مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

المشروعية الدستورية والقانونية لأحكام الميراث في المسيحية

Watch Now

Download

المشروعية الدستورية والقانونية لأحكام الميراث في المسيحية

 

مقدمة

تقوم أحكام الميراث في المسيحية كقاعدة عامة وأساسية على مبدأ المساواة الكاملة بين الذكور والإناث في توزيع التركة؛ وفقًا لمبادئ الشريعة المسيحية والقوانين الكنسية، فلا تمييز بين الأبناء في توزيع أموال المورث، بل هم وحدة واحدة في المسيح. فلم تضع المسيحية تشريعات مالية دقيقة، بل مبادئ روحية للمحبة والتفاهم والقناعة والبُعد عن الطمع. وتكمن الإشكالية هنا في مدى اتفاق القوانين الوضعية بشأن الميراث في المسيحية لأحكام الدستور المصري والقوانين المصرية التي تنظم أحكام الميراث، وفي حالة اتفاقها بيان سبب عدم تطبيق المحاكم المصرية لأحكام الميراث على المسيحيين.

الميراث في الشريعة المسيحية

نص قانون الميراث في شريعة موسى على أحكام شاملة في توزيع الممتلكات والأرض توزيعًا دقيقًا، فأعطت الأولوية للابن الذكر؛ حيث يأخذ البكر نصيب اثنين من الإخوة الورثة من كل الممتلكات. وانتقال الإرث إلى “بنت” المورث في حالة عدم وجود “ولد” للمورث، وإن لم يكن له “بنت” انتقل الميراث إلى “أخوت” المورث، وإن لم يكن للمتوفَّى “إخوة” انتقل الميراث “لإخوة أبيه”، وان لم يكن لأبي المورث “إخوة” انتقل الميراث إلى “نسيبه الأقرب إليه من عشيرته”، فجاء في سفر العدد 27: 6-11: “فَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: بِحَقّ تَكَلَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ، فَتُعْطِيهِنَّ مُلْكَ نَصِيبٍ بَيْنَ إِخْوَةِ أَبِيهنَّ، وَتَنْقُلُ نَصِيبَ أَبِيهِنَّ إِلَيْهِنَّ. وَتُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: أَيُّمَا رَجُل مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ، تَنْقُلُونَ مُلْكَهُ إِلَى ابْنَتِهِ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ابْنَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لإِخْوَتِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِخْوَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لإخوَةِ أَبِيهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لأَبِيهِ إِخْوَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لِنَسِيبِهِ الأَقْرَبِ إِلَيْهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ فَيَرِثُهُ. فَصَارَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَرِيضَةَ قَضَاءٍ، كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى”. وذلك لضمان بقاء الأرض المورثة داخل السبط العشائري ولا تنتقل لسبط آخر.

لم يتحدث العهد الجديد “شريعة المسيح” عن المال بصفه عامة وعن الميراث بصفه خاصة، بل ركز العهد الجديد أساسًا على الميراث الروحي والأبدي وليس المادي، بحيث يُعدُّ المؤمنون ورثة الله وشركاء المسيح في ملكوت السماوات وذلك في قول بطرس الرسول في رسالته الأولى 1: 4 “لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ”. فالميراث في المسيحية هو الأبدية “الميراث السماوي”. ومن ثم، أوصانا السيد المسيح بعدم الاهتمام بالأمور المادية والمال بصفة خاصة. لقد جاء السيد المسيح له المجد ليكمل الناموس “شريعة موسى” ليصل بها إلى غايتها، وهو كمال الشريعة لا لينقضها بل ليكملها، بقوله في إنجيل متى 5: 17: “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ، فقول السيد المسيح لا يَدَع مجالًا للشك وبنصوص قاطعة الثبوت والدلالة بأن لا تسقط ليس فقط “كلمة” واحدة من الناموس بل لا تسقط “نقطة” في الناموس حتى مجيء الساعة بقوله في إنجيل متى 5: 18: “فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ”، مشيرًا بذلك إلى أن شريعة المسيح هي شريعة الكمال، بمعنى أنها جاءت لتصل بالناموس إلى ما كان يجب أن يكون منذ البدء. ومن ثم، فإن شريعة موسى تُطبق في شأن توزيع الميراث في ضوء مبادئ وتعاليم السيد المسيح ومخالفة ذلك يُعد مخالفة لمبادئ وجوهر الشريعة الإلهية.

