مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

من اجلنا ومن اجل خلاصنا

Watch Now

Download

من اجلنا ومن اجل خلاصنا

نحتفل هذا العام بمرور ألف وسبعمئة عامٍ على انعقاد “مجمع نيقية Council of Nicaea“، وقد سُمي مجمع نيقيّة بهذا الاسم نسبة إلى مكان انعقاده في مدينة “نيقيّة[1] عاصمة مقاطعة بيثينية، في الشمال الغربي لآسيا الصغرى، وبدأ المجمع فعالياته في العشرين من مايو عام 325م، وذلك بناءً على دعوة من الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول، ويُعدُّ هذا المجمع الكنسي، هو المجمع المسكوني الأول، إذ حضره ممثلو كافة قيادات الكنيسة حول العالم، وتراوح عددهم ما بين 250 إلى 318 أسقفًا غالبيتهم من الشرق. ومع أنَّ مجمع نيقية لم يكن المجمع المسيحي الأول في التاريخ[2]، إلَّا أنَّه يُعدُّ حجر الزاوية في العقيدة المسيحيّة، في سياق عبارة “من أجلنا ومن أجل خلاصنا“، ركَّز المجمع على أهميّة عمل المسيح في الفداء والخلاص. هذا التأكيد عكس جوهر العقيدة المسيحيّة، حيث يُعدُّ عمل المسيح أمرًا أساسيًّا لخلاص الإنسان وتجديد العلاقة مع الله.[3] هدف المجمع إلى تحديد علاقة الأب بالابن.

لم يحظَ “مجمع نيقية” بتلك الأهميّة العظمى، بسبب شخص الداعي إليه، بل في الموضوعات والخلافات والقضايا اللاهوتيّة التي شغلت الرأي العام الكنسي آنذاك، ومدى تأثيرها على السياسي والديني، على الإمبراطورية، وعلى الإيمان المسيحي ذاته؛ إذ احتدمت الخلافات بين أريوسArius [4] وأتباعه من جهةٍ وبين ألكسندروس الأول Pope Alexanderos I[5] وأتباعه من جهةٍ أخرى، حول طبيعة شخص يسوع المسيح!، أو بمعنى آخر: “من هو يسوع المسيح؟ هل هو حقًّا إله، أم شيء أقل من ذلك؟“، بالإضافة لعددٍ آخر من الموضوعات اللاهوتيّة، ومنها: تحديد موعد الاحتفال بعيد القيامة، صحة معمودية الهراطقة، وقد اختتم المجمع فعالياته في الخامس والعشرين من أغسطس 325م، وقد كان قانون الإيمان النيقاوي أحد أهم أبرز نتائج ومُخرجات هذا المجمع المسكوني.

ولقانون الإيمان النيقاوي ثلاث صور؛ الأولى وهي النسخة التي أقرها مجمع نيقيّة عام 325م، والثانيّة تلك التي نُقِّحت وأُقرَّت في مجمع القسطنطينيّة عام 381م، وفيها أُضيفت بعض العبارات في شأن أقنوم الروح القدس وعمله، أمَّا الثالثة وهي التي تعتمدها الكنيسة الغربيّة أُقرت في مجمع توليدو سنة 589م. وفيها أضيفت لفظة «والابن» إلى العبارة الدالة على انبثاق الروح من الآب.[6] ويُعدُّ قانون الإيمان النيقاوي، هو القانون الوحيد الذي اتفق عليه القادة المسيحيون وأقرَّته الكنائس الكاثوليكيّة الرومانيّة والأرثوذكسيّة الشرقيّة والأنجليكانيّة ومعظم الكنائس البروتستانتية. لقد أسس قانون الإيمان تأكيدات حيوية للحقيقة: أن يسوع هو “إله حق من إله حق”، “مولود غير مخلوق”، و”من جوهر واحد مع الآب”.[7]

ينص قانون الإيمان النيقاوي، ويُسجِّل عبارة تقول: “من أجلنا ومن أجل خلاصنا“، لتُعبِّر عن الهدف من تجسد المسيح وصلبه، وحين يقول إنَّ يسوع المسيح “نزل من السماء… وصار إنسانًا من أجلنا ومن أجل خلاصنا”. هذا يعني أنّ تجسد يسوع، وصيرورته إنسانًا، لم يكن مجرد حدثٍ، بل عمل مقصود لخير البشريّة. وهكذا تُجسِّد عبارة: “الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء” جوهر الفهم اللاهوتي لمجمع نيقية فيما يتعلق بتجسد يسوع المسيح وأهميته لخلاص البشرية.[8] كما تؤكِّد تلك العبارة على أن يسوع ليس مجرد إنسان، بل هو أيضًا إلهٌ في صورة إنسان، جاء إلى الأرض ليخلص البشرية من الخطيئة والموت. وقد أكَّد المجمع على أنّ المسيح هو الابن الوحيد لله، المتجسد من أجل خلاص الإنسان، مشددًا على أهمية عمله الفدائي في تحقيق الخلاص للبشر. وبعباراتٍ أخرى تُلقي هذه العبارة “من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء”، الضوء على النقاط الرئيسية التالية حول دور يسوع:

