مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

الفكر اللاهوتيُّ والعلم: رؤية مسيحيَّة مُصلَحة

Watch Now

Download

الفكر اللاهوتيُّ والعلم: رؤية مسيحيَّة مُصلَحة

 

الفكر اللاهوتيُّ والعلم: رؤية مسيحيَّة مُصلَحة

القسّ عادل عبد المسيح ثابت

 مقدمة

في هذه الورقة[1] أقدم طرحًا مؤدَّاه أن الرؤية المصلحة للعالم تساعدنا في فهم أفضل للعلاقة بين الإيمان والعلم، وأن الصراع الحقيقي والخفي هو بين رؤى مختلفة للعالم والإنسان، وليس بين الإيمان والعلم. ولكي أوضح هذا الطرح، سأقدم أولًا مفهوم “الرؤية للعالم Worldview“، كمفهوم مركزي في هذه المناقشة. ثانيًا، سأقدِّم رؤيةَ المذهب الطبيعي، وهي رؤيةٌ ماديَّةٌ للعالم والتي يقول أصحابها إنها تمثل جزءًا أساسيًّا من الرؤية العلمية للعالم Scientism“”، والتي تجعل من العلم أمرًا مطلقًا يمكن من خلاله تفسير معنى الحياة الإنسانية والغاية منها. وتشير هذه النزعة أساسًا -المذهب الطبيعي- إلى كون الطبيعة هي المصدر الأساسي والجوهري لكل ما هو موجود، وإلى محاولة تفسير كل شيء وفقًا لقوانين الطبيعة. وبعد ذلك، ثالثًا، سأقدم للرؤية الدينية المسيحية المصلحة للعالم مبينًا أنها تساعدنا على فهم العلاقة بين الإيمان والعلم على نحو أفضل.

أولًا: الرؤية للعالم والحياة Worldview

هو مصطلحٌ فلسفيٌّ ظهر في الفلسفة الألمانية ويعني world and life view أي الرؤية للحياة والعالم. وأول من استخدمه هو الفيلسوف الألماني كانط، وهو مصطلح مُفضَّل لدى اللاهوتيين الهولنديين الذين ينتمون للكالفينية الجديدة هو يعني ببساطة (وجهة نظر للحياة) ويعني كل مبادئ الشخص واعتقاداته. وتعريفه هو الإطار المفاهيمي لاعتقادات الشخص الأساسية بخصوص الأشياء. ويحتوي هذا التعريف على:

الرؤية للعالم: أمر من اعتقادات الشخص وليس مشاعر أو آراء، ولكن يحمل ادِّعاءً معرفيًّا وإدراكيًّا يمكن الدفاع عنه بالحجج.

الرؤية للعالم: يجب أن تتعامل مع الاعتقادات الأساسية بخصوص الأشياء. يجب أن تتعامل مع الأسئلة المطلَقة والنهائية التي نواجهها، إنها تحتوي على المبادئ العامة. معنى الحياة؟ ما الغاية والمصير للوجود الإنساني؟ هل العنف صحيح بأي شكل من الأشكال؟ هل توجد معايير للحياة الإنسانية؟ هل توجد دلالة للألم؟

تقود هذه الاعتقادات من نحو الأشياء إلى نسق محدد. وعندما تكون الرؤية جادة تكون متَّسقة وغير ساذجة. يمكن أن يوجد عدم اتساق في رؤانا، ليس فقط إذا كان هناك تضارب بين الاعتقادات، بل أيضًا إذا فشلنا في الحياة بانسجام مع ما نؤمن به ونعتقد فيه. إذا كانت الأفعال بعيدةً عمَّا نعتقد، فإننا نحاول تغيير إما أفعالنا أو اعتقاداتنا. فلا يمكننا أن نظل في صحةٍ فكريةٍ إلى مدةٍ طويلةٍ إذا كنا لا نقوم بمجهود لحل هذا الصراع أو التناقض.

إن كل شخص لديه W.V من نوعٍ ما. عند مناقشة معظم الناس عن رؤيتهم للحياة والعالم، ربما لا يعرفون إجابةً، ولكن سوف تنشأ اعتقاداتهم الأساسية بسرعة كافية عندما يواجهون طوارئ عملية، ويواجهون القضايا المعاصرة، مثل ما رأيكم تجاه: الكرازة؟ حوار الحضارات؟ حب السلام؟ الشيوعية؟ الشذوذ الجنسي؟ عقوبة الإعدام؟ وكون أن لديَّ W.V هو ببساطة جزء من كوني موجودًا إنسانيًّا ناضجًا.

