“الإنجيل في سولينتينام”: نموذج لفهم نصوص التجسد والميلاد
القس سامح إبراهيم
“الإنجيل في سولينتينام” The Gospel in Solentiname، عملٌ ثوريٌّ قامت به مجموعةٌ ثائرة على القهر والفقر والظلم. أمّا العملُ نفسُه فهو عبارة عن تفسيرات وتعليقات على نصوص الأناجيل الأربعة، كُتب في الأصل بالإسبانية ثم تُرجم للإنجليزية في أربعة مجلدات (سأعتمد في دراستي هنا على ترجمة Donald Walsh الإنجليزية). أمَّا القائمون على العمل فهم مجموعة من القرويين والفلاحين البسطاء في جزر سولينتينام في دولة نيكاراجوا، بأمريكا اللاتينية، تحت قيادة وتوجيه الشاعر والكاهن الكاثوليكي إرنستو كاردينال. كان العمل ثمرةَ تأملاتٍ ولقاءات منتظمة قام بها هؤلاء الفلاحون البسطاء في نهايات الستينيات وبدايات السبعينيات، أثناء ثورة البلاد على حُكم طاغية نيكاراجوا الشهير أناستسيو سوموزا.
في مقدمة العمل، يروي إرنستو كاردينال ظروف نشأة هذا العمل قائلًا:
في سولينتينام، وهو أرخبيل [= مجموعة جزر] ناءٍ في بحيرة نيكاراجوا سُكانه فلاحون، بدلًا من تقديم عظة من الإنجيل كلَّ يومِ أحد، كنا نُقيمُ حوارًا. إنَّ تفسيرات الفلاحين كانت في أحيانٍ كثيرة أكثر عمقًا من تفسيرات العديد من اللاهوتيين، لكنّها بسيطة مثل بساطة الإنجيل نفسه. هذا ليس مفاجئًا فالإنجيل أو “الخبر السار” (للفقراء)، كُتب لهم، وكُتب بواسطة أناسٍ مثلهم (Ernesto Cardinal, The Gospel in Solentiname, trans. Donald D. Walsh, vii ).
يواصل كاردينال قائلًا إنّه كان يقود المناقشات التي كانت تتم في كنيسة سولينتينام، أو في كوخٍ مقابل الكنيسة، كان يُستخدم لتناول وجبة الغداء الجماعية التي تتم بعد القداس، أو في أحد البيوت. سجّل كاردينال هذه التفسيرات على أشرطة الكاسيت ثم طبعها لاحقًا في هذه المجلدات الأربعة في السبعينيات. في عام 1984 نشر فيليب وسالي شاربر Phillip and Sally Scharper مقتطفاتٍ من هذه المجلدات في كتابٍ بعنوان The Gospel in Art by the Peasants of Solentiname مصحوبة بصور رسمها فلاحو سولينتينام (انظر/ي الصورتيْن بالأسفل). كانت الاجتماعات تبدأ بتوزيع نسخ من نص الإنجيل على من يستطيع القراءة. بعد القراءة، التي يقوم بها عادةً ولدٌ أو بنتٌ بصوتٍ عالٍ تبدأ الحوارات، التعليقات، والتفسيرات آيةً فآيةً، وفي تسجيله للمناقشات عادةً ما يشير كاردينال لاسم صاحب/ صاحبة التعليق. في وصفه لأرخبيل سولينتينام، يقول إنه يتكون من 38 جزيرةً صغيرةً، أكبرها فقط كانت مأهولة بالسكان وعددهم حينها كان حوالي ألفَ نسمة يُكوِّنون 90 أسرةً، وبيوتهم كانت بسيطة جدًّا عبارة عن أكواخ من القش، معظمهم يشتغلون بالزراعة أو الصيد.
ينتمي “الإنجيل في سولينتينام” للاهوتِ التحرير الذي نشأ في أمريكا اللاتينية وساد فيها وساهم في تطويرها تطويرًا كبيرًا. حتى فترة قريبة كان اعتمادُنا في دراسة لاهوت التحرير على كتابات الأب وليم سيدهم اليسوعي، وخاصةً كتابه “لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية: نشأته. تطوره. مضمونه” (دار المشرق، 1993) والكتيب المختصر للدكتور القس صموئيل حبيب “لاهوت التحرر: دراسة وتقييم” (دار الثقافة، 1994). قدمت دار الأكويني للنشر خدمةً عظيمة للقراء العرب حين نشرت في 2016 ترجمةً عربية للكتاب الأهم على الإطلاق في لاهوت التحرير وهو كتاب “لاهوت التحرير: التاريخ والسياسة والخلاص“، الذي كتبه جوستاﭬو جوتييرث، وهو من أبرز مؤسسي لاهوت التحرير، ثم نشرت الدارُ نفسُها في عام 2019 كتاب “مزامير سياسية” لإرنستو كاردينال. أتمنى أن تتبنى دار نشرٍ عربية ترجمة عمل كاردينال المهم هذا “الإنجيل في سولينتينام“.