النزول من السماء: يسوع ابن الله، “نزل من السماء” إلى الأرض.  “الإخلاء

التجسد: “تجسد” (اتخذ شكلًا بشريًّا) من الروح القدس ومن العذراء مريم.

الخلاص: نزوله وتجسده كانا من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا.

الصلب والموت والقيامة: تؤكد هذه العبارة أيضًا على معاناة يسوع وموته وقيامته.

ومع أنَّ قانون الإيمان النيقاوي ليس نصًّا كتابيًّا ورد في الكتاب المقدس، إلاَّ أنَّه يُعدُّ قانونًا كتابيًّا بمعنى أنَّه يتوافق مع رسالة الإنجيل ويلخص الحقائق الكتابيّة، على الرغم عن عدم وجوده صراحة في الكتاب المقدس.[9] كما أنَّ الجماعات التي تُسمي نفسها مسيحيّة ولكنَّها لا تقبل قانون الإيمان النيقاوي هي جماعاتٌ عادةً ما تتبنى معتقداتٍ غير تقليديةٍ حول طبيعة الله الثالوثيّة.[10]

الأساس الكتابي

عبارة “من أجلنا ومن أجل خلاصنا“، تلخص عدة موضوعات كتابيّة رئيسيّة. فنقرأ في إنجيل لوقا بوضوح الغرض الفدائي لمجيء وتجسد المسيح، حيث يكتب البشير “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ» (لوقا 19: 10)، وهو ما يؤكده البشير يُوحنا قائلًا: “لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ.” (يوحنا 3: 17)، أي أنَّ الله أرسل ابنه لكي يخلُص العالم من خلاله؛ ذات الرسالة والإيمان يكررهما الرسول بولس في كتاباته، مؤكدًا مرارًا وتكرارًا، تأكيدً واضحًا وحاسمًا على بذل المسيح لذاته “من أجلنا”. يُسجِّل هذا الإيمان في رسالة روميّة قائلًا: “الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا” (روميّة 4: 25)، وكذلك في غلاطيّة قائلًا: “الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا” (غلاطيّة 1: 4)، وبالمثل يكتب في رسالته إلى أهل كنيسة أفسس: “كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً لِلَّهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً.” (أفسس 5: 2)، بينما يصِفُ في رسالته إلى تلميذه تيطس شخصًا بذل نفسه لأجلنا ليفدينا من كل إثم وخطية، فيقول: “الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا غَيُورًا فِي أَعْمَالٍ حَسَنَةٍ” (تيطس 2: 14).

وربما تتجلى الصلة بين التجسد والخلاص أكثر وضوحًا في الرسالة إلى العبرانيين حين نقرأ “فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ” (عبرانيين 2: 14-15). هنا، يرتبط تجسّد المسيح “باللحم والدم” ارتباطًا مباشرًا بهدفه الفدائي؛ إذ أصبح إنسانًا تحديدًا لإنقاذ وخلاص البشر. تستكشف رسالة العبرانيين أهميّة تجسد المسيح، مستخدمةً لغةً أصبحت أساسًا للنقاشات اللاهوتيّة اللاحقة، مثال: “مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا لِلَّهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ” (عبرانيين 2: 17).

لقد تطلّب الخلاص أن يتجسّد الكلمة في إنسانيتنا ويشاركنا فيها بشموليةٍ لا تَبقى فيها أيّ بُعدٍ من أبعاد التجربة الإنسانيّة دون أن تُلامسها الرحمة الإلهيّة. وكطبيبٍ يُضطرّ إلى دخول الحجر الصحيّ لشفاء المرضى، انغمس المسيح في أعماق حالتنا.

“ما لا يُتخذ لا يُسترد” وهكذا تبلورت هذه الرؤية الكتابيّة لاحقًا في مبدأ أصبح القاعدة الأساسيّة في الجدل حول المسيح بعد مجمع نيقية. وقد عبّر عنها غريغوريوس النزينزي Gregory of Nazianzus[11] بوضوح في رسالته ١٠١ إلى كليدونيوس، قائلَا: “ما لم يتّخذه لم يشفِه، بل ما اتحد بألوهيته يُخلّص أيضًا“. فإذا لم يتّخذ المسيح جانبًا من الطبيعة البشريّة (العقل، الإرادة، العواطف، الجسد)، فإن هذا الجانب ظلّ دون خلاص.[12]

[1] نيقية:Νίκαια  هي مدينة إغريقيّة قديمة تقع على ساحل الأناضول الغربي في تركيا عند بحر مرمرة وتسمى إزنيق حديثًا.

