مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

قانون الإيمان في العبادة الإنجيليَّة

Watch Now

Download

قانون الإيمان في العبادة الإنجيليَّة

بدايةً، نستطيع القول إنَّ الإنسان مخلوقٌ عاقلٌ حُرٌّ مستقلٌّ، وكائنٌ ليتورجيٌّ أيضًا. فهو مخلوق لديه الميل ليعبُد الله ويخدمه ويرضيه ويمجِّده، على المُستويَين الفرديّ والجماعيّ. وهو عاقلٌ وحُرٌّ ومُستقلٌّ ليكون ليتورجيًّا، أي مُنظَّمًا في عبادته، ومُنظِّمًا لها. لذلك، العلاقة قويَّة بين اللِّيتورجيا والأنثروبولوجيا، لأنَّ حياة الإنسان ذات طابع ليتورجيّ دائم.

        أمَّا العبادة الحقيقيَّة فهي التي تُقدَّم للإله الحقيقيّ وحده، الأمر الذي شدَّدت عليه أوَّل الوصايا: “للرَّبِّ إلهك تسجُد وإيَّاه وحده تعبُد”. والعهد القديم يقدِّم برنامجها اللِّيتورجيّ، أي العبادة بشكل مُنظَّم. وتأتي ليتورجيَّة العهد الجديد لتكون أسمى من كلِّ ما سبقها من ليتورجيَّات، بسبب الكشف الكامل عن شخصيَّة الله المعبود في شخص ابنه يسوع المسيح. من مُميزاتها تلاوة صلوات جماعيَّة مكتوبة إلى جوار الصَّلوات الحُرَّة الارتجاليَّة. قد يَظنّ بعضٌ أنَّ ترديد الصَّلوات المكتوبة يُقيِّد العلاقة مع الله، وكأنَّ الاستجابة الإلهيَّة مشروطة بألفاظٍ محدَّدة استُخدِمت في الماضي. لكن التَّمييز واجبٌ بين التِّكرار الجافّ وبين كتابة صلوات مُعاصرة تعبِّر بصِدقٍ عن شُكرِ وتسبيحِ واحتياجاتِ الكنيسة اليوم، وبين إعلان الإيمان، سواء في مُمارسة السِّرَّين –المعموديَّة والعشاء الرَّبانيّ- أو في تلاوة قانون الإيمان.

        وأمَّا تلاوة قانون الإيمان -الذي كتبه آباء في الأجيال الأولى، والذي يُشدِّد على الإيمان المشترَك بين جميع المؤمنين، ويربط أعضاء الجسد الواحد معًا- فهي أحد أهمّ عناصر العبادة اللِّيتورجيَّة، وهي الموضوع الأساس في هذا المقال، الذي سأتناول فيه، بنعمة الرَّبّ، ثلاثة محاور: تمييز وتعريف المُصطلح؛ الأساس الكتابيّ واللَّاهوتيّ؛ فلسفة تلاوة قانون الإيمان.

أوَّلًا: تمييز وتعريف المُصطلح

ما الفرق بين قانون الإيمان؛ وإقرار الإيمان؛ وشرح أصول الإيمان، وهي المفاهيم التي تُستعمَل كثيرًا في اللَّاهوت والعبادة المسيحيَّة؟ وما أهمّ قوانين الإيمان؟ هذه هي الفروق الدَّقيقة بينها:

