إذا أردنا حوارًا عميقًا وناجحًا بين الأديان أو المذاهب المختلفة، فهذا يتطلب تغييرًا في البنية الذهنية لدى أطرافه، لتتحول من بنية معتادة استعلائية تقوم على مجرد (التسامح) مع آخرين غالبًا ما نراهم خاطئين/ قاصرين بالضرورة، نتعاطف فقط مع نقاط ضعفهم وقصورهم، إلى بنية تشاركية تتأسس على (التفاهم) بين ذوات مختلفة، ولكن متكافئة، فلا يوجد طرفٌ ما يملك الحقيقة المُطلَقَة كلها. بل كل طرف يملك مفهومًا خاصًّا عنها، ويتعيَّن عليه قبول فهم الآخرين لها، كي يقبلوا هم أيضًا فهمه أو مفهومه لذاته.
يفترض هذا التحول بدوره تغيرًا جذريًّا في مفهوم (الحقيقة) نفسه؛ فالحقيقة المطلقة (الله)، يعجز أي بشر عن الإلمام بها حتى الأنبياء والرسل. لأن الحقيقة المطلقة في بعض مستوياتها غير قابلة للكشف؛ ذلك لأن الإنسان الذي يدرك ويفهم كل الحقيقة المطلقة يتحول هو إلى أن يكون حقيقة مطلقة للحقيقة التي احتواها وفَهِمَ أبعادها وأدركها، وتتحول تلك الحقيقة المطلقة التي احتواها الإنسان حقيقة نسبية مُدرَكة وليست مطلقة. إذن ما هو لدينا جميعًا على اختلاف أدياننا وتوجهاتنا هو مجرد تصورات عنها، شرحها الوحي المقدس شرحًا مبسطًا لكي يفهمها الناس، فالوحي جاء بلُغَة البشر، وعلى قدر عقولهم ومحدوديتهم؛ فعندما يتحدث الوحي عن الله الجالس على العرش، فهو ملك الملوك، والملك والعرش تعبيرات بشرية للفهم، وعندما يقول الوحي إن الله يرى، فالله يرى لكن بغير عينين، وكيف يرى بغير عينين لا يستطيع إنسانٌ أن يدرك ذلك… إلخ هذه الأمثلة.
فما يحوزه الإنسان من معرفةٍ للحقيقة المطلقة جاء نتيجة تجلِّياتٍ لهذه الحقيقة وليست الحقيقة ذاتها؛ لأن الحقيقة المطلقة لا تتعدَّد، فلو افترضنا أن شخصًا واحدًا امتلكها لا يكون ممكنًا لشخص آخر -أيًّا كان- أن يمتلكها.
واحد هو ممتلكها، ومن ثم، فالجميع عدا شخص واحد/ مذهب واحد/ دين واحد من ممتلكيها، ولذلك فالجميع من غيره كفار، وفي الحقيقة العلمية مخطئون وفي القيم الإنسانية كاذبون وفي السياسة خونة وعملاء… إلخ. لذلك لا بد وأن ندرك أن الحقيقة بطبيعتها مُطلَقة في ذاتها، نسبية في فهمها، وفهمها بطريقة نسبية يتساوى بين البشر؛ إذ بقدر ما يطرح الشخص الإنساني من رؤى ذاتية عن الحقيقة المطلقة (الله)، يتعين عليه أن يؤمن بقدرة الآخرين جميعًا –وليس المميزين فقط– على طرح رؤى متمايزة، من هنا تأتي السماحةُ والعيش المشترك بين المختلفين.