مدخل إلى تاريخ الكنائس الإنجيلية ولاهوتها
مدخل إلى تاريخ الكنائس الإنجيلية ولاهوتها
جرجس صبحي
استطاعت الكنائس الإنجيلية، منذ نشأتها، أن تؤثر تأثيرًا عميقًا في الفكر الديني والاجتماعي في العالم أجمع، وفي الشرق الأوسط. لكن كان المُلاحظ لوقت قريب هو ندرة الدراسات المنشورة باللغة العربية تشتمل على العرض التاريخي والتعريف بالأفكار العقائدية واللاهوتية للكنائس المنتمية للفكر المصلح على اختلاف أطيافها. لهذا السبب، يُعد كتاب “مدخل إلى تاريخ الكنائس الإنجيلية ولاهوتها” للقس الدكتور عيسى دياب، أول كتاب شامل باللغة العربية يقدم تعريفًا شاملًا عن الكنائس الإنجيلية من حيث تنوعها وتاريخ نشأتها وتعاليمها.
صدرت الطبعة الأولى للكتاب عام 2009 بالتعاون بين مدرسة اللاهوت المعمدانية العربية في لبنان. وهو يستخدم منهجًا وصفيًّا وتاريخيًّا في عرض الموضوع؛ وهذا بسبب طبيعة المادة التي يتداخل فيها السرد التاريخي مع عرض الأفكار اللاهوتية. ومما يميز هذا الكتاب أيضًا هو مراعاته للجانب المسكوني؛ إذ استطاع المؤلف أن إلى الصورة الإنجيلية الذاتية، بعض الموضوعية عن رؤية الآخر -الطوائف المسيحية الأخرى- للإنجيليين.
ويتناول الموضوع في أربعة أبواب؛ الباب الأول يقدم تعريفًا بالكنائس الإنجيلية العامة في البلاد العربية وطريقة تنظيمها، والباب الثاني يسرد تاريخ الإصلاح الإنجيلي في أوروبا في القرن السادس عشر، بدءًا من تهيئة الساحة الثقافة في أوروبا الحاضنة للإصلاح، مرورًا بتأسيس الكنائس الإنجيلية وانتشارها في أوروبا والعالم الجديد، وصولًا إلى تأسيس كنائس إنجيلية في الشرق الأوسط، أما الباب الثالث فهو يهتم بعرض لاهوت الكنائس الإنجيلية على تنوعه، خصوصًا ما يتعلق بالتعاليم التي يتميز بها الإنجيليون عن غيرهم من المسيحيين، وفي الباب الرابع نجد دراسة حول تأثير الإنجيليين الروحي والفكري في العالم عمومًا وفي الشرق الأوسط خصوصًا.
مدخل عام إلى الكنائس الإنجيلية
يتعرض الكاتب في هذا الباب إلى تاريخ الكنائس البروتستانتية/ الإنجيلية في لبنان وسورية، منطلقًا من الاسم والتقسيم والانتماء التاريخي، موضحًا أن “الكنائس الإنجيلية متنوعة ومستقلة إداريًّا بعضها عن بعض، ولكل منها خصوصيات عقائدية أو ليتورجية تميزها عن غيرها”. وأن الكنائس البروتستانتية تنتمي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى حركات الإصلاح الديني التي بدأها مارتن لوثر خلال القرن السادس عشر في ألمانيا وانتشرت في معظم أنحاء أوروبا. وقد عرض في هذا الفصل أطياف الكنائس البروتستانتية في أربعة أنواع:
- الكنيسة اللوثرية الإنجيلية (The Evangelical Lutheran Church)
- الكنيسة المصلحة (The Reformed Church)، وهي بدورها تضم نوعين:
- الكنيسة المشيخية (The Presbyterian Church)
- الكنيسة الجمهورية أو الاستقلالية (The Congregational Church)
- الكنيسة الأنجليكانية (Anglican Church)
- الكنائس الحرة أو “كنائس الإصلاح الراديكالي”، التي نتجت عن حركة الأنابابتست في القرن السادس عشر.
ثم يهتم المؤلف في هذا الفصل بتقديم لمحة عن تنظيم الكنائس الإنجيلية في بلدان الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أنه لا يوجد تنظيم نموذجي للكنائس الإنجيلية المشرقية ينطبق على بلدان الشرق الأوسط كلها، معتبرًا التنظيم القائم في لبنان وسورية، ويشبهه أيضًا تنظيم الكنائس الإنجيلية في مصر صورةً نموذجية عما يمكن أن يكون عليه تنظيم الكنائس الإنجيلية في بلدان الشرق الأوسط الأخرى؛ إذ يجمع بين الوحدة والتنوع.