أوجبت الشريعة الإسلامية على أهل الإنجيل الاحتكام لشريعتهم؛ التي هي مرجعهم، واستنكرت أن يحكم أهل الإنجيل بغير الإنجيل، وجاء ذلك في قوله تعالى في سورة المائدة 43: “وَكَيْفَ يحَكِّمونَكَ وَعِنْدَهم التَّوْرَاة فِيهَا حكْم اللَّهِ ثمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَا أولٰئِكَ بِالْمؤْمِنِينَ”، يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية إن ذلك إشارة إلى أنه “كيف يرضون بك اليهود حكمًا، يا محمد، وعندهم التوراةُ التي أنزلها الله على موسى، التي يقرون بها أنها حق، وأنها كتابي الذي أنزلتهُ إلى نبيي، وأن ما فيه من حكم هو حكمي”. جاء في تفسير القرطبي أنه يدلُّ قوله تعالى: “فِيهَا حكْم اللَّهِ” حسبما قال أبو علي؛ أي إنها لم تُنسخ لأنه لو نُسخ لم يُطلَق عليه بعد النسخ أنه حُكم الله. ويقول الطبري في تفسيره لهذه الآية إنه في قوله تعالى: “يَتَوَلَّوْنَ” يتركون الحكمَ به، بعد العلمِ بحكمي فيه، جراءةً عليَّ وعصيانًا لي. ويقول القرطبي في تفسيره لهذه الآية إن في قوله تعالى: “وَمَا أولٰئِكَ بِالْمؤْمِنِينَ” أي بحكمك أنه من عند الله، وقال أبو علي إن من طلب غير حكم الله من حيث لم يرضَ به فهو كافر.

ومن ذلك يتضح، أن الشريعة الإسلامية تعترف بالكتب السماوية التوراة والإنجيل وأحكامها، وأنها حق، ومن عند الله، وأن يعمل بما فيها أهلها الذين أمروا بالعمل بما فيها. ولما كان الميراث يُعد من الأمور الخاصة بالشريعة الإلهية التي أُنزلت على موسى والمبادئ المسيحية التي أرساها السيد المسيح على الأرض، ومن ثم فعلى من يتبع هذه الشرائع فليحتكم إليها.

أحكام الدستور والقانون المصري من ميراث المسيحيين

لم يكن لمصطلح الأحوال الشخصية وجود في مصر قبل القرن التاسع عشر، فبدأ الفقه والقضاء استخدام هذا المصطلح بعد أن وفد إلى اللغة القانونية مع دخول التقنيات الغربية في أواخر القرن التاسع عشر. ولم يكن له مدلول محدَّد عند استخدامه بل تُرك لاجتهاد الفقه والقضاء.

أولًا: أحكام الدستور المصري من ميراث المسيحيين

بدءًا من دستور عام 1971 وحتى دستور 2012 لم يكن في الدستور المصري نص صريح يمنح غير المسلمين الاحتكام لشرائعهم، ولكن نص المادة الثانية من الدستور بأن “مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع” تحمل في طياتها احتكام غير المسلمين لشريعتهم التي هي مرجعهم حيث استنكر القرآن أن يحكم أهل الإنجيل بغير الإنجيل، وجاء ذلك في قوله تعالى في سورة المائدة 47: “وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: “إن الله تعالى لم ينزل كتابًا على نبي من أنبيائه إلا ليعمل بما فيه أهله الذين أُمروا بالعمل بما فيه، ولم ينزله عليهم إلا وقد أمرهم بالعمل بما فيه، فللعمل بما فيه أنزله، وأمرًا بالعمل بما فيه أنزله. فكذلك الإنجيل، إذ كان من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، فللعمل بما فيه أنزله على عيسى، وأمرًا بالعمل به أهله أنزله عليه”. ومن ثم، فإن مبادئ وأحكام الشريعة المسيحية واجبة التطبيق في ضوء نصوص الشريعة الإسلامية.

