مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

البابا أثناسيوس الرسولي في ذاكرة القبط

Watch Now

Download

البابا أثناسيوس الرسولي في ذاكرة القبط

منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى يومنا هذا، حظي مفهوم “الذاكرة” بأهمية بالغة في عدد من مجالات الدراسات الإنسانية. ويُعزى انطلاق حقل دراسات الذاكرة إلى العمل الرائد الذي قَدَّمه الـمُنظِّر موريس هالبفاكس (Maurice Halbwachs)،[1] إذ اعتبر أن الذاكرة ليست مجرد عملية عقلية فردية لاستحضار أحداث من الماضي، بل إنها أداة تتيح لجماعة بشرية ما تشكيل هويتهم الـجَمعية الموحدة. وقد برهن هالبفاكس على أن الذاكرة لا تُعيد بناء الماضي من أجل ذاته، بل من أجل الحاضر، وخصوصًا عندما تتعلق بالجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها مَن يتذكر. وبهذا تُصبح الذاكرة الجمعية وسيلة لتحديد هوية الجماعة الإنسانية.[2]

تابع بيير نورا (Pierre Nora) مشروع هالبفاكس وطوَّره في عدة مؤلفات ضخمة؛[3] إذ ركَّز على ما أسماه “أمكنة الذاكرة” (Lieux de Mémoire) التي تحتفظ فيها المجتمعات بذكرياتها. وتوصَّل نورا إلى أن الذاكرة الجمعية يمكن أن تتجلى في طيف واسع من الأشكال، كالمعالم الأثرية، والشخصيات، والرموز، والطقوس. وقد تناولت مجلدات نورا، من بين ما تناولته، الهوية اليونانية والرومانية في العصور القديمة بالتحليل الدقيق.[4]

أما يان أسمان (Jan Assmann)، فقد قدَّم إضافات نوعية إلى هذا الحقل فاقت سابقيه، مميزًا بين نمطين من الذاكرة الجمعية: الذاكرة التواصلية (Communicative Memory)، وهي التي تمتد لما يقرب من 80 إلى 100 عام، وتشمل الجيل الذي ينقل ذكرياته عن أحداث وشخصيات معينة إلى الجيل التالي، وبعد هذه الفترة الزمنية، تحل محلَّها ما يُعرف بالذاكرة الثقافية (Cultural Memory)، وتُعد الذاكرة الثقافية وسيلة تستعيد بها الجماعة الإنسانية تشكيل هويتها مِن خلال تمثيلات ثقافية وتجليات متنوعة. ويُناط بمجموعات معينة من الأفراد مسؤولية هذا الانتقال من الذاكرة التواصلية إلى الذاكرة الثقافية، من خلال الحفاظ على هذه الذاكرة عبر عديد من الوسائط يتجلى من بينها النصوص الأدبية القديمة. هذه الجماعة من الأفراد تسمى بحسب أسمان “خبراء الذاكرة” أي المسؤولون عن صياغتها.[5]

وانطلاقًا من ذلك، فإن الأدب الذي تنتجه جماعة دينية أو اجتماعية ما يعكس هويتها كما أرادت أن تعرضها. وتُظهِر النصوص الأدبية القديمة التاريخ المرتبط بالهوية كما أراد مؤلفوها أن يُروى؛ إذ يلعب السارِد في هذه المدونات دورين متداخلين: المشارك في الحدث، والراوي له.[6] كما أن عملية التذكر وتغييب بعض الوقائع في هذه النصوص تتيح لنا اليوم أن نفهم الماضي بطرائق مختلفة.[7] وبعبارة أخرى فإن الذاكرة الجمعية يمكن أن تُدرس من زوايا متعددة، من بينها الأدب.[8]

