غزة.. قضية عربية وإنسانية
- Sermon By: د. رامي عطا صديق
- Categories: دراسات متنوعة
غزة.. قضية عربية وإنسانية
- الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة أجبر الفلسطينيين على المقاومة
- المرأة والأطفال.. الفئات الأكثر تضررًا بسبب سوء التغذية والجفاف
- إدانة دولية واسعة للممارسات الإسرائيلية التي تُعتبر جريمة حرب
- حل الدولتين.. هل ينهي المشكلة؟
د. رامي عطا صديق
خلال الأشهر الماضية، وبالتحديد منذ أكتوبر 2023م، شغل قطاع غزة اهتمام العالم، شمالًا وجنوبًا.. شرقًا وغربًا، وأصبحت غزة حديث الصحف وغيرها من وسائل الإعلام العربية والعالمية، وإن كانت معاناة غزة تعود لسنوات طويلة، بسبب الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ما جعل أهل فلسطين في غزة يفكرون دومًا في المقاومة ومحاولة ردع القوات الإسرائيلية.
يُعدّ قطاع غزّة بموجب القانون الدولي تحت الاحتلال الإسرائيلي، على الرغم من الانسحاب أحادي الجانب من القطاع عام 2005م؛ إذ احتفظت إسرائيل بالسيطرة الكاملة على المنافذ البرية والبحرية والجوية، كما تسيطر السّلطات الاسرائيليّة على السجل السكاني في غزة وشبكات الاتصالات، سواء كانت شركات المحمول أو الاتصال بالإنترنت، إلى جانب السّيطرة على العديد من الجوانب الأخرى للحياة اليومية وجوانب البنية التحتية.
بالتّالي كان لدى إسرائيل القدرة على السّيطرة على عدّة مناحٍ من حياة السكان في قطاع غزة، في عقاب جماعيّ غير مسبوق، ما يُعدّ انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
حماس تسيطر والفلسطينيون يعانون
فازت حركــة حمــاس فــي الانتخابات التشريعية التي أُجريت في يناير 2006م، لتسيطر عسكريًّا على القطاع منذ يونيو 2007م، وتم الإعلان الإسرائيلي عن غزة “كيانًا معاديًّا”؛ ففرضت عقوبــات وقيود إضافيــة مشددة، مسّت بالحقوق الأساسية لسكان القطاع، ومن ذلك دخـــول المستلزمات الأساسيّة للمدنيين، مثل: الوقـــود والبضائع، والتّضييق على حركـــة الأفراد مـــن وإلـــى القطـــاع.
كما عملـت السـلطات الإسرائيلية علـى عـزل قطـاع غـزة، وفصلـه عـن باقي الأراضي الفلسطينية، وتحكمت السلطات الإسرائيليّة في كمية ونوعية البضائع والمواد التي تدخل إلى قطاع غزة، وحظرت المئات من المنتجات. الأمر الّذي أضرّ بالقطاع الاقتصاديّ، وأصاب القطاع بالرّكود الشّامل، كما أدّى إلى ارتفاع حاد في معدلات الفقر والبطالة. كما تأثر القطاع الصحي، فلا يتوفر تنوّعًا في الأصناف واللوازم الطبية الأساسية، وزاد عدد المرضى الموضوعين على قائمة الانتظار لأشهر بغرض تلقّي العلاج وإجراء العمليات الجراحية.
لقد دخل اقتصاد قطاع غزة ركودًا عامًّا منذ فرض الحصار الإسرائيلي، ما أدى إلى إغلاق شبه كامل للمعابر التجارية وقيود شديدة على حركة التجارة. حيث شنّت إسرائيل عدة هجمات عسكرية مدمّرة على القطاع خلال سنوات الحصار، أسفرت عن مقتل آلاف المدنيين وتدمير آلاف المنازل والمنشآت المدنية، وأحدثت دمارًا ضخمًا في مرافق البنى التحتية. وفاقمت الهجمات الإسرائيلية من تدهور الأوضاع الاقتصاديّة، وشلّت المرافق الاقتصادية، بسبب تدمير المصانع والشركات وفقدان الوظائف. أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فقد بلغت مساهمة قطاع غزة في الناتج المحلي الإجمالي لفلسطين أقل من 18% مع نهاية عام 2020م.
وضاعفت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، التي بدأت بالتفشي داخل القطاع في أغسطس 2020م ممَّا فاقم من الأزمات التي يعاني منها اقتصاد القطاع؛ إذ تسببت إجراءات الإغلاق لدواعٍ وقائيّة بزيادة معاناة العمال الذين يعملون بنظام اليومية. وبحسب اتحاد نقابات العمال فــي قطاع غزة، فقد أصبح حوالي 160 ألف عامل عاطلًا عن العمل، أو أوقفوا مؤقتًا عن العمل بسبب الإغلاقات الوقائيّة. كما أنّ الأجور اليومية التـي يتحصّل عليها العمال منخفضة جدًّا، تجعلهم عاجزين عن إدارة شؤونهم الماليّة في فترة الإغلاقات. سيّما أنّ متوسط الأجر اليومي للعامل يعادل 3 $، وهو ما لا يتناسب مع الظروف المعيشية الإنسانيّة وغلاء الأسعار.