واستحدثت الوثيقة الدستورية الصادرة عام 2012 -التي ألغيت بصدور دستور جمهورية مِصر العربية المعدل الصادر عام 2014- في مادته الثالثة على أن “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية. وشئونهم الدينية، واختيار قيادتهم الروحية”.

تقول المحكمة الدستورية العليا المصرية في بحث لها بعنوان “قراءة في نص المادة الثالثة من الدستور” منشور في مجلة المحكمة الدستورية، رقم العدد 31 العدد 60  للمستشار/ محمد عبد العزيز الشناوي. إن مبادئ الشريعة المسيحية تعني الأصول الكلية للعقيدة المسيحية، فيما تتصل بالعبادات أو المعاملات، وهي مبتدأ أحكامها، وبغيرها تفقد العقيدة الدينية هويتها وملامحها، التي تختص بها، وتميزها عما عداها من عقائد دينية أخرى.

“أن ما تآدت إليه المادة الثالثة من الدستور، باستبعادها عبارة “أحكام” شرائع المصريين المسيحيين، من أن تكون المصدر الرئيسي لتشريعات أحوالهم الشخصية، وقصر الأمر على “مبادئ” هذه التشريعات وحدها، وذلك من ناحيتين: الأولى: تحقيق التماثل في ماهية المصدر الرئيسي لتشريعات الأحوال الشخصية بين المصريين بمختلف عقائدهم الدينية. الثانية: إقالة المشرع؛ ومن بعده أحكام المحاكم؛ من التعثر في تحري واستقصاء أحكام شرائع المصريين المسيحيين بمذاهبهم الثلاثة، والطوائف التي تدخل تحت كل مذهب، وذلك فيما لو كان الدستور قد اعتد بأحكام شرائع المصريين المسيحيين، وقررها مصدرًا رئيسيًّا لتشريعات أحوالهم الشخصية، باعتبار أن هذه الأحكام هي “اجتهادات بشرية” لمعاني ودلالات آيات الإنجيل ومقاصدها، وهي اجتهادات تختلف بحسب المكان والزمان، وتقبل تطور مضامينها، في حدود “النصوص المقدسة”، ولها صور شتى، تتصدرها أقوال آباء الكنيسة الأولى الواردة في كتب “الدسقولية”، وقرارات المجامع المقدسة، المسكونية منها والمذهبية، والمراسيم البابوية الصادرة من الرئيس الأعلى للطائفة الدينية، والتقليد “العرف”، وجميع ما تقدم ذكره، يدخل ضمن “أحكام شرائع المصريين المسيحيين”، التي عرفوها خلال واحد وعشرين قرنًا، وهي مما يمكن الاعتداد بها أو بإحداها “كبديل تشريعي” في مسألة من مسائل الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين، مع مراعاة أن الاعتداد بهذه الأحكام أو إطراحها، لا يتحقق معه، في كلا الفرضين، مخالفة نص المادة الثالثة من الدستور”.

