حروب المعلومات الافتراضية!
- Sermon By: هاني لبيب
- Categories: دراسات متنوعة
أكثرها تأثيرًا وتدميرًا..
الجيل الرابع والخامس.. حروب المعلومات الافتراضية!
هاني لبيب
تعد الحروب ظاهرة إنسانية قديمة.. وعلى مر التاريخ الإنساني.. كانت النزاعات والحروب لها وجود في كافة العصور بين الممالك والإمبراطوريات القديمة، ودائمًا ما تترك الحروب خلفها الآلاف من القتلى والجرحى. وتندلع الحروب في بعض الأحيان من أجل حصول دولة ما على استقلاليتها، أو لدفاع شعب معين عن حريته واستقلاله وتحرير نفسه من أطماع دولة أخرى.. تكون قد فرضت هيمنتها بقوة السلاح.
ترتبط الحروب الآن بوضع نتيجة حاسمة للخلافات الدولية المرتبطة بالكيانات الاقتصادية والاجتماعية للدول الأطراف والمشاركة في الحرب بعد أن يتعثر حل النزاعات والخلافات بالطرق السلمية. والقاعدة الأساسية أنه لا توجد حرب عادلة.. في ظل سعي كل طرف للانتصار وتحقيق مكاسب على أرض الواقع في مقابل تكبيد الطرف المهزوم أكبر قدر من الخسائر التي من شأنها تمهيد الطريق لانكساره وتراجعه، وتدمير قوته. فضلًا عن عدم الالتزام بقواعد ومحاذير ما هو مسموح وغير مسموح في علاقات أطراف الحرب فيما يخص التعامل مع المدنيين ومع الأسرى وغيرها.. طبقًا للقوانين والأعراف والمواثيق والمعاهدات الدولية.
تعريفات
من أكثر التعريفات شيوعًا لمفهوم الحرب بأنها “قتال بين فئتين” حسب تعريف معجم المعاني الجامع. كما يرى العديد من المفكرين أن الحرب هي ظاهرة تعبِّر عن شكل من أشكال العنف الجماعي المنظم التي يصل تأثيرها إلى إعادة صياغة شكل العلاقات بين بلدين أو مجتمعين أو أكثر، وما يترتب على نتائج هذا العنف من تشكيل مراكز قوة جديدة سواء داخل المجتمع أو دولية.
أضرار الحروب
للحروب آثار سلبية ومؤثرة جدًّا على المجتمعات البشرية.. وعلى سيبل المثال:
- إهدار موارد الدولة وثرواتها.. مما يكون له تداعيات سلبية على الحياة اليومية للشعوب.
- الاستهانة بحياة العديد من المواطنين.
- التكلفة المادية الضخمة.. تتسبب في تراجع التقدم في البرامج والخطط الاقتصادية والاستثمارية للدول.
4 – زيادة معدل ارتكاب الجرائم، وشيوع مناخ الفوضى المجتمعية وعدم الاستقرار.
أنواع الحرب :
يصنف الخبراءُ الحروبَ على النحو التالي:
- الحرب الشاملة: مدمرة للغاية، ويتم فيها استخدام كل الوسائل لتدمير كل طرف للطرف المقابل، وذلك على غرار الحربين العالميتين الأولى والثانية.
- حرب العصابات “الميلشيات المسلحة”: استخدام المجموعات المسلحة بدلًا من الجيوش النظامية المدربة لإسقاط حكومات دولهم، على غرار: ما حدث للولايات المتحدة الأمريكية في حربها مع فيتنام.
- الحرب الأهلية: حرب بين مجموعات مختلفة من المواطنين داخل الدولة الواحدة بهدف السيطرة على الحكومة، وعدم الاعتراف بحق المنافسين من قبائل وعائلات وعشائر وأعراق وغيرهما في الحكم. على غرار: الحرب الأهلية الأمريكية بين ولايات الشمال والجنوب.
- الحرب بالوكالة: حرب يخوضها مرتزقة بدلًا من محاربة الدول الأعداء بنفسها بشكل مباشر. على غرار العديد من الصراعات العسكرية التي حدثت خلال الحرب الباردة: مثل الحرب الكورية وحرب فيتنام، والتي يمكن وصفها بأنها كانت حروب بالوكالة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
أجيال الحروب..
الجيل الأول: وهي الحروب التي كانت تُمارس باستخدام السيوف والسهام والعجلات الحربية. على غرار الحروب المنقوشة على جدران المعابد الفرعونية.
الجيل الثاني: وهي الحروب التي اعتمدت على استخدام البارود، واختراع البنادق والمدافع. على غرار معارك نابليون بونابرت.
الجيل الثالث: وتنقسم إلى..
– حروب تقليدية: استخدمت الدبابات والمدرعات والطائرات المقاتلة والمدمرات والبوارج والغواصات، واستخدمت القوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي والقوات الخاصة. على غرار الحرب العالمية الأولى.
– حروب نووية: باستخدام التكنولوجيا الحديثة في تطوير الأسلحة الفتاكة والأكثر تدميرًا. على غرار إلقاء الولايات المتحدة الأمريكية القنبلتين الذريتين على هيروشيما ونجازاكي في اليابان، ونهاية الحرب العالمية الثانية.
الجيل الرابع: ترتكز على هدم الدولة من الداخل، دون استخدام القوة العسكرية المباشرة، ثم فرض أجندة خارجية بشروط محددة. على غرار ما أُطلق عليه “ثورات الربيع العربي”.
