الحداثة وما بعد الحداثة.. كيف ستستمر الكنيسة؟
- Sermon By: ق. بيتر وديع
- Categories: دراسات متنوعة
الحداثة وما بعد الحداثة..
كيف ستستمر الكنيسة؟
بيتر عادل وديع
مقدمة
في البدء خلقَ اللهُ السماوات والأرض، وصمم الخلقية بإبداعٍ ودقةٍ شديدةٍ، وجعلَ الأرض مَسكنًا للإنسانِ، وأوصاهُ بأن يُثمرَ ويُكثرَ حتى يُعمرها. ومُنذ أن بدأ الإنسان في إعمار الأرض وبدأت الحضارة الإنسانية تظهر، وتكونت على مر العصور والتاريخ مِن بداية الإنسان، وستستمرُ حتى نهاية الزمان. وظهرَ في أواخر القرن العشرين اهتمام في دوائر عديدة، بدراسات عن العلاقة بين الدين والحضارة. وهناك الكثير مِن الأسئلة المطروحة في هذا المجال حول مكان الدين في الحضارة؟[1]
والسؤال المطروح هُنا ما هي علاقة المسيحية بعالم ما بعد الحداثة الذي يُشكل الحضارة الإنسانية اليوم؟ وكيف يُمكن للكنيسة أن تستمر في ظل هذا العالم؟ وهل يجب على الكنيسة أن تنعزل أم أن تتفاعل وتشتبك مع هذه الحضارة المُعاصرة؟
لذِا سيجتهدُ الباحثُ في هذه الورقة أن يُقدم لمحة سريعة عَن نشأة الحداثة وما بعد الحداثة، العالم الذي نعيش فيه اليوم، وبعد ذلك يوضح الباحث أهم الملامح الفكرية والفلسفية لهذا العصر، مع تقديم وصف مُختصر للسياق العربي المُعاصر في ظل هذا العصر. ثمّ ينتقل ليُناقش كيف يُمكن للكنيسة العربية بصفة عامة، والمِصرية بصفة خاصة، أن تتفاعل بإيجابية مع عالم ما بعد الحداثة، وتستمر في دورها وتأثيرها.
ويدعو الباحث الله أن يجعل هذا البحث إسهامًا ولو بسيطًا، في تمكين الكنيسة المِصرية والعربية لتتميم إرساليتها بقوة وفاعلية.
الجزء الأول: الحداثة وما بعد الحداثة
نشأة الحداثة
عادة يُحدد علماء الاجتماع والسياسية تاريخ الحداثة ما بين 1750 – 1960م، إلا أن بدايات عصر الحداثة تسبق هذا التاريخ، وتأثيرها على المجتمعات لا يزال حتى اليوم. وظهر عصر الحداثة في أوروبا نتيجة التفاعل مع العصور السابقة خاصة القرون الوسطى، وعصر النهضة Renaissance، وعصر التنوير Enlightenment، وأيضًا لعبَت حركة الإصلاح الإنجيلي دورًا كبيرًا في ظهورها، ومِن أهم العلماء الذين لعبوا دورًا كبيرًا في ظهور الحداثة: كوبرنيكوس، بيكون، جاليليو، إسحاق نيوتن. وأهم الفلاسفة: رينيه ديكارت، عمانوئيل كانط، وجون لوك. فمثلًا مقال عمانوئيل كانط “ما هو التنوير؟” حدد فيه أربعة معالم أساسية للحداثة وهم: 1- التنوير 2-العقل 3-الحرية 4-التقدم.[2]
مفهوم الحداثة
فلقد مثلت الحداثة منذ بدايتها خروجًا على القرون الوسطى بكل أجوائها السياسية والدينية والاجتماعية والأيديولوجية. وكانت بداية الخروج على عالم العصور الوسطى بمثابة تَصدُّع السلطة الكنسية، وقلب الرؤية الدينية للعالم، وتراجع الأيديولوجيات اللاهوتية، وحلول النزعة الإنسانية محل النزعة الإلهية، وبزوغ الفكر السياسي العقلاني، واتساع تأثير حركة الإصلاح الديني، وإحياء التراث اليوناني.[3]
كما تُعتبر الحداثة هي البحث المستمر للتعرف على أسرار الكون من خلال التعمق في اكتشاف الطبيعة، والسيطرة عليها، وتطوير المعرفة بها، ومن ثم الارتقاء الدائم بموضع الإنسان في الأرض. أما سياسيًّا واجتماعيًّا فالحداثة تعني الصياغة المُتجددة للمبادئ والأنظمة التي تنتقل بعلاقات المجتمع من مستوى الضرورة إلى الحرية، ومن الاستغلال إلى العدالة، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن سطوة القبيلة أو العائلة أو الطائفة إلى الدولة الحديثة، ومن الدولة التسلطية إلى الدولة الديمقراطية. فالحداثة هي الإبداع الذي هو نقيض الاتباع، والعقل الذي هو نقيض النقل.[4]