عملية طوفان الأقصى
ربما من هنا كان التفكير المستمر من جانب الفلسطينيين في المقاومة؛ ففي السابع من أكتوبر الماضي (2023م)، استطاع مقاتلون من فصائل المقاومة الفلسطينية، تنفيذ عملية “طوفان الأقصى”، حيث تم اجتياز حاجز إسرائيل- غزة إلى منطقة غلاف غزة، بالإضافة إلى إطلاق الصواريخ على إسرائيل، وأخذ رهائن، ومن هنا أعلنت إسرائيل الحرب على حركة حماس، واستدعت “300” ألف جندي احتياطي لتنفيذ العملية العسكرية الإسرائيلية.
فرضت إسرائيل حصارًا شاملًا على قطاع غزة في 9 أكتوبر 2023م، وقد شمل منع دخول الغذاء والماء والدواء والوقود والكهرباء. وقالت إسرائيل إنَّ رفع الحصار عن غزة لن يتمَّ إلا بعد عودة الرهائن الذين اختطفتهم حماس بسلام إلى وطنهم.
في أعقاب الحرب الفلسطينية- الإسرائيلية 2023م فُرض حصار أكبر وأضيق وأكثر شمولًا في 9 أكتوبر 2023م، وهي المرة الأولى التي يُفرض فيها مثل هذا الحصار على هذا النحو، إذ تقع المعابر الحدودية في غزة على طول الحدود بين إسرائيل ومصر منذ 2005م، تحت سيطرة إسرائيل بالأساس مع مصر.
كما ضربت إسرائيل عددًا من المستشفيات والمراكز الصحية في غزة، مثل المستشفى المعمداني، إذ ادعت السلطات الإسرائيلية اختفاء بعض عناصر المقاومة به.
تضامن عربي ودولي
منذ أن بدأت هجمات إسرائيل على قطاع غزة، تضامنت كثير من الدول العربية مع الشعب الفلسطيني؛ حيث أعلنت الأردن عبر بيان صدر عن الديوان الملكي الهاشمي يفضي بالتنسيق مع مصر، بغية إيصال مساعدات إلى غزة عن طريق معبر رفح الحدودي، ومن جانبها حذَّرت مصادر أمنية مصرية من وجود نوايا لتصفية الأراضي الفلسطينية من سكانها، عقب تصريحات لمسؤول إسرائيلي هدد فيها النازحين من القطاع وأمرهم بالتَّوجُّه إلى مصر. الأمر الذي رفضته القيادة السياسية المصرية، منعًا لتصفية القضية الفلسطينية وتفريغها من مضمونها، مع استمرار تقديم الدعم للفلسطينيين في غزة، من حيث المستلزمات الطبية والمواد الغذائية، من خلال المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، حيث شارك المجتمع المدني المصري في إمداد غزة بالمعونات قدر المستطاع.
خسائر الحصار الإسرائيلي
في 2 أبريل 2024 أوضح تقرير مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة أن تكلفة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية في قطاع غزة، في الفترة ما بين أكتوبر 2023 وحتى يناير2024، تقدر بنحو 18.5 مليار دولار، أي ما يعادل 97% من إجمالي الناتج المحلي للضفة الغربية وقطاع غزة معًا عام 2022م.
محاولات مجلس الأمن
بعد أكثر من خمسة أشهر من الحرب، وفي 25 مارس 2024م، اعتمد مجلس الأمن الدولي قراره الأول الذي يُطالب بوقف فوري لإطلاق النار في غزة خلال شهر رمضان بما يؤدي إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وذلك بتأييد 14 عضوًا وامتناع الولايات المتحدة الأمريكية عن التصويت. وحظي قرار مجلس الأمن بتأييد دولي وعربي واسع النطاق خاصةً وأنها المرة الأولى التي يتبنى فيها قرارًا بوقف إطلاق النار في غزة والذي عطلته الولايات المتحدة عدة مرات من قبل.
المرأة والأطفال الأكثر تضررًا
هكذا يشير الواقع إلى أنه من بين أكثر الفئات تضررًا من العدوان الإسرائيلي على غزة هم الأطفال والنساء! بسبب سوء التغذية والجفاف. وأن سنوات طويلة يواجه فيها الفلسطينيون ومن بينهم الأطفال والنساء ومعهم المسنون والشيوخ، كثيرًا من المعاناة والحياة غير الآدمية وغير الإنسانية. وهكذا فإن الأطفال والنساء في فلسطين وحول العالم هم الأكثر مُعاناة من الحروب والصراعات المسلحة، وما يُصاحبها من مشكلات تتعلق بالنواحي الأمنية والصحية والتعليمية والغذائية، فضلًا عن التأثيرات النفسية والاجتماعية.
ولعل اللافت للنظر هنا والمُثير للانتباه هو أن يحدث هذا على مسمع من المجتمع الدولي بمؤسساته السياسية والحقوقية، وأن يقع ما نشاهده عبر وكالات الأنباء والقنوات التليفزيونية والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي أمام مرأى من حكومات العالم، التي يتجاهل بعضها ويتغاضى عن العدوان الذي تمارسه حكومات إسرائيل المتعاقبة بحق الشعب الفلسطيني صاحب الحق وصاحب الأرض.
إننا لا نتخيل الأطفال إلا وهم يمضون يومهم في البيت والحضانة أو في المدرسة والنادي ودور العبادة… يتعلمون الموسيقى والرسم والتلوين، ويكتسبون مهارات حياتية، ويلعبون في الحدائق ويسعدون بالمنتزهات وشاطئ البحر، ويتجولون بحريةٍ وأمان مع ذويهم من الآباء والأمهات في الشوارع والميادين، وبالإجمال يعيشون الحياة بفرح وهدوء وسلام، ما يؤهلهم لأن يكونوا مواطنين صالحين للوطن وأناسًا نافعين للمجتمع الإنساني.


