مستقبل التشريعات المصرية حول الميراث والتبني لدى المصريين المسيحيين
- Sermon By: القس عيد صلاح
- Categories: دراسات متنوعة
مُقَدِّمَةٌ:
يتناول هذا البحث، قضيتين مركزيتين تمثلان محور الاهتمام لدى المصريين المسيحيين: الميراث والتبني، من منظور الفكر المسيحيّ ومستقبل التشريع الوطنيّ. يتناول البحث طبيعة المشكلة وموقف الإنجيل منها، من خلال استعراض الأسس اللاهوتية التي تؤكِّد على مبدأ المساواة في الميراث وأهمية حماية الأسرة والطفل من خلال التبني، إضافة إلى الدور الثوريّ الذي لعبه الإنجيل في إعادة صياغة العلاقات الإنسانية والاجتماعية. بعد ذلك، يستعرض البحث القوانين الكنسية التي تناولت الميراث والتبني، ويقف على الإطار التشريعيّ المصريّ، وصولًا إلى نصوص دستور 2014م، والأحكام القضائية التي تناولت هذه القضايا. ويهدف البحث إلى تقديم تصور مستقبليّ للتشريع في ضوء مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد للمصريين المسيحيين المزمع إقراره. تنقسم الدراسة إلى محورين: الأول يتناول مستقبل التشريعات المتعلقة بالميراث لدى المصريين المسيحيين، والثاني يتناول التبني في المسيحية بين المفهوم النظريّ والواقع العمليّ.
المحور الأول: مستقبل التشريعات حول الميراث لدى المصريين المسيحيين([1])
تُعَدُّ قضية الميراث من القضايا الهامة التي دائمًا ما تتصدر المشهد بعد غياب المورِّث لدى الأسر المسيحية، وتثور مشكلات كثيرة حولها، فقهًا وتطبيقًا، من ناحية التوزيع، والموقف من المرأة في الميراث، وذلك نتيجة للثقافة الذكورية والمجتمع البطريركيّ (الأبويّ). ولا سيما في قضية عدم التساوي بين الذكر والأنثى في الميراث، أو النظرة المتدنية للمرأة “وهي من المعيقات الاجتماعية الناجمة عن الثقافة الذكورية السائدة في المجتمع”.([2])
وبصفة خاصة تحتل قضية الميراث في الصعيد مكانة خلافية بارزة بالرغم من التحولات الاجتماعية الكبيرة وحصول المرأة على الكثير من الحقوق -وإن لم تصل بعد لدرجة المساواة- إلا أنَّ توريث المرأة في الصعيد أمر شبه مرفوض خاصة الأراضي الزراعية حيث من الممكن أن تحصل على إرثها مالًا أو شيئًا آخر لكن لا ترث أرضًا أو عقارًا مع الأخذ في الحسبان بخس الثمن عند تقاضي نصيبها في الأرض أو العقار بحسب دراسة على عينة من محافظتي: سوهاج وقنا أعددتها د. سلوى أوضحت أن حوالي 95.5% من نساء المحافظتين محرومات من الميراث لأسباب عديدة من بينها كراهة أن يحصل على الأرض الموروثة غرباء لا ينتمون للعصب. كما يمكن تفسير هذا النهج من باب تفضيل الذكر على الأنثى في الموروث الثقافيّ في صعيد مصر.”([3])
قضية الميراث معنية في الأساس بالنظر لوضع المرأة في المجتمع، والموقف الدينيّ والأخلاقيّ منها. وقد سمَّاها المستشار لبيب حكيم: “شريعة الأقباط المحظورة”([4]). ويمكن رصد هذه المشكلة في أمرين: “الأول تطبيق قوانين الميراث طبقًا للشرع الإسلاميّ الذي يعطيها نصف نصيب الرجل، والثاني اغتيال الرجل لحقها بالكامل واغتصاب نصيبها وتركها لا حول لها ولا قوة”([5]) وهو ما نريد أن نؤكّد عليه بأن قضية الميراث لا تقتصر على كونها مسألة قانونية، بل تعكس في عمقها وضع المرأة في المجتمع وطبيعة النظرة الدينية والأخلاقية إليها.
بدأت هذه المشكلة منذ أن تمّ التشريع بالخضوع للشريعة الإسلامية، حيث تناول الفقهاء القانونيين في كلامهم حول قضايا الأحوال الشّخصية لغير المسلمين أنَّ التشريع يجب أنْ لا يتناقض مع الشّريعة الإسلامية والنظام العام.([6]) وبالتالي وصلنا إلى هذه المحطة: مسيحيّات في البطاقة مسلمات في الإرث.([7]) وفي السياق نفسه عبَّرت إحدى السيدات بالقول: أتزوج على الشّريعة المسيحية وأطلق على الشّريعة الإسلامية. والجدير بالذكر أنَّ المساواة في الميراث لم تعد مطالبة مسيحية فقط، ولكن هناك بعض الأصوات التي تنادي بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة في الإسلام.([8])
ومناقشة هذا الأمر، والمطالبة بالمساواة في الميراث بين جميع المصريين، ليست جديدة، أول ما أمكن العثور عليه من تاريخ هذه الدعوة يعود إلى عام 1928، حين ألقى سلامة موسى[9]-وهو مفكر قبطيّ معروف–محاضرة له في جمعية الشبان المسيحيين بالقاهرة، دعا فيها إلى المساواة في الإرث بداعي أنَّ عدم المساواة يعدُّ تفضيلًا للرجال على النساء، وأن اللامساواة من دواعي إحجام كثير من الشبان في الشرق عن الزواج، واعتبر أنَّ في المساواة تشجيعًا على الزواج.([10]) والحكمة في تقسيم الميراث أنه ينبغي على كل والد مسيحيّ أنْ يدرك أنَّ البركات التي أعطاها له الله هي وديعة منه ينبغي أن تستخدم لصالح العائلة كلها، ويجب أن يكون الأب عادلًا في توزيع أمواله وتركته على أولاده.([11])
المشكلة الرئيسية:
تبدأ المشكلة في الأساس حول النصوص الدينية، فغابت النصوص التشريعية حول الميراث في الإنجيل، حيث ركَّز الإنجيل على المبادئ وليس التشريع النصيّ، حيث إنَّ المبادئ تصلح لتطبيقها في كل زمان ومكان. فانتقل المسيح في تعاليمه من حرفية النص إلى مرونة المبدأ. هذه المبادئ تصاغ في قوانين. وتصطدم المبادئ الإنجيلية هذه مع الرغبة في الاستحواذ وعدم إعطاء الفرصة للمساواة في الميراث نتيجة لظروف اجتماعية، وثقافية، وتفسير ضيق لبعض النصوص الدينية تسير في هوى وفَلَك تميز الذكر على الأنثى.
المشكلة الثانية: هي التضارب بين التشريعات الكنسية والشريعة الإسلامية، فبأي حكم يأخذ القاضي ولا سيما في ظل عدم وجود قانون واضح ومحدَّد يحكم في هذه القضية، قبل صدور دستور 2014 وبه المادة الثالثة منه، ونصها: “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسيّ للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية”.
المشكلة الثالثة: حتى وأن تراضى الورثة في تقسيم الميراث بينهم بالتساوي بين الرجل والمرأة يحتاج ذلك إلى إعلام وراثة وإعلام الوراثة يستخرج وفق الشريعة الإسلامية في الميراث، مما يحدث نوعًا من المشاكل في البيع والشراء للورثة.
الأسس اللاهوتية للمساواة:
قضية المساواة بدأت في الخلق حيث خلق الله الإنسان على صورته، كما وردت في سفر التكوين، “وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْض. فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ.” (تكوين 1: 26-28).
