يُشكِّل الكتابُ المُقدّس أساسًا للإيمان المسيحيّ عامَّةً وللإيمان الإنجيلي خاصَّةً؛ فمِن بداية الإصلاح الإنجيلي منذ 500 عام تقريبًا، كانت الصيحة الرئيسية والأساسية هي “الكتاب وحده”. وبالتالي نحن الإنجيليين نرى في الكتاب المُقدّس -الذي هو كلمة الله المكتوبة لنا- إعلانًا واضحًا للحق الإلهيّ الروحيّ، كما نجد أيضًا الضوء الذي يُنير لنا الطريق في جميع مناحي الحياة.
نحن لا نؤمن أن الكتاب تكلم في كل قضايا وشؤون الدين والدنيا، لكننا نؤمن أن الكتاب كُتب لغرض إعلان روحي، ولكننا أيضًا نستلهم منه قِيَمًا ومبادئ للحياة بأكملها؛ لأنه لا فصلَ بين الروحي والمادي، والمقدس والدنيوي، والزمني والأبدي، والإلهي والإنساني، وهذا ما رأيناه ومباشرةً وبحسمٍ في تجسُّد الكلمة؛ شخص ربنا ومخلصنا يسوع المسيح.
ومن هذا المنطلق أريد أن أتطرق إلى موضع مهم جدًّا، وهو موضوع الحوار، ونرى التأصيل اللاهوتي الكتابي لهذا المفهوم؛ حيُث إنه من القضايا المهمة التي يحتاجها عالمنا، ويحتاجها مجتمعنا العربي والمصري أيضًا. وفي البداية، أريد أن أعرض تعريف الحوار، ثمّ الأسس الكتابيّة للحوار، وأختم بتطبيقٍ لهذه الأسس الكتابيّة في حياتنا العمليّة.
ثانيًا: تعريف الحوار
يمكن تعريف الحوار بأنه محادثةٌ أو تبادلٌ للأفكار بين شخصين أو أكثر أو مجموعات. وهو ينطوي على تواصل -ذهابًا وإيابًا- حيث يستمع المشاركون بنشاط ويعبرون عن أفكارهم ووجهات نظرهم ويسعون إلى التفاهم المتبادل، ويتميز الحوار بالمشاركة المحترمة والمنفتحة، بهدف تعزيز التفاهم وحل النزاعات وبناء العلاقات، كما يؤكد على الاستماع النشط، والتعاطف، والرغبة الاطلاع على وجهات النظر المختلفة.
يهدف الحوار إلى خلق بيئة آمنة وبنَّاءة؛ حيث يمكن التعبير عن آراء متنوعة، وحيث يمكن للمشاركين العمل معًا من أجل إيجاد أرضيّة مشتركة أو حل الخلافات. ويعتبر الحوار هو الآلية الرئيسيّة والقناة الرسميّة لتعزيز التعدديّة والتنوع، واحترام وقبول الآخر، والحثّ على التماسك الاجتماعي، من خلق مجتمع حاضن للتنوع، ومحتَرِم للتعدديّة، وراغب في خلق أرضية مُشتَرَكة حقيقيَّة يقف عليها الجميع بتساوٍ ومن دون تمييز، وذلك يظهر في أهم مجالات الحوار هو الحوار بين أتباع الثقافات المختلفة.