وفي هذا السياق، استثمر عالِمان من المتخصصين في القبطيات مفاهيم الذاكرة في أبحاثهما. فقد أشار هوجو لوندهاوج (Hugo Lundhaug) إلى التداخل بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية عند دراسة الأدب الرهباني المنسوب إلى كلٍّ من الأنبا باخوميوس والأنبا شنودة،[9] مُركزًا على طريقة تذكُّر الرهبان المقيمين معًا لمقاطع معينة من الكتاب المقدس، وكيف أثَّر ذلك في حياتهم اليومية وظهر في كتاباتهم.[10] أما مالكوم تشوت (Malcolm Choat)، فقد فحص عشرات النقوش القبطية في مواقع رهبانية متعددة في مصر، وهي في الغالب قوائم من الأسماء تبدأ بذكر الثالوث الأقدس، ثم أسماء عدد من القديسين، ثم مؤسس المنطقة الرهبانية، وتنتهي بساكن القلاية الحالي حيث كُتبت قوائم الأسماء على جدرانها.[11] وقد خلُص تشوت إلى أن هذه القوائم تؤدي وظيفة “الدعامة” للذاكرة الجمعية للرهبنة؛ إذ تربط بين السماء بالأرض، مِن الراهب المعاصر إلى اسم الرب نفسه، مرورًا بقديسي الجماعة الرهبانية المحلية.[12] وقد تمكَّن كلٌّ من لوندهاوج وتشوت من توظيف مفاهيم دراسات الذاكرة لتقديم فهم أعمق للنصوص القديمة وتفسير أسباب وجودها بهذا الشكل المحدد.

ومن جهة أخرى، يدور ما يقرب من أربعين من النصوص القبطية[13] حول شخصية القديس أثناسيوس الإسكندري، البطريرك العشرين للإسكندرية (حوالي 296/298–2مايو 373م).[14] وتشمل هذه النصوص خليطًا من أنواع شتى من الأدب، مثل التفسيرات الكتابية، والرسائل الفصحية، والكتابات الرهبانية، والخطب الوعظية. أما من ناحية الأصالة، فإن غالبية هذه الأعمال القبطية غير أصيلة، والقليل منها لم يزل محل جدل، والقليل جدًّا يُعد أصيلًا.[15] وعلى الرغم من أن معظم هذه النصوص غير محفوظة باللغة اليونانية -اللغة التي كَتَبَ وتكلم بها أثناسيوس نفسه- إلا أن هناك احتمالًا قويًّا بأنها أُلِّفت أصلًا بهذه اللغة.

ويركِّز هذا المقال على الكتابات المنتحلة على اسم أثناسيوس والمحفوظة باللغة القبطية، بالإضافة إلى نصوص أخرى دُوِّنت بعد نياحته بعدة قرون، لتمجيد شخصه. وقد أُدرِجت سيرة عربية لأثناسيوس في إطار هذه الدراسة نظرًا لكونها تمثل نسخة كاملة من سيرة قبطية وصلتنا غير كاملة. ويُراد من تحليل هذه النصوص الوقوف على الكيفية التي حَفَظَ بها الأقباط ذِكرى أثناسيوس الإسكندري في ذاكرتهم الجمعية عبر الزمن، وفيما إذا كان بالإمكان استكشاف الدوافع الكامنة وراء ذلك.

في عظة قصيرة، ولكنها مكتملة، عنوانها: “عن الإخوة الذين قدموا إلينا” (CPG 2186, Clavis Coptica 0047)،[16] يرحب أثناسيوس بجماعة من الرهبان ويلقي عليهم خطابًا. ولا يُذكر في نص العظة مناسبة الزيارة، ولا يُعطى أي إطار زمني لها، غير أن العظة تنقل مديحًا واضحًا للرهبان بوصفهم “أبناء المصلوب” و”صورة آبائنا”، وتُمجِّد طهارتهم وكفاحهم ضد الشيطان. ويستعين الكاتب ببركة موسى للاوي ويسقطها على الرهبان.[17] وقد بدأ النص بعنوانه الذي ذُكِرَ فيه اسم أثناسيوس الإسكندري مباشرةً بعد العنوان كمؤلف بشكل صريح، والنص محفوظ فقط باللغة القبطية في مخطوط وحيد يعود إلى القرن الحادي عشر.[18]