توجد بعض الإشارات في الكتاب المقدّس التي يمكن البناء عليها مثل بنات صَلُفحاد في سفر العدد 27 حيث ورد هذا النص الذي كان ردًا على طلب أو سؤال:
“1فَتَقَدَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ بْنِ حَافَرَ بْنِ جِلْعَادَ بْنِ مَاكِيرَ بْنِ مَنَسَّى، مِنْ عَشَائِرِ مَنَسَّى بْنِ يُوسُفَ. وَهذِهِ أَسْمَاءُ بَنَاتِهِ: مَحْلَةُ وَنُوعَةُ وَحُجْلَةُ وَمِلْكَةُ وَتِرْصَةُ. 2وَوَقَفْنَ أَمَامَ مُوسَى وَأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ وَأَمَامَ الرُّؤَسَاءِ وَكُلِّ الْجَمَاعَةِ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ قَائِلاَتٍ: 3أَبُونَا مَاتَ فِي الْبَرِّية، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى الرَّبِّ فِي جَمَاعَةِ قُورَحَ، بَلْ بِخَطِيَّتِهِ مَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَنُونَ. 4لِمَاذَا يُحْذَفُ اسْمُ أَبِينَا مِنْ بَيْنِ عَشِيرَتِهِ لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ابْنٌ؟ أَعْطِنَا مُلْكًا بَيْنَ إِخْوةِ أَبِينَا. 5فَقَدَّمَ مُوسَى دَعْوَاهُنَّ أَمَامَ الرَّبِّ. 6فَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: 7بِحَقّ تَكَلَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ، فَتُعْطِيهِنَّ مُلْكَ نَصِيبٍ بَيْنَ إِخْوَةِ أَبِيهنَّ، وَتَنْقُلُ نَصِيبَ أَبِيهِنَّ إِلَيْهِنَّ. 8وَتُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: أَيُّمَا رَجُل مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ، تَنْقُلُونَ مُلْكَهُ إِلَى ابْنَتِهِ.9وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ابْنَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لإِخْوَتِهِ. 10وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِخْوَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لإخوَةِ أَبِيهِ. 11وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لأَبِيهِ إِخْوَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لِنَسِيبِهِ الأَقْرَبِ إِلَيْهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ فَيَرِثُهُ. فَصَارَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَرِيضَةَ قَضَاءٍ، كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى.” (عدد 27: 1-11). وتوجد إشارة أخرى في سفر أيوب: “وَلَمْ تُوجَدْ نِسَاءٌ جَمِيلاَتٌ كَبَنَاتِ أَيُّوبَ فِي كُلِّ الأَرْضِ. وَأَعْطَاهُنَّ أَبُوهُنَّ مِيرَاثًا بَيْنَ إِخْوَتِهِنَّ.” (أيوب 42: 15).
قصة الخلق هي القصة الملهمة، والحدث المؤسّس لكل قيمة وكرامة ومساواة للإنسان. وقصة الخلق هذه يمكن فهمها أكثر في ضوء عمل المسيح وإرساليته، وهي الخليقة الجديدة “إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا.” (2 كورنثوس 5: 17)، وهذه الخليقة الجديدة لها أخلاقيات وقيم تعلن عن ملكوت الله وسيادته على الخليقة، وهي ضد الظلم والفساد والتمييز. وستبقى قصة الخلق مع قصة الفداء الأساس لكل قيمة وكرامة إنسانية.
وحيث عَلَّمَ الإنجيل أنَّه لا ذكر ولا أنثى في المسيح؛ فالجميع واحد حسب قول الرسول بولس: “لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلَا يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلَا حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غلاطية 3: 28). والتأصيل اللاهوتيّ لفكرة المساواة تنطلق من خمسة أسس هامة في الكتاب المقدّس:
- المساواة في الخلق، يتساوى الرجل مع المرأة في الخلق: “فخلَقَ اللهُ الإنسانَ على صورَتِه، على صورةِ اللهِ خلَقَ البشَرَ، ذَكَرًا وأُنثى خلَقَهُم” (تكوين 1: 16). “هَذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ، يَوْمَ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ. عَلَى شَبَهِ اللهِ عَمِلَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُ، وَبَارَكَهُ وَدَعَا اسْمَهُ آدَمَ يَوْمَ خُلِقَ. (تكوين 5: 1-2).
- المساواة في المسؤولية الحضارية، الرجل والمرأة معًا في المسؤولية الحضارية: “أُنْمُوا واَكْثُروا واَمْلأوا الأرضَ، وأَخضِعوها وتَسلَّطوا على سمَكِ البحرِ وطَيرِ السَّماءِ وجميعِ الحيوانِ الذي يَدِبُّ على الأرضِ”. (تكوين 1: 28)
- المساواة في الخطية، يتساوى الرجل مع المرأة في الخطية: “الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (رومية 3: 12). وأيضًا “لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ.” (1 كورنثوس 15: 22).
- المساواة في الخلاص، يتساوى الرجل والمرأة في الخلاص: “الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ” (2 تيموثاوس 2: 4).
- المساواة في الحياة الأبدية: الحياة الأبدية للرجل والمرأة معًا فلا تفضيل في نوال الحياة الأبدية ولا في الحالة التي سنكون عليها كل حين مع الرب. “وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ.” (رؤيا 5: 9).
وأصبحت هذه المبادئ ملهمة لكل التشريعات القانونية التي تناصر حقوق الإنسان في أي مكان وأي زمان، فقد رفض المسيح الاستغلال والظلم ولو تحت ستار دينيّ، ففي حادثة تطهير الهيكل الواردة في (متى 23؛ مرقس 11؛ لوقا 19، يوحنا 2) تبين رفض المسيح لكافة أشكال الاستغلال. بل أن الكتاب المقدّس يعلم بأنَّ الظالمين لا يرثون ملكوت الله: “وَيْلٌ لِلَّذِينَ يُسَنُّونَ سُنَنًا غَيْرَ عَادِلَةٍ” (إشعياء 10: 1). “أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟” (1 كورنثوس 6: 9). “وَأَمَّا الظَّالِمُ فَسَيَنَالُ مَا ظَلَمَ بِهِ، وَلَيْسَ مُحَابَاةٌ.” (كولوسي 3: 25). هذه الآيات تؤكد مبدًا أساسيًّا في الفكر الكتابي، وهو أنَّ العدل في القضاء قيمة دينية وأخلاقية، وأن الظلم أو المحاباة في الحكم يُعدّ مخالفة لإرادة الله.
وقد نادى المسيح بتحرير الإنسان من الطمع عندما سٌئِلَ: “يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ فَقَالَ لَهُ: يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟ وَقَالَ لَهُمُ: انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ” (لوقا 12: 13-15)، ودعوته أيضًا: “وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ” (يوحنا 10: 10)، وقال أيضًا: “وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ.” (يوحنا 8: 32).
ويُسَجِّل لنا التاريخ المصريّ هذا المشهد المشرف في الآتي: “قيل عن المتنيح البابا كيرلس الرابع (1816-1861م) المشهور بأبي الإصلاح أنَّ الخديوي سعيد باشا استدعاه ليفصل في قضية زوجة أسكاروس أفندي قسّيس بك المتوفى، وقال له: إنهم قد أقاموك حكمًا للفصل في هذه القضية وارتضوا بحكمك فيها، فبماذا تحكم بينهم؟ هل تحكم بأن يكون حظ الرجل مثل حظ الانثيين، أو أن يكون حظه نظير حظ أي منهما؟ فسأله البابا قائلًا: إذا صنعت المرأة خيرًا فهل يجزيها الله في السماء بأقل مما يجزي الرجل؟ فأجاب سعيد باشا على الفور حاشا أن يكون الله ظالمًا بل نصيبهما واحد، فقال البابا حينئذ: إن كان هذا فيما يتصل بالميراث الأبديّ فكيف لا يكون كذلك بالنسبة للإرث الأرضيّ، إنه كما في السماء كذلك على الأرض.”([12])
أليس الإصرار على أنْ يأخذ الرجل نصيب امرأتين في الميراث نوعًا من الطمع أو الجشع! وتعليقًا على النص الكتابيّ سالف الذكر (لوقا 12: 13- 15) يذكر ابن المكين في موسوعته اللاهوتية الشهيرة المسماة بالحاوي في القرن الثالث عشر الميلاديّ في مصر: “إنَّ رب المجد لم يوجه حال ظهوره بين الناس إلى شيء يتعلّق بالمعاملات الدنيوية والتصرفات الحاضرات بل وجه إلى فتح الأبواب والطرق التي لم يكن في قدرة أحد من البشر إظهارها، ولا الجمع بين القول والفعل، وأما ترتيب الحسيّات وما يشاكلها ففوّض الكلام فيه والترتيب لخلفائه وخلفائهم الذين أقامهم من رسله، فالكلام في التشاريع الحاضرة من وظائف الرسل والأنبياء.”([13]) وينبر ابن المكين على أنَّ التشريع أُعطي لمن جاءوا خلفًا المسيح، واتبعوا نهجه، وساروا على طريق هداه بما يناسب واقعهم وحياتهم.
إنّ الدعوات التي قدّمها المسيح، بحسب النصوص الكتابية سالفة الذكر، لم تكن مجرّد توجيهات روحية فردية، بل مثّلت انقلابًا أخلاقيًّا واجتماعيّا على البُنى السائدة في عصره، إذ رسّخت لمبدأ الحق والعدل والمساواة، ورفضت كل أشكال التمييز العرقيّ أو الطبقيّ أو الدينيّ. فقد أعاد المسيح تعريف الكرامة الإنسانية انطلاقًا من كون الإنسان مخلوقًا على صورة الله، لا من انتمائه الاجتماعيّ أو وضعه القانونيّ. فقبوله للمرأة في مجتمع كان يُقصيها من المجال العام لم يكن تصرفًا عابرًا، بل إعلانًا ضمنيًّا لمساواتها في القيمة والرسالة. وتعاملُه مع المهمّشين والمنبوذين والخطاة، وجلوسُه مع العشارين والسامريين، ومخاطبته لمن وُصفوا بأنهم “نجسون” أو “أدنى مرتبة”، كشف عن رؤية جديدة تُسقط الحواجز المصطنعة بين البشر.