  1. قانون الإيمان: نصٌّ ثابتٌ مُختصَرٌ رَسميٌّ تُعلِنه الكنيسة تعبيرًا عن إيمانها المشترَك بين جميع المؤمنين، وغالبًا يُتلى في العبادة الجماعيَّة. طابعه ليتورجيّ، ويتميَّز بأنَّه يُركِّز على حقائق الإيمان المسيحي الأساس. مثل: قانون الإيمان الرَّسوليّ؛ وقانون الإيمان النِّيقاويّ-القسطنطينيّ.
  2. إقرار الإيمان: هو وثيقة إيمانيَّة أشمَل وأطول نسبيًّا مِن قانون الإيمان. طابعه عقائديّ، ويُعبِّر عن الفكر اللَّاهوتي والعقائديّ لطائفة ما، فيقدِّم شرحًا منهجيًّا لمُعتقداتها. ويُستخدم في التَّعليم الكنسيّ؛ ورسامة الخدام وتنصيبهم؛ ويُميِّز بين عقائد الطَّوائف. يشمل مواضيع مثل: العهد؛ الكتاب المقدَّس؛ الأسرار/ الفرائض؛ الأخلاق؛ الكنيسة؛ السُّلطة… إلخ. ويتضمَّن ردودًا على هرطقات أو انحرافات ظهرَت زمن كتابته. مثل: إقرار الإيمان الوستمنستري؛ وإقرار إيمان أوغسبورغ.
  3. شرح أصول الإيمان: هو شرحٌ تعليميّ وتربويّ للأسُس العقائديَّة المسيحيَّة تفصيلًا. ويأتي في صيغة سؤال وجواب، يأخذ الطَّابع التَّعليميّ المنهجيّ، وهو موجَّه غالبًا إلى المؤمنين حديثيّ الإيمان، لأنَّه تعليمٌ مبسَّط ومنظَّم للمبادئ الإيمانيَّة. يشرح عقائد مثل: مَن هو الله؟ ما معنى الفداء؟ لماذا نُصلِّي؟ ما هي الكنيسة؟ وهكذا يجمع بين التَّعليم الكتابيّ واللَّاهوت العمليّ. مثل: التَّعليم المختصَر لوستمنستر؛ التَّعليم الهايدلبرغي.

        وهكذا نرى أنَّ طابع قانون الإيمان “ليتورجيّ”؛ وطابع إقرار الإيمان “عقائديّ”؛ وطابع شرح أصول الإيمان “تربويّ تعليميّ”. الأوَّل مُختصَر؛ الثَّاني أطوَل نسبيًّا؛ والثَّالث مُفصَّل.

قانونا الإيمان: الرَّسولي والنِّيقاويّ-القسطنطينيّ

قانون الإيمان الرَّسولي هو أقدَم وأبسَط صيغة إيمانيَّة مسيحيَّة جامعة. يأتي في نحو 12 عبارة تركِّز على: أحداث حياة المسيح؛ والثَّالوث الأقدس؛ والكنيسة؛ والحياة الأبديَّة. كلّ عبارة فيه مُستمدَّة مُباشرةً من نصوص العهد الجديد. له مكانة خاصَّة في تاريخ الكنيسة، لأنَّه: نصٌّ إيمانيٌّ مُختصَر، ترجع جذوره إلى القرون المسيحيَّة الأولى. سُمِّي “الرَّسوليّ” لأنَّه يُلخِّص إيمان الرُّسل، لا لأنَّهم كتبوه. أمَّا قانون الإيمان النِّيقاويّ فقد صِيغَ أوَّلًا في مجمع نيقيَّة (325م.)، الذي انعقد لمواجهة هرطقة أريوس الذي أنكر أزليَّة وألوهيَّة المسيح. وكان يُستخدَم أساسًا في تعليم الموعوظين (خاصَّة الذين يستعدُّون للمعموديَّة)، وفي العبادة الجماعيَّة.

        وأمَّا قانون الإيمان النِّيقاويّ-القسطنينيّ فهو أطول وأكثر تحديدًا لاهوتيًّا. هو الذي صِيغَ أوَّلًا في مجمع نيقيَّة، واستُكمِل في مجمع القسطنطينيَّة (381م.) بهدف مواجهة الهرطقات التي قلَّلت من ألوهيَّة الرُّوح القدس. وهو أطول وأكثر تفصيلًا من قانون الإيمان الرَّسوليّ. ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسة: الآب الخالِق؛ الابن الفادي؛ الرُّوح القدس الرَّبّ المُحيي. وهو الأوسع انتشارًا في العبادة المسيحيَّة. ويمكننا القول إنَّ قرارات مجمع نيقيَّة كانت نقطة إنقاذ للإيمان الرَّسوليّ مِن تحريفٍ جوهريّ؛ وأعطَت الكنيسة صيغة واضحة للإيمان بالمسيح بوصفه إلهًا حقًّا من إلهٍ حقّ.

