية الإيجابية، والفهم الصحيح لكل ما يحدث في الداخل والخارج وتداعياته وبث روح الطمأنينة والأمل والدعوة إلى العمل والإنجاز والوقوف بجانب الدولة حتى تجتاز أي أزمة.
وانطلاقًا من إدراك الدولة المصرية لخطورة الدور الذي تقوم بِه الشائعات في زرع الإحباط لدى المواطنين وتثبيط عزمهم وهدم ثقتهم في دولتهم وفي قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين، سعت إلى محاولة تشكيل رأي عامٍّ واعٍ، وأكثر تفاؤلًا من خلال الرد على مُختَلَف الشائعات عبر مختلف الآليات وبعد رصد الشائعات عبر المرصد الإعلامي لمجلس الوزراء، وإبراز أنشطة وإنجازات الحكومة في إطار من الشفافية، والواقعية.
وفي الواقع أن الدور الذي تقوم بِهِ الدولة وحدها غير كاف، فثمة مسؤولية كبيرة مُلقاة على أطراف أخرى وأهمها الطبقة الوسطى المُتعلمة القادرة على تقديم خطاب نقدي فعال وعقلاني يُمكِّنها من أن تلعب دورًا في هذا الصدد، وأن يكون أبناؤها من الشباب قادةً للرأي عبر المواقع ومُحرِّكين لفئات مُعيَّنة بغية الوصول إلى نقاش تفاعلي ديموقراطي؛ بحيث لا تسمح للشائعات أن تجد مكانًا تنمو فيه. إن هذا النقاش التفاعلي والحوار البناء لا يتأتَّى دون عملية تنشئة اجتماعية ثقافية تقوم بها مؤسسات مدنية (تعليمية، وثقافية، ودينية) لبث الوعي من خلال حوار بنَّاء، فجهود الدولة الأمنية والقانونية، وإن كانت مهمّة، ولكنها وحدها لا يكفي لإحداث التغيير المنشود فيما يتعلق بترسيخ الولاء والانتماء والنقد البناء والتفكير العقلاني… وغيرها من المهارات التي يُمكن أن تنبه لخطورة الشائعات على الأمن القومي والنفسي للشعوب والدول.