كما أن ممارسته العملية – قبل تعليمه النظريّ – أكدت أن العدالة في المفهوم الإنجيليّ ليست مجرّد تطبيق حرفي لقانون، بل إعادة توجيه للقانون نحو الإنسان وخلاصه. فالمسيح لم يُلغِ الشريعة، لكنه أعاد قراءتها في ضوء الرحمة والحق، جاعلًا الإنسان غاية لا وسيلة. ومن هنا، فإن ثورية الإنجيل لا تكمن فقط في مضمون تعاليمه، بل في تأسيسه لمنطق أخلاقيّ يُساوي بين الجميع أمام الله، ويُدين أي بنية اجتماعية أو قانونية تقوم على الإقصاء أو التمييز.
وعليه، فإن استحضار هذه المبادئ في النقاش المعاصر حول قضايا الميراث أو التبني لا يُعدّ إسقاطًا حداثيًّا على النص، بل امتدادًا طبيعيًّا للروح الإنجيلية التي وضعت العدالة والمساواة في صميم الرسالة المسيحية، وجعلت من الكرامة الإنسانية معيارًا أعلى لتقويم التشريع والممارسة.
حركة وثورية الإنجيل:
يقول جون الدر في كتابة “قلب الإصلاح الاجتماعيّ” إنَّ: “المسيحية تضع مبادئ عامة لا خططًا مفصلة”([14]) هذه هي المبادئ الثورية التي نادى بها المسيح وتمثلت في روح إنجيله، حيث أصبحت مبادئ الإنجيل محررة للشعوب من الظلم والتمييز والفساد؛ فالدعوة إلى تحرير العبيد في الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة مارتن لوثر كينج، ومقاومة ورفض للتمييز العنصريّ وبين البيض والسود في جنوب أفريقيا بقيادة ديزموند توتو، وتأسيس حركة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية بآبائه ورواده، بل الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان 1948م وما تلاه من وثائق لحقوق الإنسان لا تتنافي مع روح الإنجيل بل مبنية عليه.
كل هذه الحركات والمواثيق انبعث من روح الإنجيل الذي يركّز على الكرامة والقيمة الإنسانية والمساواة بين جميع البشر دون تمييز من ناحية اللون، أو الدين، أو الجنس، أو العرق، أو الانتماء السياسيّ، أو المستوى الاقتصاديّ. فقد سقطت كافة الحواجز الدينية والعرقية والثقافية والجندرية. حسب قول الرسول بولس: “لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.” (غلاطية 28:3)، وأيضًا: “حَيْثُ لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ سِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ.” (كولوسي 3: 11).
وبرغم خلوّ الإنجيل من نصوص تشريعية تفصيلية ومنظومة قانونية محدّدة على نحو ما نجده في بعض الشرائع الدينية الأخرى، فإن ذلك لا يعني غياب البعد التنظيميّ في المسيحية، بل يشير إلى طبيعة مختلفة للتشريع فيها. فالإنجيل قدّم مبادئ عامة وروحًا أخلاقية حاكمة، وترك للكنيسة – باعتبارها جماعة المؤمنين الممتدة عبر التاريخ – مهمة ترجمة هذه المبادئ إلى قواعد تنظّم الحياة الكنسية والاجتماعية. ومن هنا نشأت ما يُعرف بالقوانين الكنسية، بوصفها محاولة تاريخية لفهم النص الدينيّ وتطبيقه في سياقات زمانية ومكانية متغيرة.
لقد صاغت الكنيسة تشريعاتها انطلاقًا من ثلاثة اعتبارات متداخلة: أولًا، فهمها اللاهوتيّ للنصوص المقدّسة وروح الإنجيل؛ ثانيًا، إدراكها للواقع الاجتماعيّ والسياسيّ الذي تعيش فيه؛ وثالثًا، تأثرها بالثقافات والأنظمة القانونية المحيطة بها. ولذلك لم تكن القوانين الكنسية جامدة أو واحدة في كل العصور، بل تطورت استجابة لأسئلة المجتمعات التي وُجدت فيها الكنيسة، وتفاعلت مع تحولات التاريخ، فظهرت تشريعات مختلفة في الشرق والغرب، واختلفت تطبيقاتها بحسب السياق الحضاريّ.
وهذه الطبيعة التاريخية التراكمية للتشريع الكنسيّ تقود إلى نتيجة مهمة، وهي أن الاختلاف في التطبيق بين الكنائس لا يُعدّ خروجًا على جوهر الإيمان، بل يعكس تنوعًا في قراءة المبادئ ذاتها ضمن أطر اجتماعية وقانونية متعددة. ومن ثمّ، فإن قضية الميراث–بوصفها شأنًا يرتبط بتنظيم العلاقات المالية داخل الأسرة–شهدت بدورها اختلافًا في المعالجة بين الكنائس، تبعًا لفهم كل كنيسة لدورها، ولعلاقتها بالدولة، ولمدى انفتاحها على القوانين المدنية السائدة. وهذا يفتح المجال للبحث في إمكانية تطوير التشريع في ضوء الروح الإنجيلية ذاتها، دون الارتهان لصيغة تاريخية بعينها.
Top of Form
Bottom of Form
التشريعات الكنسية حول الميراث:
كيف فهمت الكنيسة الإنجيل في تشريعاتها؟ نتعرض فقط للماضي القريب عبر مائة وخمسين عامًا، في قراءة للتراث المصريّ القانونيّ المسيحيّ نجد المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في الميراث ففي مجموع قوانين البابا غبريال بن تريك (1131-1145م) يقول: “الميراث طبقات ومنازل، فالمنزلة الأولى في الميراث، أنَّه إنْ مات رجلٌ من غير أنْ يكتب وصية، وخلَّفَ أولادًا ذكورًا وإناثًا، فليورثوا بالسّوية.”([15]) ويعطي بن تريك تفصيلًا للأمر بالقول: “قد يرثُ بنات الرجل آبائهن َّكما يرث إخوتهن الذكور بالسّوية، إذ لم يكتب الرجل وصية. فإن كنَّ قد تزوجنَّ في حياة أبيهنَّ، وأخذنَّ جهازهنَّ، فليرددن ما أخذنَّ من جهازهنَّ، أو قيمته، ثم يرثنَّ منهن بالسَّوية. فإنْ مات أحد الأخوة بعد موت أبيه، والأم في الأحياء، من غير أنْ يوصي الأب، ولم يكن له ولد، فإنَّهنَّ يرثنَّ أباهنَّ وأخاهنَّ، مع سائر إخوتهنَّ وأمهنَّ بالسَّوية. والأم ترث ولدها بالسَّوية.([16])
وفي قوانين البابا كيرلس الثالث بن لقلق (1235-1243م) ينص على: “الأولاد الذكور والإناث المتزوجين والعُزَّاب، يرثون أباهم وأمهم بالسَّوية”([17]) وفي المجموع الصفوي للشيخ الصفي أبي الفضائل بن العسال (القرن الثالث عشر الميلاديّ) يُسَجِّل: “أولاد الميت الذكور والإناث بالسَّواء.”([18])
وصولًا في الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية (1896م)، التي تدون: “الأولاد الذكور والإناث المتزوجون وغيرهم يرثون بالسواء أباءهم وأمهاتهم بحيث يكونون من زيجة ناموسية (قانونية).”([19]) كان هذا الإرث التشريعيّ هو الأساس الذي بنى عليه المشرع في لائحة 1938م تشريعه بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة.