وينبني على الفهم السابق لعبارة “مبادئ شرائع المصريين المسيحيين” واحديتها، في مواجهة مذاهب المصريين المسيحيين الثلاثة المشار إليها، فهي المصدر الرئيسي لتشريعات أحوالهم الشخصية جميعها. ولما كان نص المادة العاشرة من الدستور على أن “الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية…”، فإنه يأتي حكم المادة الثالثة من الدستور موافقًا لهذا المؤدى، ذلك أن مبادئ شرائع المصريين المسيحيين المنظمة لأحوالهم الشخصية، إنما تتماهى مع مقاصد الدستور في مادته العاشرة من اعتبار الأسرة أساس المجتمع، فليس في تلك المبادئ ما يدعو إلى زعزعة استقرار الأسرة، أو يشي بغير الالتزام بصحيح الدين، والانضباط بمكارم الأخلاق، والاعتصام بالانتماء الوطني، وفي ذلك تشترك الأسرة المسيحية مع الأسرة المسلمة، على نحو ما قضت به المحكمة الدستورية العليا من أنه “لا يجوز في غير المسائل التي حسمتها نصوص دينية مقطوع بثبوتها ودلالتها، أن يمايز المشرع في مجال ربطها بين المصريين تبعًا لديانتهم، تقديرًا بأن الأصل هو تساويهم جميعًا في الحقوق التي يتمتعون بها، وكذلك على صعيد واجباتهم؛ وكانت الأسرة القبطية هي ذاتها الأسرة المسلمة، فيما خلا الأصول الكلية لعقيدة كل منهما، تجمعهما القيم والتقاليد عينها، وإلى مجتمعهم يفيئون تقيدًا بالأسس التي يقوم عليها في مقوماتها وخصائصها، وتعبيرًا عن انصهارهم في إطار أمتهم، ونأيهم عن اصطناع الفواصل التي تفرقهم أو الدعوة إليها، فقد صار أمرًا محتومًا ألا يمايز المشرع بينهم في مجال الولاية على النفس، التي تتحد مراكزهم بشأنها سواء في موجباتها أو حد انتهائها” (الدعوى رقم 79 لسنة 18 قضائية دستورية– جلسة 6/12/ 1997).

هذا وقد عرفت المادة 219 من دستور 2012 مبادئ الشريعة الإسلامية بأنها تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة التي تلتزم بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة المصدر الرئيسي للتشريع، ومن ثم، فإن مصادر الشريعة الإسلامية تندرج ضمن المبادئ الكلية في مفهوم نص المادة الثانية من الدستور، وقياسًا على ذلك فإن مبادئ الشريعة المسيحية المستخلصة من مصادرة المختلفة من الكتاب المقدس بعهدية القديم والجديد، وتعاليم الرسل، وقوانين المجامع المسكونية والمحلية والمكانية، وقوانين الآباء البطاركة هي المصدر الرئيس للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية والتي تشمل الزواج والطلاق والنفقة والميراث والهبة والوصية والوقف والتبني.

مما يتضح معه، أن مبادئ شريعة المسيحيين باختلاف مذاهبهم وطوائفهم والمُستَخلَصة من المصادر السابق ذكرها مصدرًا رئيسيًّا للتشريع فيما يتعلق بأحوالهم الشخصية، ويُعتد فيما تضمنته من أحكام تتعلق بالميراث في المسيحية، أسوةً بمبادئ الشريعة الإسلامية في ضوء مبدأ المساواة الدستورية.

ويثور تساؤل لدى البعض، هل الميراث من الأحوال الشخصية أم من الأحوال العينية؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب أن نوضح الفرق بينهما.

أولًا: الأحوال الشخصية  

يقصد بالأحوال الشخصية مجموعة الأحكام والمبادئ والمسائل التي تنظم علاقة الأفراد فيما بينهم من حيث أحكام الخطبة، والزواج، والمهر، والنفقة، والطلاق، والتطليق، والخلع، والنسب، والرضاع، والحضانة، والميراث، والوصية، والوقف. نصت المادة 28 من لائحة التنظيم القضائي للمحاكم المختلطة الصادرة بالقانون رقم 49 لسنة 1937، على أن تشمل الأحوال الشخصية “المنازعات والمسائل المتعلقة بحالة الأشخاص وأهليتهم أو المتعلقة بنظام الأسرة وعلى الأخص الخطبة والزواج وحقوق الزوجين وواجباتهما المتبادلة والمهر (الدوطة) ونظام الأموال بين الزوجين والطلاق والتطليق والتفريق والبنوة والإقرار بالأبوة وإنكارها والعلاقات بين الأصول والفروع والالتزام بالنفقة للأقارب والأصهار وتصحيح النسب والتبني والوصاية والقوامة والحجر والإذن بالإدارة وكذلك المنازعات والمسائل المتعلقة بالهبات والمواريث والوصايا وغيرها من التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت وبالغيبة وباعتبار المفقود ميتًا”. ومن هنا يتضح أن الميراث من مسائل الأحوال الشخصية.

