لم تكن حركة الإصلاح الإنجيلي حركةً دينيةً سعت إلى إصلاح الكنيسة وتصحيح مسارها اللاهوتي والكتابي فقط، بل كانت حراكًا شمل كل مناحي الحياة المختلفة. العلاقة بين الإصلاح الإنجيلي والثورة الصناعية هي علاقة تبادلية؛ فلقد أثَّر اللاهوت المُصلَح في مسيرة الثورة الصناعية وفي ذات الوقت تأثر بها. ساعدت حركة الإصلاح الإنجيلي في التمهيد للثورة الصناعية، وبالطبع التطور التكنولوجي اليوم، وفي نفس الوقت تأثرت بها.
على الرغم من أنَّ فكرة نظام اجتماعي جديد قائم على التغيير الصناعي والتطور التكنولوجي قد ظهرت في نهايات القرن السادس عشر، إلاَّ أنَّ أول استخدام مُثبَت لمصطلح “الثورة الصناعية أو “La révolution industrielle كان في رسالة بتاريخ ٦ يوليو ١٧٩٩م كتبها المبعوث الفرنسي لويس غيوم أوتو، معلنًا أن فرنسا قد دخلت في سباق التصنيع. ما قصده لويس غيوم أوتو بالثورة الصناعية هي انتشار وإحلال الميكنة محل العمل اليدوي، والذي شهدته أوروبا الغربية مع بدايات القرن السابع عشر. شملت الثورة الصناعية أيضًا آنذاك نهضة علمية شاملة؛ فتنوعت الأبحاث والتجارب لتشمل مختلف فروع العلم من عمليات التصنيع الكيميائي الجديدة، إنتاج الحديد، ازدياد استخدام الطاقة البخارية والمائية، تطوير أدوات الآلات، وظهور نظام المصنع الميكانيكي. كان للثورة الصناعية الأثر البالغ على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية سواء في أوروبا أو خارجها.
لماذا يجب أن تنشغل الكنيسة بقضايا التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي؟ تناقش هذه الدراسة الأسس اللاهوتية التي بنى عليها الفكر الإنجيلي المُصلَح انشغاله بقضايا الثورة الصناعية والتطور التكنولوجي، والتي من خلالها أيضًا يشتبك الفكر اللاهوتي اليوم مع قضايا الذكاء الاصطناعي بكل ما يحمله من تحدِّياتٍ وآمال. تطرح هذه الدراسة أساسين رئيسَيْن كأطر لاهوتية للتعامل مع الثورة الصناعية والتقدم التكنولوجي عمومًا، ومع قضايا الذكاء الاصطناعي خصوصًا. هذان الأساسان هما الفكر المُصلَح عن السوتيرولوجي Soteriology، أو مفهومنا الكتابي الخاص بالخلاص، والفكر المُصلَح الخاص بالإسخاتولوجي Eschatology، أو مفهومنا الكتابي المتعلق بالأخرويات.
أولًا: نحو مفهوم شامل للخلاص
الخلاص، كمفهوم وممارسة، في قلب إيماننا المسيحي. لكنَّ السؤال الذي يجب أن تصارع معه الكنيسة دائمًا هو: ما هو الخلاص؟ في رأيي، تقع الكنيسة في واحدٍ من خطرين في مفهومها لعقيدة الخلاص، فإما أن “نُرَوْحِنَه” over-spiritualized ونحصره في الخلاص الروحيّ أو الخلاص من سلطان الخطية وعقوبتها، وإما أن نحصره في مفهومٍ ماديٍّ بحت أو over-materialized. كلا النقيضين له خطورته على حياة وفكر الكنيسة اليوم.
يقدم الكتاب المقدس، من التكوين للرؤيا، مفهومًا شموليًّا للخلاص؛ فالخلاص من سطوة الخطية وسلطانها هو خلاصٌ، والخلاص من العبودية والسبي، من القهر والظلم، من المرض والضعف هو أيضًا نوعٌ من أنواع الخلاص. الخلاص الروحي والخلاص الزمني هما وجهان لعملةٍ واحدةٍ، بل ويحملان القدر نفسه من الأهمية.
الخلاص في المفهوم المسيحي والكتابي هو خبرةٌ مغيِّرةٌ transformative، خبرة لا مثيل لها! هذا التغيير إذًا، في قلب إيماننا المسيحي. ألسنا نحن أنفسنا خطاة “تغيَّرنا” بعمل النعمة في حياتنا؟ يقول الدكتور رونالد كول تيرنر، أستاذ اللاهوت والأخلاق بكلية لاهوت بتسبرج، بنسلفانيا، الولايات المتحدة الأمريكية: “إنَّ رجاء التغيير هو جوهر حياتنا المسيحية. إنها عملية تبدأ حتى قبل أن ندركها، وتستمر إذ نكرس أنفسنا لها، وتكتمل في الأبدية. نحن نتغير خطوةً بخطوةٍ في هذه الحياة في رجاء أن تصبح حياتنا شيئًا يفوق الوصف في الأبدية.”[1]