وقد صدرت في النصف الأول من القرن العشرين لائحة 1938م، والتي بيَّنت في مجملها فهمًا عميقًا ومتطورًا ومتحررًا والتي أقرَّت نفس المبدأ في المساواة حسب المادة 238-252. وقد سارت على هذا لنهج طائفة الروم الأرثوذكس حيث نصت المادة 108 من القانون الخاص بهم: “لا فرق في حصص الورثة ذكورًا كانوا أم إناثًا أو نسلًا لذكور أو لإناث”([20])
وجدير بالذكر أنَّ لائحة 1938م صدرت ولها قوة القانون منذ صدورها وهو ما أكدته المحكمة الدستورية العليا في حيثيات حكمها في القضية رقم 151 لسنة 20 ق. دستورية، بالنص التالي: “وحيث إنَّ قضاء هذه المحكمة قد جرى على أنَّ المشرّع وقد أحال في شأن الأحوال الشّخصية للمصريين غير المسلمين إلى شرائعهم مستلزمًا تطبيقها دون غيرها في كل ما يتصل بها. فإنَّه يكون قد أرتقى بالقواعد التي تتضمنها هذه الشرائع إلى مرتبة القواعد القانونية من حيث عموميتها وتجريدها، وتمتعها بخاصية الإلزام لينضبط بها المخاطبون بأحكامها، ويندرج تحتها في نطاق الأحوال الشّخصية للأقباط الأرثوذكس. لائحتهم التي أقرّها المجلس الملّي العام في 9 مايو سنة 1938م، وعمل بها اعتبارًا من 8 يوليه سنة 1938م، إذ تعتبر القواعد التي احتوتها هذه اللائحة شريعتهم التي تنظم أصلًا مسائل أحوالهم الشّخصية” (القضية رقم 151 لسنة 20 قضائية دستورية).([21])
في المقابل وردت بعض التشريعات الكنسية التي سارت في سياق الشّريعة الإسلامية فعلى سبيل المثال نجد في قانون الأحوال الشّخصية للطائفة الإنجيلية بمصر الصادرة 1902 وفي المادة رقم 73 “للذكر مضاعف نصيب الأنثى في جميع متروكات مورثه ثابتة كانت أم منقولة”[22]، وهي في رأينا لائحة تجاوزها الزمن في هذه الجزئية، وتحتاج إلى تعديلها أو وقف العمل بها في هذه الجزئية. وعلى عكس ذلك نجد الطائفة الإنجيلية في سورية ولبنان في المادة 15 من قانون الإرث لغير المحمدين: “أولاد المتوفي وفروعهم يرثون أباءهم وأصولهم دون تمييز بين الذكور والإناث.”([23])
الجدير بالذكر أنَّ بعض من اللاهوتيين العرب في القرن الثالث عشر، وهو أبي الفرج أبن الطيب، تأثرًا بالفكر الإسلاميّ أصَّل لفكرة الميراث من خلال مفهوم الولاية، بالقول: “إنَّ للولاية شرط التفضل، والرجل مسلط على المرأة، فهذه علل التفاضل بين الرجل والمرأة.”([24])
القوانين المصرية حول الميراث:
بداية يجدر الإشارة إلى أنَّه “في بداية عصر التقنين الحديث صدر “أمر عالي” بإصدار لائحة ترتيب واختصاصات مجلس الأقباط الأرثوذكس العموميّ بتاريخ 14 مايو 1883م، تلاه صدور عديد من اللوائح المنظِّمة للأحوال الشخصية لمتحدي الملة والطائفة، كالأقباط الإنجيليين والأقباط الكاثوليك. وكانت المجالس الملّية هي المختصة بالحكم في الوراثة وتطبق مبادئ الشريعة المسيحية”([25])
ثم بعد ذلك “قضت محكمة النقض في السنوات الأولى لنشأتها في الحكم الصادر في الطعن رقم 9 لسنة 4 قضائية أنَّ “القاعدة الأساسية في مواريث المصريين غير المسلمين أنها تُجرى وفق أحكام الشريعة الإسلامية ما لم يتفق الورثة الذين تعترف الشريعة بوراثتهم ويتراضون على غير ذلك”. والقانون الصادر في 14 مايو سنة 1883م بترتيب مجالس طائفة الأقباط الأرثوذكس، وبيان اختصاصها، لا يشذّ عن تلك القاعدة، بل إنَّ المادة 16 منه، وهي التي أشارت إلى مسألة المواريث، لم تنص على أن الحكم فيها يكون حسب الشريعة المسيحية، بل نصت على اختصاص تلك المجالس بالحكم في الوراثة متى قَبِل كل الورثة باختصاصها.([26])
وكما تمت الإشارة من قبل أنه “في غضون عام 1938م صدرت لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، التي أقرها المجلس الملّيّ العام بجلسته المنعقدة في أول بشنس سنة 1654 الموافق 9 مايو سنة 1938م، ويتضمن الفصل الحادي عشر منها أحكام الميراث، حيث ينظم كيفية توزيع الإرث وفقًا لمبادئ الشريعة المسيحية.”([27])
في هذا السياق التاريخيّ صدر قانون الميراث المصريّ الذي يطبق على المصريين كافة رقم 77 لسنة 1943م وقد نصت المادة السادسة على: “لا توارث بين مسلم وغير مسلم ويتوارث غيـر المسلمين بعضهم مـن بعض واختـلاف الـدارين لا يمنع من الإرث بين المسلمين ولا يمنع بين غيـر المسلمين إلا إذا كانـت شريعـة الـدار الأجنبية تمنـع مـن توريث الأجنبيّ منها”.
وأمام هذا النص نسأل: كيف يتوارث غير المسلمين بعضهم بعضًا، وإزاء النقص في هذا القانون، صدر القانون رقم 25 لسنة 1944م، مكون من مادة واحدة مكملة لقانون الميراث رقم 77 لسنة 1943م، ونصها: “قوانين الميراث والوصية وأحكام الشّريعة الإسلامية فيها هي قانون البلد فيما يتعلق بالمواريث والوصايا على أنَّه كان المورث غير مسلم جاز لورثته في حكم الشّريعة الإسلامية وقوانين الميراث والوصية أن يتفقوا على أن يكون التوريث طبقًا لشريعة المتوفي.”([28])
نلاحظ فكرة الاتفاق، والتراضي، والقسمة بالتراضي، وإذا أختلف الورثة يطبق عليه الشّريعة الأعم وهي الشّريعة الإسلامية، حسب قانون المواريث سالف الذكر. وقد غاب عن قانون المواريث فكرة العقوبة في حال الإخلال بحق الميراث، فأضيفت هذه العقوبات في عام 2017م، يمكن الرجوع لها.
ولما صدر القانون المدنيّ سنة 1948م، نصت المادة 875، منه على أن تعيين الورثة وتحديد أنصبتهم في الإرث، وانتقال أموال التركة إليهم تسري في شأنها أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة في شأنها ومقتضى هذا النص أن تحديد أنصبة الورثة يتم طبقًا للشريعة الإسلامية وهذا النص نص عام يخاطب جميع المصريين أيًّا كانت ديانتهم.
ولذلك قضت محكمة النقض بجلسة 28/1/1997م، في الطعن رقم 85 لسنة 63ق، بأن الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة في شأنها هي الواجبة التطبيق في مسائل المواريث المتعلقة بالمصريين مسلمين وغير مسلمين، كما قضت بأنه إذا خالفت المحكمة حكما من أحكام الشرع، كان واجبًا الأخذ به في الدعوى فإنَّ حكمها يكون مخالفا للقانون يمكن نقضه.( ([29]
وبعد صدور القانون المدنيّ 1948م صدر القانون رقم 462 لسنة 1955م واعتمد اللوائح السابقة التي كان معمول بها في المجالس الملية، الذي وحد جهة القضاء، ولكن تعددت القوانين في ظل هذا القانون. في سنة 1955م صدر القانون رقم 462 ناصًا على إلغاء المحاكم الشرعية والملّية وإحالة الدعاوى المنظورة أمامها إلى المحاكم الوطنية، وعلى أن تصدر الأحكام في المنازعات المتعلقة بالأحوال الشّخصية طبقا لما هو مقرر في المادة 280 من لائحة المحاكم الشرعية، أما بالنسبة للمنازعات المتعلقة بالأحوال الشّخصية للمصريين غير المسلمين فتصدر الأحكام في نطاق النظام العام طبقًا لشريعتهم. وكانت المادة 280 من لائحة المحاكم الشرعية تقضى بأن تصدر الأحكام طبقا للمدون في هذه اللائحة ولأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة.
ومفاد ذلك أنَّ المصريين غير المسلمين كانوا يخضعون في أحوالهم الشّخصية لقواعد شريعتهم لكن المشرّع المصريّ أصدر بعد ذلك قانون المواريث رقم 77 لسنة 1943، متضمنا أحكاما تسرى على جميع المصريين أيا كانت ديانتهم، والقواعد الموحدة للمواريث لا تقتصر على أحكام هذا القانون، وإنما يكملها القول الراجح من مذهب أبى حنيفة في حالة عدم وجود نص يحكم النزاع المطروح.(.([30]
وفي المادة الثالثة لقانون 1 لسنة 2000م وتنص على: “تصدر الأحكام طبقا لقوانين الأحوال الشّخصية والوقف المعمول بها ويعمل فيما لم يرد بشأنه نص في تلك القوانين بأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبى حنيفة ومع ذلك تصدر الأحكام في المنازعات المتعلقة بالأحوال الشّخصية بين المصريين غير المسلمين المتحدي الطائفة والملّة الذين كانت لهم جهات قضائية ملّية منظمة حتى 31 ديسمبر سنة 1955–طبقا لشريعتهم–فيما لا يخالف النظام العام” هذه المادة قُيّدَت بالنظام العام وهو مفهوم واسع ومطاط.