وبعد إلغاء القضاء المختلط وصدور قانون نظام القضاء رقم 147 لسنة 1949 نصت المادة 12 بأن “تختص المحاكم بالنسبة لغير المصريين بالفصل في المنازعات والمسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية” ونصت المادة 13 على أن تشمل الأحوال الشخصية “المنازعات والمسائل المتعلقة بحالة الأشخاص وأهليتهم أو المتعلقة بنظام الأسرة كالخطبة والزواج وحقوق الزوجين وواجباتهما المتبادلة والمهر والدوطة، ونظام الأموال بين الزوجين والطلاق والتطليق والتفرق والإقرار بالنفقة للأقارب والأصهار وتصحيح النسب والتبني والولاية والوصاية والقوامة والحجر والإذن بالإدارة والغيبة واعتبار المفقود ميتًا والتصرفات المضافة إلى ما بعد الموت”، وعدلت المادة 12 سالفة الذكر بالقانون رقم 461 لسنة 1955 بحيث أصبح اختصاص المحاكم بالنسبة للأحوال الشخصية يشمل المصريين والأجانب. وبصدور قانون السلطة القضائية رقم 56 لسنة 1959 لم يغيّر ما نصت عليه المادة 13 من القانون رقم 147 لسنة 1949 في شأن تحديد مسائل الأحوال الشخصية لعدم تعارضها مع أي نصوص في قانون السلطة القضائية 1959.

وفي عام 1965 صدر قانون السلطة القضائية رقم 43 الذي نص في مادته الأولى على إلغاء القانون رقم 56 لسنة 1959 في شأن السلطة القضائية، والقانون رقم 147 لسنة 1949 في شأن نظام القضاء. ويقول الدكتور حمدي عبد الرحمن إنه أصبح من مؤدَّى ذلك إلغاء المادة 13 من القانون رقم 147 لسنة 1949 وعودة مسألة تحديد ما يعد من مسائل الأحوال الشخصية مجالًا للاجتهاد في الفقه والقضاء، وأن ما ورد في المادتين المشار إليهما بقي على سبيل الاستئناس عونًا أساسيًّا في رأي بعض الفقه، وبقي الحال على هذا حتى صدور قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 حيث لم يتعرض لتحديد ما يُعد من الأحوال الشخصية.

ثانيا: الأحوال العينية

هي مجموعة القواعد القانونية التي تنظم الحقوق المالية والالتزامات المتعلقة بشيء مادي عيني عقار أو منقول. تمنح صاحبها سلطة مباشرة للتصرف فيه أو استغلاله دون وساطة. تُعرف الحقوق العينية بأنها المراكز القانونية للأموال كحق الملكية، وحق الارتفاق وتميزها عن الأحوال الشخصية المتعلقة بالأشخاص، ويوجد نوعان من الحقوق.

  • الحقوق العينية الأصلية: حق الملكية هو أبرز الحقوق العينية الأصلية، ويخول صاحبه الاستئثار بكل منافع الشيء المادي من استغلال واستعمال وتصرف. وحق الارتفاق كحق المرور، وحق الانتفاع.
  • الحقوق العينية التبعية: مثل التأمينات العينية هي حقوق لا تقوم بذاتها بل تستند إلى حق شخصي لتضمن الوفاء به، مثل الرهن الرسمي أو العقاري.