[2] نقرأ عن أول مجمع في التاريخ المسيحي في سفر أعمال الرسل الإصحاح الخامس عشر، نحو عام خمسين ميلادية، وكان موضوعه مناقشة مشكلة التهوُّد، والتي كانت تنادي بضرورة أن يتحول الأممي إلى اليهوديّة ويُختتن حسب عادة موسى والناموس، كخطوة تمهيديّة وضرورية لنوال الخلاص والتمتع بالحياة المسيحيّة؛ وكان الرسول يعقوب -أسقف أورشليم وأعلى رتبة كنسيّة في ذلك الوقت- قائدًا لذلك المجمع وقد اتخذ قرارًا جريئًا أزال تلك العقبة أمام كل مَن يُريد الإيمان بالمسيح والمسيحيّة (أعمال 15: 1-35).  يعتبر المؤتمر الكنسي المسيحي الأول سواء على مستوى المكان أو الزمان. (حضور المؤتمر الرسول بطرس ويوحنا وبولس وبرنابا، وغيرهم من تلاميذ المسيح ورسله الموجودين في أورشليم آنذاك).

[3] www.solas-cpc.org

[4]  أريوس، وُلِدَ في القيروان في ليبيا عام 256م، ثم سيم قسيسًا وتميَّز بالزهدِ. ويُعدُّ مؤسس الأريوسية، التي تقول إن يسوع المسيح لم يكن أزليًّا مع الله الآب، بل خُلِقَ من الله الآب، توفي آريوس في القسطنطينيّة عام 336م. مع أن الأريوسية بحد ذاتها ليست شائعة اليوم، إلا أنّ بعض الحركات والجماعات الدينية المعاصرة قد تتشارك معتقدات مماثلة بشأن طبيعة يسوع.

[5] وُلد ألكسندروس الأول بالإسكندرية، لا يُعرف الكثير عن سنواته الأولى. لكنَّه خدم كاهنًا وسيم قسًّا، ثم بابا للإسكندرية وبطريركًا للكرازة المرقسيّة، وهو البابا رقم “19” في تاريخ باباوات كنيسة الإسكندرية، وقد واجه الإسكندر نفسه ثلاثة تحديات رئيسية خلال فترة رئاسته، الأولى بقيادة إريسنتيوس، والتي طعنت في توقيت عيد الفصح، والثانيّة قضية ميليتيوس، والثالثة بدعة أريوس والتي كانت سببًا رئيسيًّا في الدعوة لانعقاد مجمع نيقيّة، وقد توفي ألكسندروس في الإسكندرية في تاريخ 17 أبريل 326م.

[6] قانون الإيمان النيقاوي: موقع الإنجيليون المشيخيون. https://ep-church.org/confession-of-the-nicene-faith

[7]Angela Mackenzie, Celebrating 1,700 Years of the Nicene Creed. https://www.solas-cpc.org/celebrating-1700-years-of-the-nicene-creed/

[8] www.solas-cpc.org

[9]Emily Hall. What Exactly Is the Nicene Creed, and Is it Biblical? https://www.biblestudytools.com/bible-study/topical-studies/where-did-the-nicene-creed-come-from.html

[10] بعض المجموعات الحاليّة، التي غالبًا ما تدعي أنَّها مسيحيّة، ومع ذلك تتمسك بتعاليم أريوس ولا تؤمن بالحقائق الكتابيّة ولا تقر بمخرجات مجمع نيقية، هي: “المورمون أو ما يُطلق عليها، كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة، شهود يهوه، والوحدويون، والعالميون”.

[11]  غريغوريوس النزينزي، وُلِدَ في نازينزوس عام 329، في مقاطعة كبادوكيّة الرومانية، رُسِم قسيسًا بناءً على رغبة والده، وكان عالم لاهوت مسيحيًّا رومانيًّا مبكرًا وأسقفًا خدم كرئيس أساقفة القسطنطينية من عام 380 إلى 381. ساعد في الدفاع عن الإيمان المسيحي القويم في مواجهة الأريوسيّة، وهو أحد ثلاث شخصيَّات في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية نال لقب “اللاهوتي”، رقد في مسقط رأسه في 25 يناير 390م.

[12] Bryan Hollon, We Believe: For Us and For Our Salvation, He Came Down from Heaven. https://anglicancompass.com