بات تطبيق الشريعة الإسلامية في توزيع الميراث وتوزيع الأنصبة أمرًا مفروضًا على المصريّات والمصريين المسيحيين، تطبقه المحاكم من تلقاء نفسها، حتى تناسى الأقباط أحكام شريعتهم المسيحية في استحقاق وتوزيع الإرث وتوالت أجيال من الأقباط لا تعلم عنها شيئًا. وفي محاولة للتحايل على هذا الواقع الغريب، درج المسيحيّون المصريّون على التغاضي عمَّا يرد بإعلام الوراثة، والقيام بقسمة رضائية وفقًا لمبادئ الشريعة المسيحية بالمساواة بين الذكر والأنثى في الإرث. ومع هذا لاقت أحكام الشريعة الإسلامية قبولًا لدى قطاع كبير من الذكور المسيحيين، لأنها تمنحهم نصيبًا ضعف الإناث، وحاول بعضهم تبرير ذلك بأنّ لا إرادة لهم في الأمر، إنما هو قانون الدولة الذي تفرضه المحاكم.([31])
يطرح النص السابق إشكالية مركبة تمس العلاقة بين القانون والدين والواقع الاجتماعيّ لدى المسيحيين في جمهورية مصر العربية. فهو يكشف عن حالة من الازدواج القانونيّ؛ إذ يُفرض تطبيق قواعد مستمدة من الشريعة الإسلامية على مواطنين مسيحيين، بما أدى– بحسب الطرح–إلى تآكل المعرفة العملية بأحكامهم الكنسية في الميراث عبر الأجيال. غير أن النص، وإن كان يلفت النظر إلى مفارقة حقيقية، يميل إلى التعميم؛ فقبول بعض الذكور لهذا الوضع بدافع المصلحة لا يعني بالضرورة غياب وعي جماعي أو رفض شامل. كما أن اللجوء إلى القسمة الرضائية يعكس قدرة المجتمع على إنتاج حلول توافقية، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن خلل تشريعيّ يدفع الأفراد إلى التحايل بدل الاحتكام إلى إطار قانونيّ واضح. ومن ثم، فإن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في التطبيق القضائيّ، بل في غياب تنظيم تشريعيّ صريح يرفع هذا التوتر بين الهوية الدينية ومبدأ المساواة الدستورية.
الميراث وفق دستور 2014م:
وعلى مستوى الوثيقة العليا، الضمير الأعلى، وهو الدستور فقد صدر في عام 2014م وجاءت المادة الثالثة منه لتعطي الحق في الاحتكام إلى الشّريعة المسيحية في قضايا الأحوال الشّخصية، ونص المادة، هو: “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسيّ للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشّخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية.” وقد أصبح الفقه الدستوريّ مفتوحًا أمام تعريف ما هو المقصود بمبادئ الشّريعة المسيحية في شأن المواريث، فتحديد المبادئ العامة في الأحوال الشخصية ولا سيما في قضية الميراث يحتاج إلى تأصيل للمفهوم.
ولنا ملاحظة حول دستور 2014م الذي نصَّ على المادة الثالثة فيه تخص المسيحيين واليهود والمادة الثانية تخص دين الدولة والشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع، والمادة السابعة التي تتحدث عن الأزهر، هذه المواد الثلاث أعطت الصبغة الدينية على الدولة، وصياغة هذه المواد الثلاث بهذه الصورة تعتبر ضد مدنية الدولة وضع قوانين مدنية تساوي فيها بين المواطنين. تقول كريمة كمال: “تمَّ وضع المادة الثالثة في دستور 2012 التي كانت تسيطر على أغلبية صياغته التيارات الإسلامية، وكان هناك إيهام أنَّ هذه المادة مهداة لغير المسلمين، لكي يقولو أن لا توجد حساسيات طائفية أو تمييز، وكان هناك من يردد أنَّ المادة الثالثة تحمي الأقباط، وفي حقيقة الأمر أن هذه المادة لا تضيف شيئًا لأن أحكام محكمة النقض والمحكمة الدستورية تقول بأنَّ غير المسلمين تطبق عليهم شرائع ملتهم…المشكلة الحقيقية أنَّ المادة الثالثة أغلقت الباب أمام صياغة قانون مدنيّ للأحوال الشخصية، المادة الثالثة تبدو مهداة للأقباط ولكنها في حقيقة الأمر تفرض نوعًا من الطائفية بحصر الأقباط داخل الكنيسة وتلغي حقوق الأقباط تجاه الدولة.”([32])
وعلى الجانب الأخر، يرى المستشار لبيب حليم: “لما كان ما تقدم وكان المشرّع قد نص في المادة الثالثة من الدستور على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشّخصية، وكان المقصود بمسائل الأحوال الشّخصية هي مجموعة متميزة من الصفات الطبيعية أو العائلية للشخص، والتي رتَّب القانون عليها أثرًا في حياته الاجتماعية لكونه إنسانًا ذكرًا أو أنثى وكونه زوجًا أو أرمل أو مطلقا وكونه أبًا أو ابنًا وكونه كامل الأهلية أو ناقصها لصغر سنه أو عته أو جنون، باعتبار أنها تقوم على تقرير مراكز قانونية أو حالات أو صفات معينة يرتب عليها القانون أثرًا في حياة الأشخاص الاجتماعية، وكانت مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين مصدرها الإنجيل، والإنجيل لا يفرق بين المرأة والرجل، ومن ثمّ فإن تقسيم الميراث يكون بالتساوي بين الطرفين، وهو ما أكدته لائحة سنة 1938م، التي ضمت القواعد الواجب إعمالها في شأن الميراث ولا شك أنَّه إذا خالفت أي محكمة حكمًا من أحكام الشرع المسيحيّ كان واجبًا الأخذ به فإنَّ حكمها يكون مخالفًا للدستور مما ينحدر به إلى درجة الانعدام.([33])
وفي المادة 11 ينص الدستور على المساواة بين الرجل والمرأة، بالقول: “تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا لأحكام الدستور. وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلًا مناسبًا في المجالس النيابية، على النحو الذي يحدّده القانون، كما تكفل للمرأة حقها في تولي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدها. وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل. كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة والمرأة المعيلة والمسنة والنساء الأشد احتياجًا.”
والمادة 93 من الدستور في باب الحقوق والحريات والواجبات العامة، وتنص على “تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا للأوضاع المقررة.”
ومنذ الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان والصدر في 10 ديسمبر 1948م، وقد جاء في مادته الأولى: “يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أنْ يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء”.
والوثائق الحقوقية اللاحقة له تمنع التمييز الجندريّ أي النوعيّ بين الذكر والأنثى مثل: العهدان الدوليّان للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966م ودخلت حيز التنفيذ عام 1977م. الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصريّ 1965، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1967م.
تكشف هذه النصوص عن توترٍ دستوريّ عميق بين منطق “التعدّدية الدينية” ومنطق “المواطنة المتساوية” في جمهورية مصر العربية. فالمادة الثالثة من دستور 2014 تفتح المجال للاحتكام إلى مبادئ الشرائع المسيحية في الأحوال الشخصية، لكنها في الوقت نفسه تثير إشكالية تعريف “المبادئ” وحدودها، وهل تشمل قواعد تفصيلية كالميراث أم تقتصر على أصول عامة. في المقابل، يُظهر الجدل بين طرح كريمة كمال – الذي يرى في النص تكريسًا للطائفية وغلقًا لباب القانون المدنيّ الموحد – ورأي المستشار لبيب حليم – الذي يؤكِّد دستورية المساواة في الميراث استنادًا إلى روح الإنجيل ولائحة 1938م– حجم الانقسام في قراءة النص ذاته. ويزداد التعقيد بحضور المواد 2 و7 و11 و93، التي تربط بين مرجعية دينية، ومبدأ المساواة الجندرية، والالتزامات الدولية لحقوق الإنسان. ومن ثم، فإن الإشكال لا يكمن في النصوص منفردة، بل في كيفية التوفيق بينها ضمن رؤية تشريعية منسجمة تحسم التعارض الظاهري بين الخصوصية الدينية والعدالة الدستورية الشاملة.
حكم محكمة استئناف القاهرة:
وفي ضوء دستور 2014م ووفق المادة الثالثة منه وفي أول تطبيق له صدرت الحكم الذي ساوى بين الرجل والمرأة في الميراث. فقد أصدرت محكمة استئناف القاهرة الدائرة «158» أحوال شخصية، حكمًا نهائيًّا فريدًا من نوعه يقضى بالمساواة بين الذكر والأنثى في الميراث بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكس عملا بنص المادة 3 من الدستور وكذا المادة 247 من لائحة الأقباط الأرثوذكس، وهذا تلخيص لذلك الحكم المتميز والفريد، والذي عبَّر على قراءة واعية وفهم صحيح من هيئة المحكمة:
صدر الحكم في الدعوى المُقيدة برقم 11666 لسنة 133 ق، برئاسة المستشار ماهر فريد، وعضوية المستشارين جعفر ليالي، وأحمد عزت، وبحضور وكيل النيابة محمد الشافعي، وأمانة سر ماجد سعيد عبد الملاك.
الوقائع تتمثل في استئناف الحكم الصادر بجلسة 11 مارس 2016م في الدعوى رقم 332 لسنة 2016م أسرة الزيتون، حيث إن واقعات التداعي ومستندات الخصوم وأوجه دفاعهم ودفوعهم سبق وأن أحاط بها في تفصيل وإسهاب الحكم المستأنف والذي تحيل إليه المحكمة في هذا الشأن تلافياَ لتكرار وتغيير ما ورد به متضمناَ لأسباب قضائها من أنها توجزه بالقدر اللازم لحمل هذا القضاء تربط أوصال النزاع في أن المدعى تقدم بطلب تحقيق وفاة شقيقته المتوفاة «فريال.ز» المتوفية بتاريخ 13 يونيو 2013 وانحسار إرثها في الطالب وشقيقته «وداد. ز»، وقد حضر شاهدين وأقرَّ بأن ورثة المتوفاة «فريال» هما أشقائهما كل من «سفريوس.ز» و «وداد.ز».