وإزاء تعلق الميراث بالمال من حيث طبيعته كسائر الحقوق العينية، لا يفقده خصائصه وما تحمله من صفات أو سمات أو خصال التي ينفرد بها دون غيرة، والتي تختلف عن الحقوق العينية التي تحكمها إرادة الطرفين، فلا دخل للمورث أو الوارث في حق الإرث لكونه يؤول لمن يستحق بقوة القانون بعد وفاة المورث. 

 

 

ثالثًا: رأي القضاء في شأن اعتبار الميراث من الأحوال الشخصية أم العينية

حاول القضاء المصري وضع تعريفًا للأحوال الشخصية، فقد استقرت محكمة النقض المصرية في حكمها الشهير بتاريخ ٢١/ ٦/ ١٩٣٤م على أن الأحوال الشخصية هي “مجموعة ما يتميز به الإنسان عن غيره من الصفات الطبيعية أو العائلية التي ترتب عليها القانون آثرا قانونيًّا في حياته الاجتماعية، ككونه ذكرًا أو أنثى وكونه زوجًا أو أرملًا أو مطلقًا أو أبًا أو ابنًا شرعيًّا، كونه تام الأهلية أو ناقصها لصغر سنه أو عته أو جنون، وكونه مطلق الأهلية أو مقيدها بسبب من أسبابها القانونية. أما الأمور المتعلقة بالمسائل المالية، فكلها بحسب الأصل من الأحوال العينية، وإذا فالوقف والهبة والوصية والنفقات على اختلاف أنواعه ومناشئها من الأحوال العينية لتعلقها بالمال واستحقاقه وعد استحقاقه. غير أن المشرِّع المصري وجد أن الوقف والهبة والوصية -وكلها من عقود التبرعات- تقوم على فكرة التصدق المندوب إليه ديانة. فألجأه هذا إلى اعتبارها من قبيل مسائل الأحوال الشخصية، فيما يخرجها من اختصاص المحاكم المدنية التي ليس من نظامها النظر في المسائل التي تحتوي عنصرًا دينيًّا ذا أثر في تقرير حكمها…”؛ فهذا الحكم قسَّم تلك المسائل إلى شخصية ومالية وألحق الوقف والوصية والهبة بمسائل الأحوال الشخصية بسبب التصدق المندوب إليه ديانة وتعني ما اقتضى الشرع فعله من غير إلزام، أي ما يتصدق به الشخص وفقًا لشريعته طواعيةً دون إلزام عليه. ومن ثم، إدخالها في اختصاص محاكم الأحوال الشخصية وليس المحاكم المدنية، وأُخذ على هذا الحكم أنه أدخل النفقات على اختلاف أنواعها في الأحوال العينية بالمخالفة لنص المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية الصادرة بالمرسوم بقانون رقم 87 لسنة 1931 الصادر بتاريخ 12/ 5/ 1931 آنذاك والتي اعتبرت النفقات من مسائل الأحوال الشخصية. ومن ثم، يكون الاختصاص لقضاء الأحوال الشخصية.

رابعًا: رأي المحكمة الدستورية المصرية في شأن اعتبار الميراث من الأحوال الشخصية أم العينية  

انتهت المحكمة الدستورية في بحثها المشار إليه إلى أنه نشأ اصطلاح “الأحوال الشخصية”، في الحقبة الزمنية التي بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر واستمرت خلال القرن العشرين، بسبب تعدد جهات القضاء، وتعدد القوانين واجبة التطبيق. وكان تحديد المسائل التي تُعدُّ من الأحوال الشخصية له أهمية في تحديد جهة القضاء المختصة، والقانون واجب التطبيق، سواء بالنسبة للأجانب أو للمصريين، ولقد تصدت محكمة النقض لتعريف الأحوال الشخصية بحكمها الصادر في 21 يونيو سنة 1934، الذي قررت فيه أن “الأحوال الشخصية هي مجموعة ما يتميز به الإنسان عن غيره من الصفات الطبيعية ككونه ذكرًا أو أنثى، وكونه زوجًا أو أرملًا أو مُطلقًا، أو ابنا شرعيًّا، أو كونه تام الأهلية أو ناقصها لصغر السن أو عته أو جنون، أو كونه مطلق الأهلية، أو مقيدها بسبب من أسبابها القانونية”.