ثانيًا: الأساس الكتابيّ واللَّاهوتيّ

هل هناك ما يدعَم فكرة وجود قانون إيمان كتابيًّا ولاهوتيًّا؟ مِن المهمّ لنا -نحن الإنجيليِّين- أن نؤسِّس مُعتقداتنا وعبادتنا على أسُس كتابيَّة ولاهوتيَّة واضحة. هناك سندٌ كتابيٌّ واضحٌ وقويٌّ للفلسفة اللَّاهوتيَّة والرُّوحيَّة الكامنة وراء وجود قانون إيمان، ومِن ثَمَّ تلاوته في العبادة الجهوريَّة. حتَّى وإن لم يُذكَر “قانون إيمان” بالاسم في الكتاب المقدَّس، فإنّ مبدأ إعلان الإيمان المشترَك، والاعتراف العلنيّ، والتَّعليم العقائديّ الجماعيّ، كلّها متأصِّلة في الكتاب المقدَّس. وهذه أبرز الأسُس الكتابيَّة:

 

  1. مبدأ الاعتراف العَلنيّ بالإيمان

(روميَّة 10: 9): “لأنَّك إن اعترفتَ بفمك بالرَّبّ يسوع، وآمنتَ بقلبكَ أنَّ الله أقامَه من الأموات، خَلَصتَ”. هذا هو جوهر قانون الإيمان: الإيمان القلبيّ والاعتراف العلنيّ، فرديًّا وجماعيًّا. فالاعتراف الفَمَويّ ليس اختيارًا، بل جزءٌ أصيلٌ من الإيمان الذي يخلِّص.

  1. مبدأ الإيمان الواحد المشترك

 (أفسُس 4: 4-6): “جسدٌ واحدٌ وروحٌ واحدٌ، كما دُعيتُم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد. ربٌّ واحدٌ إيمانٌ واحدٌ معموديَّةٌ واحدةٌ، إلهٌ وآبٌ واحدٌ للكلِّ”. يبرز بولس هنا وحدة الإيمان باعتبارها ركيزةً أساس للجماعة، وهو ما تُعبِّر عنه الكنيسة عندما تتلو قانون الإيمان الواحد بصفتها جماعة واحدة.

  1. مبدأ تسليم الإيمان الرَّسوليّ

 (1كورنثوس 15: 1-4): “وأعرِّفكم أيُّها الإخوة بالإنجيل الذي بشَّرتكم به، أنَّ المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتُب، وأنَّه دُفن، وأنَّه قام في اليوم الثَّالث حسب الكتُب…”. هذا النَّص يُعدُّ من أقدَم صِيَغ الإيمان المُبكِّرة في العهد الجديد، وكان يُتلى في الكنائس الأولى، ويُشبه قانون الإيمان في جوهره، الذي يعكس ذلك التَّسليم العقائديّ الرَّسوليّ.

  1. مبدأ الاعتراف المشترَك في العبادة

 (عبرانيِّين 10: 23): “لنتمسَّك بإقرار الرَّجاء راسِخًا، لأنَّ الذي وعد هو أمينٌ”. “إقرار الرَّجاء” تعبيرٌ آخَر عن الإيمان المعلَن بصوتِ الجماعة، وهو ما يُجسِّده قانون الإيمان.

  1. مبدأ الاحتكام إلى معيار الإيمان المستقيم

 (2تيموثاوس 1: 13): “تمسَّك بصورة الكلام الصَّحيح الذي سمعتَه مِنِّي، في الإيمان والمحبَّة التي في المسيح يسوع”. يوصي بولس تيموثاوس هنا أن يحفَظ “صورة” التَّعليم الصَّحيح، وهي الصُّورة التي عبَّرت عنها الكنيسة لاحقًا بصِيَغ مثل قانون الإيمان.

  1. مبدأ تسليم التَّعليم عَبر الأجيال

 (2تيموثاوس 2: 2): “وما سمعتَه منِّي بشهودٍ كثيرين، أودِعهُ أناسًا أمَناء، يكونون أكْفاء أن يُعلِّموا آخَرين أيضًا”. يُظهِر هذا النَّصّ أهمِّيَّة نقل التَّعليم الإيمانيّ مِن جيل إلى جيل، وهو ما يفعله قانون الإيمان بصورة مركَّزة ومُعلَنة.

  1. مبدأ وحدة الاعتراف رغم التَّنوُّع

 (1كورنثوس 12: 3): “وليس أحدٌ يقدِر أن يقول: يسوعُ رَبٌ إلَّا بالرُّوح القدس”. فتلاوة قانون الإيمان ليست مُجرَّد تكرارٍ ذِهنيّ، بل عملٌ روحيّ نُعلِنه بقيادة الرُّوح القدس للكنيسة.