 دور الـ W.V في حياتنا؟

تقوم بعمل المرشد، وخريطة لما هو صواب وما هو خطأ. ومن السمات الإنسانية أنه لا يمكننا أن نعيش بدون هذا التوجيه والإرشاد؛ لأننا مخلوقاتٌ مسؤولةٌ ونحتاج إلى عقيدةٍ نحيا بها. ومن المهم أن نلاحظ أن رؤانا وحُجَجَنا ليست هي فقط المتأثرة بالـ W.V ولكن كل قراراتنا أيضًا: مثل هل ننخرط في السياسة؟ هذه الرؤية للعلاقة بين الـ W.V وتصرفاتنا أنكرها العديد من المفكرين:

– الماركسية: ما يرشد سلوكنا هو الصراع الطبقي

– كثير من علماء النفس: ديناميكية حياتنا الشعورية هي التي تحكم سلوكنا واعتقاداتنا، تكون هنا مُنقادة وليست قائدةً، فهي عقلنة للشعور. وعلماء نفس آخرون يرون أن أفعالنا مشروطة بدافع فيزيائي من البيئة الخارجية (السلوك الشَّرْطي).

– إن كل هذا محل اهتمام لأن السلوك الإنساني معقَّد ويشمل كل هذه الجوانب، ولكن السؤال ما هو العامل الحاسم والأهم في تفسير السلوك الإنساني؟ الإجابة هي (الاعتقاد). وهذا في حد ذاته نوع من الـ W.V وما قدمه هؤلاء المفكرون هو نوع من الـ W.V عن رؤيتهم للموجود الإنسانيّ.

ما العلاقة بين الـ W.V والكتب المقدسة؟

يجب أن تتشكل وتُـختَبَر بواسطة الكتب المقدسة، وهذا يعني أنه هناك فجوة ذات معنى بين هؤلاء الذين يقبلون الكتب المقدسة باعتبارها كلمة الله، وبين أولئك الذين لا يقبلونها على أنها كذلك. ويعني أيضًا أن على المسيحيين أن يفحصوا باستمرار اعتقاداتهم للحياة والعالم المناقضة للكتب المقدسة؛ لأن الفشل في ذلك سيجعل هناك ميلًا شديدًا لتشكيل العديد من الاعتقادات، وحتى الأساسية منها من الثقافة التي تمت عَلْمَنَتُها. نحن نعترف بسلطان الكتاب المقدس كسلطانٍ إلهيٍّ؛ أي يعلو فوق كل سلطان آخر. وهناك ضغط على المسيحيين لتأكيد إدراكهم بسلطان الكتاب والتقيُّد به في كل دوائر الحياة، وهذا الضغط هو ثمرةٌ للرؤية العلمانية للحياة والعالم.

إن مركز الكتاب المقدس هو التعليم، ولا يوجد نصٌّ لا يعلِّمنا شيئًا عن الله وعلاقته بنا. والشهادة والاعتراف هنا يكون عمليًّا في الحياة والموت وعلاقة المسير العهديّ مع الله. وهو ما قاله بولس في رومية 2: 12 “تجديد الذهن”.

إننا نظن أنَّ الكتاب المقدس يعلِّمنا فقط عن المعمودية والصلاة والاختيار والعقيدة عن الكنيسة، ولكنه يتكلم أيضًا بشكل أساسي عن كل شيء في حياتنا، بما فيها التكنولوجيا والاقتصاد والعلم. إن منظور التعليم الكتابي يشمل الشؤون العادية ويعني ذلك أن نأخذ بشكل جاد الكتاب المقدس وتعاليمه بالنسبة لمجمل حضارتنا الآن.

علاقة الـ W. V مع اللاهوت والفلسفة؟

هناك اتجاه يقول: فهمُنا للأشياء اعتمادًا على سلطان الكتاب المقدس يُسمَّى “لاهوت”، وفهمنا للأشياء اعتمادًا على سلطان العقل يُسمَّى “فلسفة”. وهذا افتراضٌ خاطئٌ يقوم على أساس أن اللاهوت لا يمكن أن يكون إنسانيًّا وأن الفلسفة لا يمكن أن تكون كتابيةً. إنَّ الفلسفة واللاهوت مجالان متخصصان، والحال ليس كذلك مع W. V لأنها هي ما قبل العلمي بينما الفلسفة واللاهوت علميان. ويمكن التمييز بين الفلسفة واللاهوت من خلال مصطلحين هما: structure الفلسفة، direction اللاهوت.

ثانيًا: المذهب الطبيعي والعلموية (المذهب العلمي) Scientism

كما أشرنا إلى أن المذهب الطبيعي هو محاولة تفسير كل شيء وفقًا لقوانين الطبيعة، وبالتالي فهو -كما يذهب الطبيعيون- يدعم العلموية. والعلموية كلمة غريبة إلى حد ما، ولكن لأسباب سوف نراها فهي كلمة مفيدة. ورغم أن المصطلح تم صكه حديثًا إلا أنه مرتبط بالعديد من الاعتقادات والمبادئ الأخرى مثل: المذهب المادي، المذهب الطبيعي، المذهب التجريبي، الوضعية.