ومن الواضح أن هذا النص لا يُعَدُّ رسالة؛ إذ يخاطب فيه المؤلف جمعًا من الرهبان حاضرين أمامه، لكن من الممكن أن يكون إعادة تحرير لاحقة لرسالة. ونظرًا لورود النص في سياق رهباني، فإنه يُعد تأييدًا صريحًا للرهبنة من قِبل بطريرك الإسكندرية. ويعكس النص في الوقت ذاته طبيعة العلاقة الوطيدة بين أثناسيوس نفسه والرهبان، حيث يظهر هؤلاء كأصدقاء يزورونه بانتظام ويستمعون إلى مواعظه. وقد سبق للباحث مناقشة هذا الموضوع -علاقة أثناسيوس بالرهبنة- في ضوء بعض النصوص المنتحلة على اسمه في مقال سابق.[19]

[1] Maurice Halbwachs, La mémoire collective (Paris: Presses Universitaires de France, 1950).

[2] Maurice Halbwachs, On Collective Memory, edited, translated with an Introduction by Lewis A. Coser (Chicago: The University of Chicago Press, 1992), 46-51.

[3] Pierre Nora, Les lieux de mémoire. 3 vols. (Paris: Gallimard, 1984-1992).

[4] Pierre Nora, “Between Memory and History: Les lieux de mémoire,Representation 26 (1989): 7-24.

[5] Jan Assmann, Das kulturelle Gedächtnis: Schrift, Erinnerung und politische Identität in frühen Hochkulturen (München: C.H. Beck, 2000), 48-66.

[6] Michel-Rolph Trouillot, Silencing the Past: Power and the Production of History (Boston: Beacon, 1995), 2.

[7] Monika Palmberger, How Generations Remember: Conflicting Histories and Shared Memories in Post-War Bosnia and Herzegovina (London: The Palgrave Macmillan, 2016), 12.

[8] Jeffrey A. Barash, Collective Memory and the Historical Past (Chicago: University of Chicago Press, 2016), 211.

[9] See Hugo Lundhaug, “Memory and Early Monastic Literary Practices: A Cognitive Perspective,” Journal of Cognitive Historiography 1 (2014): 114-116.

[10] Lundhaug, “Memory and Early Monastic Literary Practices,”: 109-110.

[11] Malcolm Choat, “Narratives of Monastic Genealogy in Coptic Inscriptions,” Religion in the Roman Empire 3 (2015): 410-413.

[12] Choat, “Narratives of Monastic Genealogy,”: 424-425.

[13] بدأ بيرند فيتا محاولة حصر هذه النصوص، واستكمل موقع الأطلس الجغرافي للأدب القبطي بقية العمل، راجع:

Bernd Witte, “Koptische Tradition,” in Peter Gemeinhardt (ed.), Athanasius Handbuch (Tübingen: Mohr Siebeck, 2011), 390-397; https://atlas.paths-erc.eu/authors/23, accessed in February 2024.

[14] For his life, see David M. Gwynn, Athanasius of Alexandria: Bishop, Theologian, Ascetic, Father (Oxford: Oxford University Press, 2012).

[15] دراسة وحيدة تناولت القواعد التي يحكم بها على مدى مصداقية نسبة النص إلى البابا أثناسيوس، وهي:

David Brakke, “The Authenticity of the Ascetic Athanasiana,” Orientalia 63 (1994): 17-56.

[16] Arnold van Lantschoot, “Une Allocution à des moines en visite chez S. Athanase,” Angelicum 20 (1943): 249-253.

[17] van Lantschoot, “Une Allocution à des moines,”: 253, n. 6.

[18] Brakke, “The Authenticity of the Ascetic Athanasiana,”: 34-44.

[19] Ibrahim Saweros, “The Perception of St. Athanasius of Alexandria in Later Coptic Literature,” in Gawdat Gabra and Hany N. Takla (eds.), Christianity and Monasticism in Northern Egypt (Cairo: The American University in Cairo Press, 2017), 109-117.