ويوضح الكاتب في هذا الباب أيضًا عقيدة الكنائس الإنجيلية، مؤكدًا ان سائر الكنائس الإنجيلية تؤمن بقانون الإيمان النيقاوي/ القسطنطيني، وقانون إيمان الرسل، وأن لكل كنيسة اعتراف إيمان يتضمن في صلبه ما ورد في قانوني الإيمان هذين. ويؤكد أن للكنائس الإنجيلية مجتمعة خصوصيات تنظيمية ولاهوتية، مع وجود قواسم إيمانية مشتركة.
مدخل إلى تاريخ الكنائس الإنجيلية
يتضمن هذا الباب ستة فصول تتناول: الخلفية التاريخية والفكرية للإصلاح الإنجيلي، الإصلاح اللوثري ونشوء الكنيسة اللوثرية، الإصلاح الكالفيني والتسفتغلي ونشوء الكنيسة المصلحة، الإصلاح الإنجليزي ونشوء الكنيسة الأنجليكانية، الإصلاح الراديكالي ونشوء الكنائس الحرة، تأسيس كنائس إنجيلية في الشرق.
ويركز في الفصل الثاني على الوضع السياسي والاجتماعي والديني الذي كان قائمًا في أوروبا قبيل انطلاق شرارة الإصلاح الديني في ألمانيا، ومساهمات التطورات التاريخية والدينية والثقافية في تهيئة الأرضية المناسبة لاحتضان الإصلاح. عارضًا لما بعد انفصال كنائس الشرق عن الغرب وسيطرة البابوية على أوروبا واستئثارها بالسلطتين السياسية والدينية، وحالة الضعف الروحي، مما كان له أكبر الأثر في انطلاق حركة الإصلاح.
ويخصص الفصل الثالث لسيرة حياة المصلح مارتن لوثر وقصة نشوء الكنيسة اللوثرية، وقصة الاختبار الروحي الذي عاشه لوثر وغيَّر مفهومه عن الخلاص ونعمة الله، مما دفعه للمطالبة بإصلاح شامل، وما واجه حركة الإصلاح الناشئة من صعوبات ومحاربات من السلطة البابوية. وأصل تسمية أتباع حركة الإصلاح بالبروتستانت (Protestants) التي تعني المحتجين، بسبب احتجاج المندوبين اللوثريين على قرارات البرلمان الألماني لمحاولة ترتيب الأوضاع بين الكاثوليك واللوثريين، وتحول عدد كبير من الكنائس الكاثوليكية إلى لوثرية، وقضى البرلمان بمنع إجراء تغييرات كنسية جديدة والسماح بالعبادة الكاثوليكية في المناطق اللوثرية.
في الفصل الرابع يتطرق الكاتب للإصلاح الكالفيني، نسبة إلى جون كالفن (فرنسا)، والتسفنغلي أو الزوينجلي، نسبة إلى أولريخ زوينجلي (سويسرا)، وقد تعرف كلٌّ منهما إلى الآخر والتقيا في عدد كبير من الأمور، وساهما في نشوء الكنيسة المصلحة. ويمكن القول -وفقًا للكاتب- أن هذه الكنيسة تعود إلى تأثير الإصلاح اللوثري وخروجه من الحدود الألمانية إلى فرنسا وسويسرا وإنجلترا. ويرى الكاتب “أن الكنيسة المصلحة، والمعروفة أيضًا باسم المشيخية، قد أعطت المجتمع البشري فكرًا دينيًّا وفلسفيًّا وتربويًّا واجتماعيًّا مميزًا، ولربما كانت هذه الكنيسة، خصوصًا في الفرع الجمهوري منها، هي الهيئة التي احتوت براعم الديمقراطية الحديثة…”.
أما الفصل الخامس فيبحث في الإصلاح الإنجليزي ونشوء الكنيسة الأنجليكانية (الأسقفية)، ومن أهم أعلام الإصلاح الإنجليزي وليم تندل. لكن ربما كان الإصلاح الإنجليزي سابقًا لأي بلد أوروبي آخر على يد جون ويكليف في القرن الرابع عشر وأفكاره المصلحة، ثم جون هس. ويرجع الكاتب الشرارة الأولى للإصلاح الإنجليزي لرفض البابا الموافقة على طلاق الملك هنري الثامن، ملك إنجلترا، وإعادة زواجه من امرأة أخرى، وعندها أخذ هنري الثامن الخطوة الجريئة بفصل الكنيسة الإنجليزية عن الرئاسة البابوية. ومرت الكنيسة الأنجليكانية بعدة تغيرات وإصلاحات متأثرةً بانتشار الفكر المصلح في جميع أنحاء أوروبا.