تعريف العلموية:

يعرف Richard G. Olson العلموية بأنها: “السعي أو المجهودات لتطبيق الأفكار والمناهج والممارسات والاتجاهات العلمية على الشؤون السياسية والاجتماعية الإنسانية” ويعرفها Tom Sorell بأن “المذهب العلمي هو مسألة وضع قيمة مطلقة في العلوم الطبيعية مقارنةً بفروع التعليم أو الثقافة الأخرى”، كما يعرفها Lan Hutchinson بأنها “العلم، كما يظهر بشكل نموذجي في العلوم الطبيعية، هو المصدر الوحيد للمعرفة الحقيقية”.

تاريخ المذهب العلمي

الثورة العلمية

إن جذور المذهب العلمي تعود إلى القرن 17 في أوروبا، فيما يعرف في هذا العصر بالثورة العلمية. حتى هذه اللحظة كان معظم العلماء مختلفين بخصوص التقليد الفكري وبشكل خاص بالكتب المقدسة المسيحية واليهودية وأيضًا الفلسفة اليونانية. ولكن السيل الجارف من التعليم الجديد في أواخر عصر النهضة بدأ يتحدى سلطان القدماء وبدأت الأسس تتصدع. ترأس فرانسيس بيكون ورينيه ديكارت وجاليليو وقادوا حركة عالمية تعلن أساسًا جديدًا للتعليم، والذي يحتوي على فحص دقيق للطبيعة بدلًا من تحليل النصوص القديمة. استخدم بيكون وديكارت أسلوبًا قويًّا لتأسيس منهجهم الجديد، وقالا إنه بتعلم كيفية عمل النظام الفيزيائي الطبيعي، فإنه بمقدورنا أن نصبح أسياد الطبيعة ومُلَّاكَها-مقابل فكرة التكليف الإلهي.

وفي فعل ذلك، يمكن للإنسانية أن تتغلَّب على الجوع من خلال ابتكارات الزراعة، وأن نحدَّ من الأمراض من خلال الأبحاث الطبية، وفوق الكل يمكننا أن ندعم حياةً أكثر جودةً من خلال التكنولوجيا والصناعة بشكل مطلق. فإنه يمكن للعلم أن يحفظ الإنسانية من الآلام غير الضرورية ومن ميول الناس لتدمير أنفسهم، وأن العلم يَعِد بتحقيق هذه الأهداف في هذا العالم وليس في الحياة الأخرى. هذا المنهج الجديد لاقى نجاحًا كبيرًا، وبدأ المذهب العلمي في الانتشار وكان ديكارت قد صوَّر العالم وكأنه آلةٌ عملاقةٌ.

ثم في القرن التالي (التنوير في القرن 18) واصل العديدُ من مفكري التنوير هيامهم بقدرة العلوم الطبيعية، وقد ادعوا أن العلم ليس فقط يستطيع تحسين نوعية الحياة الإنسانية، بل أيضًا يمكن للعلم أن يعزز التقدم الأخلاقي، حتى أن الموسوعي Denis Diderot عمد إلى جمع وتنظيم وحفظ كل المعارف الإنسانية حتى يصبح أطفالنا -بعد أن يكونوا أفضل تعليمًا- أفضل فضيلةً وسعادةً في نفس الوقت. كما أن العديد من الفلاسفة الفرنسيين ادعوا حتى أن العلم يمكنه أن يكون بديلًا للدين.

ثم كانت الوضعية في القرن 19 وكانت أقوى صورة للمذهب الطبيعي، وذلك مع أوجست كونت، والذي بنى فلسفته الوضعية على تجريبية ديفيد هيوم ومذهبه الشكِّي. وكان أن ادَّعى أوجست كونت أن المعلومات الصالحة يمكن الحصول عليها فقط من خلال الإحساس، فلا شيء مفارق ولا شيء ميتافيزيقي يمكن أن يكون صالحًا.

وفسر كونت الفكر الإنساني بثلاث مراحل هم: المرحلة اللاهوتية؛ أي تفسير الظواهر بالكائنات الغيبية، والمرحلة الميتافيزيقية؛ وهي التفكير المجرد، وأخيرًا المرحلة الوضعية؛ وهي المرحلة العلمية. ولقد كان كونت يعتقد أنه من خلال التقدم المستمر للفهم البشري سيتلاشى الدينُ، وستتحول الفلسفةُ والعلوم الإنسانية إلى أساس طبيعي، وستصبح المعرفة البشرية في النهاية نتاجًا للعلم، وأن أية أفكار خارج هذا المجال ستكون مجرَّدَ خيال أو خرافة.

في القرن العشرين قويت الوضعيةُ وتطورت من خلال الوضعية المنطقية، والتي أخذت طريقها من خلال حلقة فيينا وقامت بتنشيط المبادئ الأساسية للوضعية مع المنطق الرمزي ونظرية الدلالة. وقالوا إن هناك نوعين فقط من العبارات ذات معنى؛ العبارات التحليلية والعبارات التجريبية، وأن أي شيء خارجهما هو بلا معنى.