وبجلسة 29 مارس 2016 قضت محكمة أول درجة بتحقيق وفاة «فريال. ز» وذلك بتاريخ 13 يونيو 2013، وانحصار إرثها في أشقائها «سفريوس.ز» و «وداد.ز»، ويستحقان جميع تركتها نصيباَ للذكر مثل حظ الأنثيين، وحيث أن هذا القضاء لم يلق قبولا لدى المستأنفة فقد طعنت عليه بطريق الاستئناف الماثل بموجب صحيفة أودعت قلم كتاب هذه المحكمة بتاريخ 8 مايو، وأعلنت للمستأنف وفقا لصحيح القانون بطلب الحكم بقبول الاستئناف شكلاَ والطعن بالدستورية على المادة الأولى من القانون رقم 25 لسنة 1944م وكذا الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة من القانون رقم 1 لسنة 2000م للأحوال الشّخصية لمخالفتهما المادة الثالثة من الدستور المصريّ ومبادئ الشّريعة الإسلامية.
وفي الموضوع، إلغاء الحكم المستأنف احتياطيا وتوزيع الأنصبة ويكون الأنثى مثل حظ الذكر وهما متساويان في توزيع الأنصبة في الميراث طبقا للدستور 2014م مبادئ الشّريعة المسيحية، وذلك لأسباب حاصلها الخطأ في تطبيق القانون والدفع بعدم الدستورية، حيث تداول الاستئناف بالجلسات وبجلسة المرافعة الأخيرة فوضت النيابة العامة الرأي للمحكمة.
المحكمة في حيثيات الحكم قالت إن الاستئناف قد جاز أوضاعه القانونية ومن ثم فهو مقبول شكلاَ وحيث أنه عن موضوع الاستئناف كان الثابت بنص المادة 247 من لائحة الأقباط الأرثوذكس أنه إذا لم يكن للمورث فرع ولا أب ولا أم كان صافي تركته بعد استيفاء نصيب الزوج أو الزوجة يؤول إلى إخوته وأخواته ويقسم بينهم حصصًا متساوية متى كانوا متحدين في القوة بأن كانوا كلهم إخوة أشقاء أو إخوة لأب أو لأم لا فرق في ذلك بين الأخ والأخت.
ووفقًا لـ «المحكمة»-حيث إنه لما كان ذلك–وكان الثابت أن مستحقي إرث المتوفاة «فريال. ز» هم اشقائها «سفريوس. ز» و «وداد. ز» ومن ثم يكون حصصها الميراثية متساوية بينهما طبقا لنص المادة سالفة البيان لا فرق بين ذكر وأنثى وطبقاَ لشريعتهم ومن ثم المحكمة، وكثالث تعديل الحكم المستأنف فيما آل إليه من توزيع حصص الورثة وحسبما سبق في منطوق الحكم.([34])
صحيح أن هذا الحكم يرسي مبدأ قانونيّا ينطبق علي حالة محددة تناولها الحكم في حيثياته, ويستطيع كل من يري في حالته حالة مماثلة أن يتقدم من خلال المسارات القانونية لطلب المساواة بالحكم, لكن ونحن نرحب بمثل هذه الأحكام نتطلع إلى صدور لائحة الأحوال الشّخصية للمسيحيين التي طال انتظارها والتي من شأنها أن تطلق المساواة بين الرجل والمرأة-أو الذكر والأنثى في النصوص القانونية-في جميع الحالات والمراتب التي يقفان فيها أمام القانون ليقتسما ميراثًا.([35])
يرى دكتور حسام لطفي أنَّ أحكام قضائية عديدة قد ارتضت مبدأ إعمال لائحة الأقباط الأرثوذكس في شأن ميراث المسيحيين دون حاجة إلى تعديل تشريعيّ باعتبار أنَّ نصَّ الدستور ذاتيّ التنفيذ. فقد ورد في مادة 224 من الدستور المصريّ بأنَّ “كل ما قرَّرته القوانين واللوائح من أحكام قبل صدور الدستور، يبقى نافذًا، ولا يجوز تعديلها، أو إلغاؤها إلا وفقًا للقواعد والإجراءات المقررة في الدستور. وتلتزم الدولة بإصدار القوانين المنفذة لأحكام الدستور.” وهو نص صريح واجب الأعمال، وتنعقد مسؤولية الدولة سياسيّا عن التاريخيّ في هذا الشأن. هو تراخي غير مستحب حيث يجعل نفاذ ما نصَّ عليه دستور جديد بيد السلطة التنفيذية، وهو أمر محل نظر.([36])
يمكن قراءة ما سبق من خلال أولًا، من الناحية الدستورية، يقوم رأي د. حسام لطفي على اعتبار أن نصوص الدستور – ولا سيما ما يتعلق بحقوق المسيحيين في الاحتكام إلى شرائعهم – ذاتية التنفيذ، بحيث يجوز للقضاء إعمال لائحة الأقباط الأرثوذكس في الميراث دون انتظار تدخل تشريعيّ. غير أن الإحالة إلى المادة 224 من دستور جمهورية مصر العربية تثير إشكالية دقيقة؛ فهذه المادة تقرر استمرار القوانين واللوائح السابقة إلى حين تعديلها أو إلغائها وفقًا للإجراءات الدستورية، لكنها لا تُنشئ بذاتها قاعدة موضوعية جديدة، بل تُنظم مسألة النفاذ الزمني. ومن ثم، فإن اعتبارها سندًا مباشرًا لإعمال اللائحة قد يُعدّ توسعًا في تفسيرها، إذ يظل السؤال قائمًا حول مدى تعارض اللائحة مع قوانين عامة لاحقة، أو مع مبادئ دستورية أخرى.
ثانيًا، على المستوى القضائيّ، القول بأن الدستور “ذاتي التنفيذ” يفتح بابًا لاجتهاد القضاء في تطبيق النصوص الدستورية مباشرة عند غياب التشريع. غير أن هذا الاتجاه يثير تخوفًا من تضارب الأحكام واختلاف دوائر القضاء في تقدير مدى التعارض أو الأولوية بين النصوص، بما قد يخلّ بمبدأ الأمن القانونيّ. فالتعويل على الاجتهاد القضائيّ وحده، دون تدخل تشريعي حاسم، يُبقي المسألة في دائرة التأويل المتغير، بدلًا من إرساء قاعدة عامة مستقرة.
مستقبل التشريع المصريّ حول الميراث:
من خلال عرض ما سبق، ولضمان تشريع مناسب لدستور 2014، يجب القيام بالآتي:
- تأصيل لمفهوم التساوي في الميراث في التشريع والفقه الكنسيّ الذي يفهم روح الإنجيل، ورسالة المسيح، وروح ومتطلبات العصر. ومن الملاحظ غياب التأصيل اللاهوتيّ والكتابيّ حول الميراث في الكنيسة المصرية وفي الفقه القانونيّ العام.
- صدور قانون حول الميراث للمسيحيين المصريين ينص صراحة على التساوي بين الرجل والمرأة في الميراث، ولعل من المنتظر صدور قانون جديد للأحوال الشّخصية، وهو في طور الإعداد، يجب أنْ ينص هذا القانون على الميراث حلا لمشكلاته من ناحية المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة. وعلى حسب معرفتي بمشاركتي في إعداد هذا القانون والتصريحات الكنسية للمسؤولين ([37]) أنَّه سوف ينص على التساوي التام بين الرجل والمرأة في الميراث، وأيضًا السماح بالتبني وفق شروط وضوابط معينة. وهذا إعمالًا لنص المادة الثالثة من الدستور وتفاديًا لتضارب القوانين في هذا الأمر. حيث إن الدستور هو الوثيقة الأعلى والتي لا يجب أن تخالفه القوانين الموضوعة. فإذا خالفت القوانين نص الدستور لا يعمل بها، فالدستور يعلو ولا يعلى عليه. ووفق قضاء محكمة النقض منذ العام 1980، استقر على مبادئ مهمة تضمنت أنَّ النصوص الدستورية تتمتع بالإنفاذ الفوريّ والمباشر، منذ العمل بأحكام الدستور، وأوجبت إهدار مواد القانون التي تتعارض مع النصوص الدستورية سابقة كانت أم لاحقة على صدوره باعتبار الدستور القانون الأسمى والأعلى صاحب الصدارة على المدرج التشريعيّ.”([38])
- على أمل أنّ يصدر قانون مدنيّ عام لجميع المصريين يساوي بين الرجل والمرأة في الميراث، وذلك يأتي في إطار مناداة بعض الفقهاء القانونيين من وضع قانون أحوال شخصية موحد على جميع المصريين بغض النظر عن الانتماء الديني أو المذهبيّ، وإن كانت هذه رؤية بعيدة المنال فيجب تطبيق المساواة على المسيحيين المصريين في الميراث.
