موقفُ الكنيسةِ الإنجيليَّة من دولة إسرائيل
- Sermon By: القس محسن منير
- Categories: دراسات متنوعة
موقفُ الكنيسةِ الإنجيليَّة من دولة إسرائيل
القس محسن منير
حرصًا على عدم وجود أي لبس أو خلط للأوراق، والذي قد ينشأ من عدم دقة استخدام المصطلحات، أرى ضرورة التحديد الواضح مبكرًا للمقصود بـ”الكنيسة الإنجيليَّة” في عنوان هذه الدراسة.
المقصود هنا هي الكنيسة الإنجيلية المشيخية Presbyterian church والتي يُعبِّر عنها في بلادنا المصرية “سنودس النيل الإنجيلي”، بينما يُستَخدَم مصطلح “الإنجيليَّة” أو “البروتستانتية” بصفةٍ عامة كترجمة لـ Evangelical والتي تتضمَّن مذاهبَ أخرى غير المشيخيَّة.
ولتحقيق هدف الوصول إلى الفهم الصحيح لفكر وموقف الكنيسة الإنجيليَّة المشيخيَّة بمصر من دولة إسرائيل الحالية، سيتم بلورة الدراسة في الأفكار الأربع الأساسية التالية:
١- مبادئ تفسيرية أساسية
٢- عرض مختصر لفكر المدرسة الدهرية
٣- لماذا ترفض الكنيسة المشيخية فكر المدرسة الدهرية
٤- الأساس الكتابي واللاهوتي للفكر المشيخي في هذا الشأن
أولاً: مبادئ تفسيريَّة أساسيَّة
هذه المبادئ التفسيرية تمثل الأساس الصحيح الذي بدونه تختلُّ الأفكار والعقائد، والالتزام بها هو الضمان للوصول إلى أفكار وعقيدة صحيحة.
المبدأ الأول:
لا يجب أن نفسر النصوص الكتابيَّة أو نبني العقائد المسيحيَّة تماشيًا مع الأحداث السياسية والتي بطبيعتها متغيِّرة ومتقلِّبة.
المبدأ الثاني:
بصفة عامة، يُفسَّر العهدُ القديمُ في ضوء العهد الجديد، وفي نور شخص السيد المسيح ورسالته وعمله، وذلك انطلاقًا من أن الرب يسوع وعمله الفدائي هو لبُّ الكلمة المقدسة؛ حيث في شخص وعمل يسوع تحقَّقت كلُّ الأفكار والصور التي دارت حول المسيح في العهد القديم. وعلى سبيل المثال:
- صورة مُركَّبة مثل “نسل المرأة” الذي يسحق رأس الحية (تكوين ٣: ١٥- مع رؤيا ١٢: ٣- ٥) أو “الملك الحربي” (عدد ٢٤: ١٧- ١٩) أو “النبي” (تثنية ١٨: ١٥، ١٨، ١٩).
- صورة “الملك ابن داود” الملك القوي حربيًّا، استمر شعب إسرائيل يتمسك بصورة المخلِّص من نسل داود (٢صموئيل ٧: ١٣، ١٦، ٢٩؛ حزقيال ٣٧: ٢٤- ٢٨) حيث يقول في النص الأخير: “داود عبدي يكون ملكًا عليهم…”. وإذا عرفنا أن حزقيال كتب نبوته في ٥٩٣- ٥٩٢ ق.م بينما الملك داود كان قد مات ٩٧١ ق.م، أي كتبها بعد حوالي ٤٠٠ سنة من موت داود، فلا يمكن أن يكون المقصود في النبوة شخص الملك داود، بل الملك المخلِّص الذي من نسل داود.
ج- صورة “المسيا المخلِّص” القديم منذ الأزل (ميخا ٥: ٢) وأيضًا الأبدي (إشعياء ٩: ٦- ٧).
د- صورة المخلِّص “ابن الإنسان” (دانيآل ٧: ١٣- ١٤).
هـ- صورة “عبد الرب” (إشعياء ٥٢: ١٣- ٥٣: ١٢).
كل تلك الصور تحققت في شخص الرب يسوع وإرساليته، وكلها تؤكد هذا المبدأ، وهو أن العهد القديم يُفسَّر في ضوء العهد الجديد بصفة عامة، وفي ضوء شخص ورسالة الرب يسوع وعمله الفدائي بصفة خاصة.
المبدأ الثالث:
لا يتم تفسير النصوص المباشرة والواضحة بالنصوص الغامضة، بل العكس هو الصحيح تمامًا. وعلى سبيل المثال لا يصحُّ أن نفسِّرَ ما جاء عن مجيء المسيح الثاني وما يصحبه من أحداث كما ورد في رسالتي تسالونيكي بما جاء في سفر الرؤيا، بل العكس، سنفهم ما جاء في سفر الرؤيا في ضوء ما جاء في رسالتي تسالونيكي.