ولم يبتعد المشرع في المادة 13 من قانون نظام القضاء الصادر بالقانون رقم 147 لسنة 1949 عن هذا التعريف لمصطلح الأحوال الشخصية، بنصه على أن “تشمل الأحوال الشخصية المنصوص عليها في المادة السابقة، المنازعات في المسائل المتعلقة بحالة الأشخاص وأهليتهم أو المتعلقة بنظام الأسرة، كالخطبة والزواج وحقوق الزوجين، وواجبتهما المتبادلة، والمهر والدوطة ونظام الأموال بين الزوجين، والتطليق، والتفريق، والبنوة، والإقرار بالأبوة وإنكارها، والعلاقة بين الأصول والفروع، والالتزام بالنفقة للأقارب والأصهار، وتصحيح النسب والتبني، والولاية والوصاية والقوامة والحجر والإذن بالإدارة، وبالغيبة، واعتبار المفقود ميتًا، وكذلك المنازعات والمسائل المتعلقة بالمواريث، والوصايا وغيرها من التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت”.

وعلى الرغم من إلغاء هذا النص، فإن تعريفه للأحوال الشخصية “إجمالًا”، لا يزال قائمًا، ومن ثم فإن الأحوال الشخصية بمعناها المطلق، تشمل أربع مسائل رئيسية هي:  

  • حالة الشخص وأهليته. 
  • نظام الأسرة وما يلحقه من مسائل الولاية على النفس.
  • القوامة، والحجر، والإذن بالإدارة، والغيبة، واعتبار المفقود ميتًا.
  • المواريث والوصايا وغيرها من التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت.
  • في ضوء ما سبق، لنا أن نتساءل هل تُعد مبادئ شرائع المسيحيين من النظام العام في مصر؟

عرفت محكمة النقض “النظام العام” بأنه يشمل القواعد التي ترمي إلى تحقيق المصلحة العامة للبلاد، سواء من الناحية السياسية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية، والتي تتعلق بالوضع الطبيعي المادي أو المعنوي لمجتمع منظم، وتعلو فيه على مصالح الأفراد، وتقوم فكرته على أساس مذهب تدين به الجماعة بأسرها، ولا يجب ربطه البتة بأحد أحكام الشرائع الدينية، وإن كان هذا لا ينفي قيامه أحيانًا على سند مما يمت إلى العقيدة الدينية بسبب، متى أصبحت هذه العقيدة وثيقة الصلة بالنظام القانوني والاجتماعي المستقر في ضمير الجماعة بحيث يتأذى الشعور العام عند عدم الاعتداد به، مما مفاده وجوب أن تنصرف هذه القواعد إلى المواطنين جميعًا من المسلمين وغير المسلمين بصرف النظر عن دياناتهم، فلا يمكن تبعيض فكرة النظام العام، وجعل بعض قواعده مقصورة على المسيحيين وينفرد المسلمون ببعضها الآخر، إذ لا يتصور أن يكون معيار النظام العام شخصيًّا أو طائفيًّا، وإنما يتسم تقديره بالموضوعية متفقًا وما تدين به الجماعة في الأغلب الأعم من أفرادها. (الطعن رقم 16/ 26 لسنة 48 قضائية – جلسة 17/1/1979). ولتحديد معيار النظام العام يجب البحث عن القواعد التي تحقق مصلحة عامة عليا اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، بغض النظر عن الاعتبار الديني، كون الدستور كفل حرية الاعتقاد بغير تمييز. ومن ثم، لا تندرج شريعة المسيحيين تحت مسمَّى النظام العام حتى نستطيع القول إن خصوصيتها بالنسبة لفئة معينة في المجتمع تخالف النظام العام.