- خشية من المتاهة القانونية والتضارب بين القوانين، يرجى إصدار قانون للميراث للمصريين المسيحيين يساوى صراحة بين الذكر والأنثى في الميراث، وفقًا لنص المادة الثالثة، وإعمالًا لمواد الميراث في لائحة 1938م، ولحين ذلك يجب أنْ يعمل القاضي عقله وفق نصوص الدستور في المادة الثالثة، ويكون الحكم الذي صدر من محكمة استئناف القاهرة في المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث هو قياس يُبنى عليه. لنصل إلى مسيحيّات بالبطاقة مسيحيّات بالميراث.
- خلق مناخ وثقافة عامة، ونشر الوعي بقضة المساواة في الميراث، أمر هام وضروري. وقد رأيت الكثير من الأسر يقسمون بالتساوي، فينتقل الأمر من فكرة التراضي لفكرة القانون المنظم.
- لفظ مبادئ الشّريعة المسيحية الوارد في المادة الثالثة من الدستور، في الميراث يحتاج إلى تأصيل لمفهومها، وهي ما استقرّ في القوانين الكنسية المبنية على فهم النص الدينيّ (الكتاب المقدّس)، وقوانين وإقرارات الكنيسة، وأحكام المحكمة الدستورية، ومحكمة النقض، والإدارية العليا، والتي تميل في مجملها نصًّا وضمنًا نحو المساواة.
- الانتقال من دولة الملّل والنحل والطوائف إلى دولة المواطنة التي يحكمها القانون المبني على المساواة دون تمييز، في الدولة المصرية الحديثة يجب أن تسقط منها كلمة الطائفة، فالمواطنة تبنى على المفهوم الدستوريّ المبني على التساوي في لحقوق والواجبات، فنحن مواطنون لا ذميون. وبالتالي صدور قانون عام موحد على الكل أمر هام وضروري، وقد نصل إليه يومًا من الأيام.
- يجب إعمال العقل في النص، قد يعتقد البعض أنَّ النصوص لا يمكن تغييرها، وهذا صحيح، ولكن يمكن تأويلها، فرحلة الذهاب والعودة من النص للواقع، ومن الواقع للنص كفيلة بفهم جديد وعصريّ ومتطور، يساعد المشرّع للتصالح بين النص والواقع، فلا تكون النصوص الدينية عائقًا للمساواة، ولكن داعمة لها.
- المجتمع المسيحيّ في مصر متعدّد ومتنوع، ولا سيما في مجال التشريع الكنسيّ، فلدينا أربع طوائف أرثوذكسية وكل طائفة لها قانون أحوال شخصية خاص بها: الأقباط الأرثوذكس لائحة 1938م، السريان الأرثوذكس لائحة 1913م، الأرمن الأرثوذكس لائحة 1940م، الروم الأرثوذكس 1937م. وسبع طوائف كاثوليكية يحكمه كلهم قانون أحوال شخصية واحد، وهو الإرادة الرسولية الصادرة 1947م، وطائفة إنجيلية تضم 19 مذهبًا، يحكمهم كلهم قانون أحوال شخصية واحد صادر في 1 مارس 1902م. وبالتالي الاتفاق على قانون أحول شخصية موحد يطبق على كافة المسيحيين في مصر أمر ليس بالمهمة السهلة، وبالتالي سيصدر قانون واحد وليس موحدًا، سيكون بمثابة مجموعة قوانين، وبرغم الاختلاف سيكون الاتفاق على بابين هامين هما: الميراث، والتبني، وبذلك يكون هذا تطبيقًا لنص المادة الثالثة من الدستور. يقول الأستاذ يوسف طلعت: إنَّ ممثلي الطوائف المسيحية الثلاث الكبرى الإنجيلية والأرثوذكسية والكاثوليكية قد اتفقوا بالإجماع على تشريع المساواة بين الذكر والأنثى في قضايا المواريث المسيحية ولكافة الدرجات العائلية مؤكدًا أنَّ الكنائس خصَّصت بابًا للمواريث في مشروع قانون الأسرة المسيحية الجديد.”([39])
خاتمة:
في سبيل النظر في مستقبل التشريع عرضنا لهذه الرحلة التي بينت الفجوة بين ما تم تشريعه في الكنيسة المصرية والحكم بمبادئ الشّريعة الإسلامية، بل والتضارب بين القوانين المدنية، والإشكاليّات التي ظهرت في هذا الشأن، حيث لم يكن هناك تشريعًا واضحًا في الميراث لتطبيق المساواة في الميراث غير فكرة التراضي، وبالتالي المادة الثالثة أحالت أمر كل ما يخص أمر المسيحيين لمبادئ الشّريعة المسيحية، التي تكتمل بصدور قانون منظم له، وفي ظل ما صدر في ضوء هذه المادة من حكم يجب البناء عليه.
فهل آن الأوان أنْ تطبق محاكمنا شريعة السيد المسيح في كل ما يتعلق بأحوالنا الشّخصية احترامًا للمادة الثالثة من الدستور التي جعلت مبادئ هذه الشريعة هي المصدر الرئيسيّ للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشّخصية وشئونهم الدينية وإعمالًا للمادة الثانية من القانون المدنيّ التي لا تجيز إلغاء نص تشريعيّ إلا بتشريع لاحق يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم، أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع، وهذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.([40])
المحور الثاني: التبني في المسيحية بين المفهوم والواقع([41])
يشكّل التبني في مصر نقطة خلاف أساسية بين القانون المدنيّ والشريعة المسيطرة على التشريع العام؛ فبينما تؤمن الكنيسة المسيحية به كقيمة دينّية تُجسّد البنوّة الروحية وتجعل الطفل المتبنَّى في منزلة الابن الشرعيّ بكل ما يترتب على ذلك من نسب واسم وإرث، فإنَّ الدولة تحظر التبني صراحة استنادًا إلى أحكام الشريعة الإسلامية التي تُلزم المشرّع المصري، وهو ما يقيّد غير المسلمين أيضًا. وبديلًا عن التبني أقرّ القانون نظام الكفالة، الذي يتيح للأسرة رعاية الطفل اليتيم أو مجهول النسب والإنفاق عليه وتربيته، مع احتفاظه بنسبه القانونيّ دون تغيير ودون أن يرث أو يحمل اسم العائلة الكافلة. وبذلك تصبح العلاقة بين الكفالة والتبني في مصر علاقة إحلال وإقصاء؛ فالكفالة هي البديل الإلزاميّ الذي فرضه القانون لجميع المواطنين، مسلمين ومسيحيين، في حين يظل التبني ممارسة لاهوتية ورعوية داخل الكنيسة فقط دون اعتراف قانونيّ بآثاره المدنية.
[1] يمكن الرجوع إلى كتاب: عيد صلاح، الميراث في المسيحية بين الفكر اللاهوتيّ والتشريعات المسيحية (القاهرة: مركز الكلمة للدراسات والأبحاث، 2024م). وتمَّ تقديمها في منتدى الدين والحريات في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تحت عنوان: “مستقبل التشريع المصريّ حول الميراث للمصريين المسيحيين“ في 24 سبتمبر 2019م. منح متري، اختلاف الدين وأثره على الإرث في لبنان، في كتاب: أنظمة الأحوال الشخصية الأصالة والتحديث (بيروت: مجلس كنائس الشرق الأوسط، 1994م)، 233-238. هدى نصرالله، حظ الأنثى إرث المسيحيّات المصريّات بنين النصّ الدستوريّ وعقيدة المحاكم (القاهرة: المبادرة المصرية لحقوق الإنسان، 2022م). مجدي صادق، أحكام الميراث والوصية والهبة في الشريعة المسيحية (القاهرة: د. ن.، د. ت.) محمد فتحي محمد، الوصية والميراث عند الأقباط من خلال النصّوص القبطية من القرن السابع وحتى القرن الحادي عشر، سلسلة كراسات قبطية، العدد الحادي عشر (الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، مركز الدراسات القبطية، 2020م).
[2] الحق في الميراث 2: تعزيز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للنساء الفلسطينيّات من خلال تسهيل الوصول إلى حقوقهم الإرثية، ورقة مُقَدَّمة من: مركز شؤون المرأة غزة، جمعية الشبان المسيحية القدس، مركز المرأة لإرشاد القانونيّ والاجتماعيّ.
[3] بهاء محمود، العائلة المصرية والموروث الثقافيّ (أحوال مصرية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد 74، أكتوبر 2019)، 128.
[4] لبيب حليم، الميراث والتبني… فريضة الأقباط المحظورة، متاح على https://m.alwafd.news وتمَّ الاطلاع عليه في 15 سبتمبر 2019م.
[5] يوسف سيدهم، أين تشريعات المواريث في قانون الأحوال الشّخصية للمسيحيين؟ متاح على https://www.wataninet.com وتمَّ الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2019م.