لقد استخدم يوحنا في سفر الرؤيا العديد من الصور السابق استخدامها من قبله، لكنه استخدمها بمعانٍ مختلفة عن التي سبق واستخدمها اليهودُ، وعلى سبيل المثال، عند استخدامه لصورة المسيَّا الذي ينتظره اليهود ليحقق انتظاراتهم ونبواتهم، نلمس الفارق الكبير بين الكتب الرؤيويَّة المسيحيَّة وتلك اليهوديَّة. فبينما يصوِّره يوحنا حملًا مذبوحًا مع كونه أسدًا، ويصوِّره بأنه خرج غالبًا (منتصرًا)، ولكي يغلب، لكن ليس باستخدام سيف بتَّار لتقطيع الأجساد، بل باستخدام سيف فمه والمقصود به “الكلمة المقدسة”، مع استمرار صورة الأعداء فهُم وحوش كواسر؛ حيث إن عداوة العالمِ لشعب الرب مستمرةٌ وأسلحته الشريرة كما هي، لكن التغيير الجذريَّ يحدث في معسكر البر، فلم يعد يستخدم أسلحة العالم المعروفة والتي اعتقد اليهود أنه سيستخدمها، وهذا ما يؤكده الرسول بولس في ٢كورنثوس ١٠: ٣- ٤: “لِأَنَّنَا وَإِنْ كُنَّا نَسْلُكُ فِي الْجَسَدِ، لَسْنَا حَسَبَ الْجَسَدِ نُحَارِبُ. إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ”.
وانطلاقًا ممَّا سبق، علينا الحرصُ -كل الحرص- من وضع المعاني اليهوديَّة في المصطلحات المسيحية، وألا نفسر رسالة سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي وفق تفسيرات اليهود لها؛ حيث إن ذلك يشوِّه الحقيقة ويدخل بنا في متاهاتٍ لا يعلنُها فكرُنا المسيحيُّ.
المبدأ الرابع:
لا نأخذ كلمةً أو عبارةً أو نصًّا بمفرده، أو بعض النصوص المتناثرة بلا رابط بينها، ثم نستنتج عقيدةً كاملةً بناءً عليها دون أن نلتزم بدراستها في ضوء الكتاب المقدس كلِّه. وهذا لكي نصل إلى التفسير الذي يضم معًا في بوتقة واحدة كلًّا من المعنى الطبيعي مع المعنى الأصلي من خلال الخلفيات التاريخية والقرائن المختلفة، والمعنى العام الذي يحقق الانسجام والتوافق بين النصوص المتعددة.
فعلى سبيل المثال، عبارة “مجيء المسيح” لا تعني بصورة دائمة المجيء الثاني، حيث يذكر الكتاب المقدس أنواعًا من المجيء، فمثلاً مجيئه بالقيامة (يوحنا ١٤: ١٨) والكلمة “آتي” المستخدمة في هذا النص هي نفس الكلمة المستخدمة في المجيء الثاني، وقد يعني أيضًا مجيئه بقوة في الروح القدس (متى ١٦: ٢٨) ويتأكد ذلك من مقابلة تلك العبارة مع ما ورد في مرقس ٩: ١٠، وقد يعني أيضًا مجيئه في دينونة أورشليم وخراب الهيكل (متى ٢٤).
المبدأ الخامس:
إدراك الفرق بين نظرتي كلٍّ من العهد القديم والعهد الجديد، وذلك انطلاقًا من حقيقة تدرُّج الإعلان الإلهيِّ، والذي بلغ قمَّتَه في المسيح. ولا يعني ذلك الفصل بين العهدين، لكن فقط التمييز الواعي بين وجهةِ النظرِ في كلٍّ منهما؛ حيث يؤكدُ العهدُ الجديد حقائقَ العهد القديم لكنه يضعها في صورتها النهائية بعد اكتمال تحقيقها.
المبدأ السادس:
تفسير النصوص ذات الطبيعة الرؤيويَّة وفقًا للقواعد الملزِمة في التعامل مع هذه الطبيعة الخاصة لهذه النوعية من النصوص.
نجد هذه النصوص في الكتاب المقدَّس في كتب الأنبياء، مثل أجزاء من أسفار حزقيال ودانيآل وإشعياء وزكريا في العهد القديم، وفي متى ٢٤، مرقس ١٣، وسفر الرؤيا اعتبارًا من الإصحاح الرابع وذلك في العهد الجديد. فالكلمة “إعلان” (رؤيا ١: ١) تعني في الأصل اليوناني “كشف” أو “إعلان”، وكشف وإعلان ما هو مخفي.
أول وأهم قاعدة هي “لا تفسر هذه الكتابات تفسيرًا حرفيًّا”؛ حتى لا يُشوَّه المعنى تمامًا. وعدم مراعاة هذه القاعدة هو الذي قاد إلى الفكر التدبيري، ومبعث هذه القاعدة هو أن الكتابات الرؤيوية يجب فهمها على أنها “أسلوبٌ للكتابة” لتوصيل رسالة معينة وليست وصفًا حرفيًّا أو تفصيليًّا لشيء بعينه قد حدث.
المبدأ السابع:
ضرورة وأهمية أن ندرس بصورة جادة أسلوب الاقتراب الصحيح من النبوات أو النصوص النبوية في الكتاب المقدس بصفة عامة وفي العهد القديم بصفة خاصة. وفيما يلي طرحٌ للجوانب الأربعة الرئيسة في طريقة الاقتراب من النبوات.


