يحتفل الإنجيليُّون حول العالم كل عامٍ، بذكرى حركة الإصلاح الإنجيلي والتي يؤرخ لانطلاقها رسميًّا عشيّة يوم عيد جميع القديسين الموافق الأربعاء 31 أكتوبر 1517، حيث علَّق الراهب الأوغسطينيّ مارتن لوثر على باب كاتدرائيّة جميع القديسين في جوتينبرج، قائمة بخمسةٍ وتسعين اعتراضًا على ممارسات الكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة، والتي رأى أنها الخاطئة، كان على رأس هذه الاعتراضات ما عُرِفَ بـ”صكوك الغفران”، و”ذخائر القديسين”، وقد تُرجمت هذه القائمة بما احتوته من اعتراضات إلى الألمانية -لغة الشعب آنذاك- وطُبِعت ووزِّعت على نطاقٍ واسع، وفي غضون شهرين انتشرت هذه أطروحة لوثر وبلغت جميع أنحاء أوروبا، إيذانًا بنهاية العصور الوسطى، وانطلاقة عصر النهضة الدينيّة والعلميّة والصناعيّة الذي غيَّر تاريخ أوروبا والعالم.
الإصلاح.. المعنى والمفهوم
يأتي جذر كلمة “الإصلاح” من الكلمة اللاتينيّة “Repairare“، والتي تعني العودة إلى المسار الصحيح، أو إعادة التشكيل، ويُعبِّر فعل “الإصلاح”، عن تحسين مقصود في الشكل أو الحالة القائمة للمؤسسات أو الممارسات وما إلى ذلك؛ ويهدف إلى إحداث تغيير لافت للأفضل في الشؤون الاجتماعيّة أو السياسيّة أو الدينيّة. (القاموس البريطاني، الإنترنت). وكثيرًا ما يُشير “الإصلاح”، إلى البدء من جديد لتغيير المرء طريقه إلى الأفضل ليُصبح شخصًا جديدًا، (توماس هيوز، أكسفورد، 1861، الإنترنت). وللمفارقة، فإنَّ المعنى الحرفي للإصلاح يقف على النقيض من الفهم المعاصر للكلمة، ففي حين يُظهِرُ المعنى الحرفي للكلمة ارتباطًا وثيقًا بالعودة إلى الأصول والبدايات؛ فإنَّ المفهوم المُعاصر للكلمة ينحو نحو الحداثة، والتجديد والتغيير إلى الأفضل، وأصبح من الطبيعي أن يُنظر إلى الإصلاح على أنَّه مطلب للتكيّف مع الحداثة؛ دون التخلي عن الجذور والأصول. يرتبط هذا الجانب ارتباطًا وثيقًا بحقيقةِ أنَّ الإصلاح -على عكس معناه الحرفي- هو مفهوم مجازي. ومن السهل ملاحظة أنَّ “الإصلاح” أصبح يُستخدم تقريبًا كاستعارة عامة لبناء بعض الاستعارات المفاهيميّة الفعالة المستَخدَمة في الحجة: الإصلاح هو صراع، الإصلاح طريقة للعيش، الإصلاح علاج، وفي كل هذه الاستعارات، يتم توجيه الإصلاح دائمًا نحو الإيجابيّة، والتطلع دائمًا إلى الأمام؛ إنه نوعٌ من الكرازة لأجل مستقبلٍ أفضل (C. Frevel، Tradition of reform as reform of tradition: some considerations on the relation of religion and reform، 2021، الإنترنت). ويَظلُّ المعنى الأكثر شيوعًا، عندما تتردد أو تُستخدمُ كلمة “الإصلاح”، تُشيرُ دائمًا إلى الأفكار والأنشطة الدينيّة التي بدأت إرهاصاتها في أوروبا خلال العصور الوسطى، وخاصةً في القرن السادس عشر، لمحاولة تغيير وتحسين الأحوال الدينيّة وتنقية العقيدة والعبادة المسيحيّة من الشوائب التي كانت تُمارسها الكنيسة الرومانيّة، آنذاك، والعودة ثانيةً إلى الكتاب المُقدس، وهو ما أدى إلى نشأة الكنائس الإنجيليّة اللوثرية والمُصلحة.