[6] يمكن الرجوع إلى: توفيق حسن فرج، أحكام الأحوال الشّخصية لغير المسلمين (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1982م)، أحمد سلامة، الأحوال الشخصية للمصريّن غير المسلمين وللأجانب المدخل والقواعد العامة (القاهرة: دار الفكر العربيّ، 1958م).
[7] هي مبادرة صدرت عن المبادرة المصرية للحقوق الشّخصية، منتدى الدين والحريات، عنوانها: “مبادرة مسيحيّات بالبطاقة مسلمات في الإرث“، وقد شاركت فيها بهذه الورقة يوم 24 سبتمبر 2019م.
[8] يمكن الرجوع إلى بعض الدراسات والحوارات على موقع مؤمنون بلا حدود https://www.mominoun.com/articles، مثل: المساواة مطلب لتحقيق الإنسانية لهاجر المفضلي، النساء والـميراث ومدارات التـهميش مواجهة جندرية لسياسة متعدّدة الأضلاع لمحمد بكاي، ميراث المرأة في الشريعة والمجتمع لعمار بن حمودة. أومن بالمساواة مثلما أومن بالعدل القرآني للدكتور اسماء المرابط حاورها محمد معاذ شهبان.
[9] سلامة موسى (1887-1958م) هو مفكر، كاتب، وصحفي مصري بارز، يُعد أحد رواد النهضة الفكرية في مصر والوطن العربي في النصف الأول من القرن العشرين، ورائد الاشتراكية المصرية. أشتهر بنزعته العقلانية والعلمية، ودعوته للتحديث، ونبذ الخرافات، ودافع بقوة عن حقوق المرأة وحرية الفكر، متبنيًا الواقعية مذهبًا أدبيًا وفكريًا.
[10] الجذور التاريخية لدعوى المساواة في الميراث، إسلام أون لاين، متاح على https://www.ida2at.com/the-historical-roots-of-the-claim-of-equality-in-inheritance وتمَّ الاطلاع عليه في 10 سبتمبر 2014م.
[11] براون، الأسرة المثالية، ترجمة عزت زكي (القاهرة: مطبعة النيل المسيحية، د. ت.) 90.
[12] الأنبا غريغوريوس، مقالات وموضوعات في المجامع والقوانين الكنسية، موسوعة الأنبا غريغوريوس 35، إعداد منير عطية (القاهرة: جمعية الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي، 2010م)، 164-165. هذه القصة موجودة في كتاب: جرجس فيلوثاوس عوض، القضاء الشخصيّ عند الأقباط، ملحق المجلة القبطية (القاهرة: مطبعة التوفيق 1908-1909م)، 45.
[13] ابن المكين، الموسوعة اللاهوتية الشهيرة بالحاوي، تحقيق راهب من دير المحرق (أسيوط: دار المحرق، 1999)، 291-192.
[14] جون إلدر، قلب الإصلاح الاجتماعيّ، ترجمة عزت زكي (بيروت: مكتبة المشعل، 1953م)، 9.
[15] أثناسيوس المقاري، قوانين بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في العصور الوسطى (القاهرة: دار نوبار، 2009م)، 250-251.
[16] المرجع السابق، 267.
[17] المرجع السابق، 317.
[18] جرجس فليوثاوس عوض، المجموع الصفوي يتضمن القوانين التي العلاّمة الشيخ الصفي أبي الفضائل بن العسال، الجزء الثاني (القاهرة: المطبعة التوفيقية، 1908م)، 364.
[19] الإيغومانوس فليوثاوس، الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية (القاهرة: مطبعة التوفيق، 1896م)، 62.
[20] يعقوب الفار، أحكام المواريث والوصايا لدى الطوائف المسيحية (مجلة رسالة المحبة العدد (218) السنة التاسعة عشر آب 2013)، 10.
[21] مجدي صادق، أحكام الميراث والوصية والهبة في الشّريعة المسيحية، متاح على موقع https://www.copts-united.com/Article تمَّ الاطلاع عليه في 18 نوفمبر 2019.
[22] ذكر الشيخ جرجس ميخائيل في محاضراته عن الأحوال الشخصية لغير المسلمين بأن هذه اللائحة راجعها الإمام محمد عبده فاقتربت من النصّوص الإسلامية.
[23]مجموعة نظام المجمع الأعلى وقانونيّ أصول المحاكمات والأحوال الشّخصية للطائفة الإنجيلية في سوريا ولبنان (بيروت: د. ن، د. ت.)، 136.
[24] Vat. Arabo 169, page 3
[25] تاريخ تنظيم توزيع الإرث عند المسيحيين في القانون المصريّ حتى ثورة يناير، متاح علىhttps://eipr.org/publications وتمَّ الاطلاع عليه في يوم 20 مارس 2020م.
[26] المرجع السابق.
[27] المرجع السابق.
[28] بالرغم من ذلك أُغفلت الشرائع الأخرى من التطبيق في مسائل الإرث، وتمسكت المحاكم بتطبيق مبتور لحكم المادة 875 من القانون المدنيّ المقررة أن تعيين الورثة وتحديد أنصبتهم في الإرث وانتقال أموال التركة إليهم تسري في شأنها أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة بشأنها. وذلك رغم أن القانون رقم 442 لسنة 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية والملية وهو قانون لاحق على صدور القانون المدنيّ، أي ناسخ له، تضمن في الفقرة الثانية من المادة السادسة منه أن القانون الواجب التطبيق في منازعات الأحوال الشخصية لغير المسلمين متحدي الطائفة والملة ولهم مجالس ملية قبل صدور هذا القانون هو “شريعتهم”. وتطبيقًا لهذا النص تواترت أحكام محكمة النقض على أن أحكام الشريعة الإسلامية والتقنينات المستمدة منها تسري على جميع المصريين مسلمين وغير مسلمين، في شأن المواريث وذلك على ما تقضي به المادة 875 من القانون المدنيّ، وأن قواعد التوريث وأحكامه المعتبرة شرعًا، بما في ذلك تحديد أنصبة الورثة، تُعدُّ من الأمور المتعلقة بالنظام العام، وهو ما حال دون تطبيق الشرائع الأخرى على أصحابها في مسائل الإرث. يمكن الاطلاع على “تاريخ تنظيم توزيع الإرث عند المسيحيين في القانون المصريّ حتى ثورة يناير” مرجع سبق ذكره.
[29] المستشار لبيب حليم، الميراث والتبني فريضة الأقباط المحظورة، متاح على https://m.alwafd.news وتمَّ الاطلاع عليه في 15 سبتمبر 2019.
[30] المرجع السابق.
[31] تاريخ تنظيم توزيع الإرث عند المسيحيين في القانون المصريّ حتى ثورة يناير” مرجع سبق ذكره.
[32] إسلام بركات، الدين المؤسّسات الدينية والدولة حوارات منتدى والحريات 2012-2016 (القاهرة: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 2017)، 62.
[33] المستشار لبيب حليم، الميراث والتبني فريضة الأقباط المحظورة، مرجع سبق ذكره.
[34] علاء رضوان، حكم نهائي بالمساواة بين الجنسين في ميراث المسيحيين الأرثوذكس تعرف عليه، متاح على موقع https://www.youm7.com/story وتمَّ الاطلاع عليه 20 نوفمبر 2019م.
[35] يوسف سيدهم، حكم قضائيّ بالمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، متاح على https://www.wataninet.com ويتم اطلاع عليه في 15 سبتمبر 2019م.
[36] محمد حسام محمود لطفي، المدخل لدراسة القانون في ضوء آراء الفقه وأحكام القضاء (القاهرة: المؤلف، العام الجامعيّ 2024-2025م)، 108-109.
[37] صرح الدكتور القس أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر في حوار له مع جريدة الشروق بأنه: مشروع القانون استحدث مواد تتناول المساواة بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بالميراث، وهي من الأمور الجديدة المطروحة في القانون. يمكن الاطلاع على الحوار في موقع https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?
[38] هاني صبري، قانونيّ مصريّ لـ «الرأي»: المساواة في الميراث بين الجنسين مبدأ كتابيّ في المسيحية… يؤيده الدستور، متاح علىhttps://www.alraimedia.com وتمَّ الاطلاع عليه في 20 نوفمبر 2019م.
[39] قانون الأحوال الشّخصية. الاحتكام للشريعة المسيحية في تطبيق أحكام الميراث، متاح على http://www.soutalomma.com/Article وتمَّ الاطلاع عليه 10 سبتمبر 2019م.
[40] المستشار لبيب حليم، الميراث والتبني فريضة الأقباط المحظورة، مرجع سبق ذكره.
[41] عيد صلاح، التبني في المسيحية بين المفهوم والواقع. مجلة الراعي، أكتوبر 2022م، العدد 210، السنة 19، ص 13. والمقالة ملخص ندوة عن التبني في اجتماع العيلة بالكنيسة الإنجيلية بعين شمس، القاهرة، الجمعة 14 أكتوبر 2022م.