الجيل الخامس: ترتكز على احتلال العقول لا الأرض، واستخدام العنف غير المسلح من خلال استخدام وتوظيف جماعات عقائدية مسلحة وعصابات التهريب المنظمة والتنظيمات الصغيرة المدربة من أجل صنع حروب داخلية لإسقاط الدول.
حروب المعلومات الافتراضية
من أخطر أنواع الحروب هي حروب الجيل الرابع والجيل الخامس لكونها ترتكز على هدم الدولة من الداخل من خلال الترويج لمعلومات وأفكار موجهة دون الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة.. لكونها تعتمد على استخدام وسائل الإعلام الحديثة للترويج لمعلومات محددة بهدف رسم صورة ذهنية تراكمية تصل في نهايتها لحالة الفوضى المطلوبة باستهداف عقول الشعوب. وتستخدم كافة الأدوات المتاحة سياسيًّا واجتماعيًّا ودينيًّا.. حتى لو وصل الأمر
إلى استخدام العنف الجسدي والقتل والتخريب والعمليات الإرهابية.
تاريخ
ظهر مصطلح “حروب الجيل الرابع” في نهاية ثمانينات القرن الماضي. وتم الترويج له بعد حرب الخليج بسبب ما تكبدته الولايات المتحدة الأمريكية من خسائر بشرية ومادية فادحة. وهو ما جعل مراكز الأبحاث الأمريكية تجتهد في وجود قواعد وحلول بديلة لأي حرب تكون هي طرف فيها. وأول هذه القواعد هو عدم التدخل في مواجهات مباشرة مع أعدائها، واستخدام المواجهات غير المباشرة.
لم يجد مفهوم “حروب الجيل الرابع” اهتمامًا لدينا سوى بعد ما أطلق غربيًّا على ما يحدث في البلاد العربية منذ بداية شهر يناير 2011 بـ”ثورات الربيع العربي”. والتي استهدفت الإطاحة بالأنظمة السياسية.. اعتراضًا واحتجاجًا على التحديات والمشكلات التي تواجه المواطنين في كافة مناحي الحياة. وزاد الاهتمام بمفهوم تلك الحرب بعد أن وصلت بعض المجتمعات العربية إلى حالة الصراع الداخلي المسلح أو ما يعرف بـ”الحروب الأهلية”. وما نتج عن ذلك من انتشار التنظيمات والجماعات الإرهابية التي استغلت حالة عدم الاستقرار والفوضى في المنطقة لمحاولة فرض شكل جديد يتخذ من الدين وسيلة لفرض دولة الخلافة التي تحقق لهم المزيد من الهيمنة والسيطرة لصالح تنفيذ أجندات ربما تكون أبعد وأكبر كثيرًا من طموحاتهم في مجرد تثبيت مكانتهم في السلطة والسيطرة. وهي مصالح لها ارتباط بمنظومة الاقتصاد العالمي خاصة في مجال السيطرة على مراكز الطاقة بالدرجة الأولى.
ويجب الانتباه هنا إلى أن حروب الجيلين الرابع والخامس.. لا تستهدف الجيوش النظامية بشكل مباشر لكونها تستخدم القوات والجماعات غير النظامية التي تتجاوز الولاءات والانتماءات الوطنية للأرض والوطن، وتوظيفها في الدفع بها للشارع تجنبًا لدخول في أزمة المواجهات المباشرة مع القوات المسلحة للدول المستهدفة.. بهدف تراجع الدولة وإجبارها على التخلي عن تحقيق مصالحها الوطنية لصالح أهداف دول خارجية، والوصول لحالة يتم الإحياء فيها بفشل الدولة، وفرض واقع جديد يتم فيه زعزعة الاستقرار وشيوع مناخ التشكيك والعمالة والخيانة للمزيد من الانقسام في المجتمع بين الشعب والحكومة وبين الشعب وقواته المسلحة. وهو ما يعني عدم التزام تلك الحروب بأي قواعد أو قيود أخلاقية.
أهداف حروب الجيل الرابع والخامس
ويمكن تحديدها بين أهداف داخلية وخارجية..
الداخلية:
- إنهاك قوة الدولة، وزعزعة استقرارها، وتشتيتها من خلال الانفجار الداخلي.
- تحفيز الانقسام والفرقة بين التيارات السياسية والاجتماعية من خلال نشر الفتن والشائعات والنزاعات.
- دعم ظهور العديد من الحركات الاحتجاجية، والتشكيك في الهوية الوطنية.
- تفتيت مؤسسات الدولة وإضعافها، وإفشال مخططات الدولة للتنمية والنهوض.
- اللجوء للاعتصامات والاحتجاجات لتعطيل الحياة اليومية.
- استخدام العنف واللجوء للتخريب والتدمير.
- توظيف الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي في تجنيد واستقطاب الشباب والمرأة.
الخارجية:
- إسقاط الدولة من الداخل.. دون التورط في الدخول العسكري.
- تجنب التورط في انتهاك القوانين الدولية، والاتهام باقتحام الشأن الداخلي للدول.
- القدرة على تشويه صورة النظام السياسي للدول المستهدفة.
- فرض العقوبات الاقتصادية، وتعليق المساعدات الدولية والإنسانية.
ومع ملاحظة، أن توظيف الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي للتأكيد على الحفاظ شكلًا على المؤسسة العسكرية للدول، والترويج افتراضيًّا بأهمية الحفاظ على قوة الدولة.. لكسب المزيد من المؤيدين والموالين، وتحييد من يرفض أفكارهم.