لذلك يُطلق عادةً على البيئة الثقافية التي سادت الغرب منذ 1750م إلى 1960م مصطلح “الحداثة” “Modernity”. وقد قامت هذه الفترة على الاعتقاد بشمولية العقل البشري، أي أن هناك عقلًا مشتركًا يشمل جميع الناس والأزمنة، وهو قادرٌ على إدراك أنظمة العالم. وكان العقل هو المفتاح الذي كشف غوامض الحياة، وكانت الحجة هي أداته في الأقناع. وأصبحت الحجة العقلية هي الأداة الموثوق بها في هذه الحقبة الثقافية. ولكن انهارت هذه النزعة العقلانية بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، فلقد تلقت عقلانية عصر التنوير ضربة قاسية من لا عقلانية هاتين الحربين.[5]
ظهور ما بعد الحداثة
وظهر بعد ذلك حوالي عام 1971م مصطلح آخر هو “ما بعد الحداثة” “Postmodernism”، وقد استخدم بادئ الأمر للإشارة إلى الطراز المعماري الجديد، لكنه سرعان ما انسحب على عالم الأفكار. وأصبح مصطلح ما بعد الحداثة يشير إلى الاعتقاد الثقافي المتنامي القائل بفشل الحداثة وضرورة إصلاحها. وقد تركز هذا الاتجاه في البداية على إخفاقات “الفن الحديث” في التفاعل مع الخيال البشري، ولكنه سرعان ما امتد إلى القضايا الاجتماعية والمشكلات الناتجة عن الاعتقاد الساذج بحتمية التقدم، مثل حتمية تحول المجتمعات إلى التصنيع وحتمية الامتداد الحضاري.[6]
البُعد السلبي لما بعد الحداثة
يصعب علينا تحديد تعريف محدد لما بعد الحداثة بسب تعدد التعريفات لها وبسبب طبيعتها النسبية. وهي قد تعني تآكل مراكز السلطة التقليدية، وفقدان المعتقدات القوية. وهي ترى شخصيات القصص غير محددة اجتماعيًّا، وتحيا في عالم مُفكك الروابط وخالٍ مِن السلطة. وفكرتها المركزية تدور على التشكيك في المعاني، ويعتبرها البعض “لا عقلانية” لأنها ترفض التحليل والـتأويل، ومِن ثمّ فهي ثقافة مُضادة، وتعبر عن أزمة ثقافية عميقة، أو بالأدق أزمة أنطولوجية ]وجودية[ تدور على فقدان الوعي بالواقع الخارجي، ومِن ثمّ الاغتراب عن هذا الواقع وعن كل واقع أيًّا كان.[7]
كما تُعتبر حركة ما بعد الحداثة شكل من النسبية الثقافية بشأن أمور مثل الواقع، والحق، والعقل، والقيمة، والمعنى اللغوي، والذات، وغيرها من الأفكار؛ ففي منظور ما بعد الحداثة ليس هناك ما يسمَّى الواقع الموضوعي، ولاَ الحق، ولا القيمة، ولاَ العقل، وما إلى ذلك. كل هذه تكوينات اجتماعية، وَمنتجات الممارسات اللغوية، ومن ثم فهي نسبية لا بالنسبة للأفراد، بل بالنسبة للمجموعات الاجتماعية التي تشترك في قصة واحدة… ففي نظر أتباع ما بعد الحداثة، إنَّ زعم المرء أنه يمتلك الحق هو نوع من التسلط الذي يقهر كل من نحكم عليه بأنه لا يمتلك الحق.[8]
البُعد الإيجابي لما بعد الحداثة
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الحركة الناشئة لم تسم نفسها بأنها “مضادة للحداثة”. فحركة ما بعد الحداثة لا ترفض كل جوانب الحداثة، ولكن دعاتها يعتبرونها محاولة لدمج أفضل ما في العالم الحديث بأفضل عناصر التقاليد الكلاسيكية والتخلص من الجوانب غير المرغوبة في كلٍّ منهما. [9]
كما يوجد في عصر ما بعد الحداثة تركيزٌ قويٌّ على دور العقل في التحليل العلمي والثقافي ولازالت الأبحاث العلمية تتبع المنهج الموضوعي، بينما تتركز نظم السياسة والاقتصاد على النظم المتعارف عليها في عصر الحداثة. إلا إن هُناك تركيزًا قويًّا على دور المشاعر ورفض لفكرة أن العلم وحده يستطيع تفسير كل مظاهر الحياة. ومِن ثمّ هناك مجال أوسع في عصر ما بعد الحداثة على ما هو فوق طبيعي Meta-Physics بما في ذلك المبادئ الدينية، ولكن بالتركيز على الروحانية Spirituality وليس الدين كنظام وعقائد.[10]