نظرت محكمة استئناف طنطا في الاستئناف رقم 1170 لسنة 47 ق بجلسة 25/5/2015 الطعن في مادة إعلام وراثة قد أصدرت محكمة أول درجة حكمها فيه بتحقيق وفاة المورثة وانحصار إرثها في إخوتها الأشقاء ويستحقون جميع تركتها تعصيبًا للذَّكَر مثل حظ الأنثيين. وانتهت محكمة الاستئناف بتعديل القرار الصادر في طلب إعلام الوراثة بتحقيق وفاة المورثة وانحصار إرثها في إخوتها الأشقاء ويستحقون جميع تركتها للذكر مثل الأنثى، تأسيسًا على أن المتوفاة ليس لديها فروع أو أصول ولها حواش هم إخوتها الأشقاء وإعمالًا لنص المادة 247 من لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس 1938 “إذا لم يكن للمورث فرع ولا أب ولا أم فإن صافي تركته بعد استيفاء نصيب الزوج أو الزوجة يؤول إلى إخوته وأخواته ويقسم بينهم حصصًا متساوية متى كانوا متحدين في القوة…” إعمالًا لأحكام المادة الثالثة من مواد إصدار القانون رقم 1 لسنة 2000 في شأن تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية التي نصت أن “تصدر الأحكام في المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية بين المصريين غير المسلمين المتحدي الطائفة والملة الذين كانت لهم جهات قضائية ملية منطبقة حتى 31 ديسمبر 1955 طبقًا لشريعتهم فيما لا يخالف النظام العام”.

ولما كان ذلك، وإزاء عدم مخالفة شريعة الأقباط الأرثوذكس للنظام العام كما سلف وأن أوضحنا ولوجود نص صريح في شريعتهم يُعطي للإخوة الأشقاء إرث أختهم المتوفاة لعدم وجود فروع أو أصول وارثة. ومن ثم يكون القضاء قد أصدر حكمة فيما يتفق والقانون واعترافًا صريحًا بالباب الحادي عشر من لائحة 1938 في شأن الميراث لذا تطبيق شريعة الميراث للأقباط الأرثوذكس المنصوص عليها في هذا الباب ومن بينها المادة 245 التي نصت على أنه “إذا تعددت الفروع وكانوا من درجة واحدة قسمت التركة فيما بينهم أنصبة متساوية ولا فرق في ذلك بين ذكر والأنثى…”. هي الواجبة التطبيق دون غيرها في حالة اتحاد الملة والطائفة بين الطبقات الوارثة.  

ثانيًا: أحكام القانون المصري من ميراث المسيحيين

بداية يجب أن نوضح تدرج التشريعات الوضعية بالنسبة للميراث بصفة عامة وللمسيحيين بصفة خاصة، وذلك من خلال العرض التالي:

  • القانون رقم 25 لسنة 1944 الصادر بتاريخ 27/3/1944 بشأن بيان القانون الواجب التطبيق في مسائل المواريث والوصايا

نص على أن “قوانين الميراث والوصية وأحكام الشريعة الإسلامية فيها هي قانون البلد فيما يتعلق بالمواريث والوصايا على أنه إذا كان المورث غير مسلم جاز لورثته في حكم الشريعة الإسلامية وقوانين الميراث والوصية أن يتفقوا على أن يكون التوريث طبقًا لشريعة المتوفَّى”.

ومفاد هذه المادة هو تطبق قانون البلد فيما يتعلق بمنازعات المواريث والوصية وأحكام الشريعة الإسلامية في حالة عدم وجود نص قانوني بالنسبة للمسلمين وغير المسلمين، إلا أن المشرع أناط لغير المسلمين من المسيحيين واليهود أن تطبق شريعة المورث -المتوفَّى- المنصوص عليها في الباب الحادي عشر من لائحة 1938 للأقباط الأرثوذكس السارية آنذاك شريطة أن يكون هناك اتفاق بين الورثة على توزيع الأنصبة وفقًا لشريعتهم وذلك في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية التي أجازت بدورها لغير المسلمين الاحتكام إلى شرائعهم ومن بينها الميراث.