صورة الله في الإنسان وفقًا للفكر الإنجيلي المصلح
- Sermon By: سهيل سعود
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
من المفاهيم اللاهوتية الأساسية في الفكر الإنجيلي المصلح صورةُ الله في الإنسان. يذكر نصُّ خلق الله للإنسان، في سفر التكوين: «وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلَّطون على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى جميع دبَّابات الأرض كأجناسها. فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وأنثى خلقهم» (تكوين 1: 26-27). إنَّ صورة الله في الإنسان هي الميزة التي تميِّزه عن سائر المخلوقات. وقد فسَّرت الكنائس المسيحية المختلفة نصَّ سفر التكوين المشار إليه بطرائق متباينة. فالكنيسة الكاثوليكية ميَّزت بين صورة الله وشبه الله في الإنسان، واعتقدت أن صورة الله تتضمَّن هبات الله الطبيعية للإنسان، مثل: الشخصية، والفكر، والإرادة. أمَّا شبه الله فهو الهبة الروحية الفائقة للطبيعة، التي أضافها الله إلى الطبيعة البشرية بعد خلق الإنسان، وقبل سقوط آدم في الخطيئة. وهي تتضمَّن المواهب الروحية، وهي: البرُّ، والقداسة، والحق. والكنيسة الأرثوذكسية، مثل الكنيسة الكاثوليكية، ميَّزت بين صورة الله وشبه الله في الإنسان، ولكن دون الاعتقاد بأن الله أضاف هبةً فائقةً إلى الطبيعة البشرية. أمَّا المصلحون الإنجيليون الأوائل، مثل: مارتن لوثر، وجون كلفن، وأولرخ زوينغلي، وغيرهم ممن صاغوا اللاهوت الإنجيلي، فإنهم في تفسيرهم لنصِّ الخلق السابق الذكر، لم يميِّزوا بين تعبيري: «صورة الله» و«شبهه»، بل اعتبروا أن التعبيرين أسلوبٌ أدبيٌّ يعبِّر عن حقيقة واحدة، ألا وهي أن الإنسان خُلق على صورة الله، وعلى مثال الله الكامل. واعتقد المصلحون الإنجيليون أن صورة الله في الإنسان تتكوَّن من ثلاث هبات روحية أساسية، هي: المعرفة الحقيقية، والبرُّ، والقداسة.
وعند دراسة المصلحين لصورة الله في الإنسان في الكتاب المقدس، وجدوا أن نصوصًا عديدة تذكر تعبيرًا واحدًا، إمَّا الصورة أو الشبه، وليس التعبيرين معًا (صورة الله وشبه الله). فبعض النصوص الكتابية تذكر فقط «صورة الله»، مثل: «فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وأنثى خلقهم» (تكوين 1: 27)، و«لأن الله على صورته عمل الإنسان» (تكوين 9: 6)، و«ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة، حسب صورة خالقه» (كولوسي 3: 10). وذكر نصوص أخرى تعبير «الشبه»، مثل: «يوم خلق الله الإنسان على شبه الله» (تكوين 5: 1). واعتقد المصلحون أن التفريق بين تعبيري: صورة الله وشبه الله، أخرج مفهوم صورة الله عن الإطار الذي رسمه الكتاب المقدس، أي: المعرفة، والبرُّ، والقداسة، كما ذكر الرسول بولس: «وتلبسوا الإنسان الجديد، المخلوق بحسب الله، في البرِّ وقداسة الحق» (أفسس 4: 24). ولم يرَ المصلحون في نصِّ الخلق أيَّ تلميح إلى وجود عناصر الفكر، والإرادة، والمشاعر، ضمن مكوِّنات صورة الله.
قال مارتن لوثر: «إذا ما اعتمدنا هذه القوى، الفكر، والإرادة، والمشاعر، لتمثيل صورة الله، فإن إبليس قد يصبح صورةً عظيمةً عن الله؛ لأنه ذكيٌّ جدًا، ولديه إرادةٌ مصمَّمةٌ جدًا». وقال جون كلفن: «بما أن الله قدوس وبارٌّ، والإنسان مخلوق على صورة الله، فإن صورة الله في الإنسان مؤلَّفة من هذه السمات الروحية: المعرفة الحقيقية، والبرُّ، والقداسة. وهي صورة ديناميكية حيوية، وليست جامدةً في طبيعتها». وفي تعليقه على كتاب «وستمنستر الصغير للتعليم المسيحي»، يذكر القس توماس فينسنت قائلًا: «لا تتضمَّن صورة الله في الإنسان أيَّة مظاهر خارجية لجسد الإنسان، وكأن الله له شكل خارجي، بل إن صورة الله في الإنسان هي استقامة النفس الكاملة، والمعرفة في الفهم، والبرُّ في الإرادة، والقداسة في المشاعر».
إلَّا أنَّ النقطة الأساسية الفاصلة، التي أدَّت إلى تكوين مفاهيم مختلفة بين الكنائس المسيحية حول حالة الإنسان، هي سؤال: ما الأثر الذي تركه سقوط آدم في الخطيئة على صورة الله في الإنسان؟ وماذا حدث لقدرات الإنسان بعد سقوطه؟ اعتقدت الكنيسة الكاثوليكية أن سقوط آدم في الخطيئة أدَّى إلى فقدان الإنسان العطية الكبرى المضافة إلى الطبيعة البشرية، وهي «شبه الله». وهكذا، لم تفسد الطبيعة البشرية كاملةً بخطيئة السقوط، بل ضعفت فقط. وعليه، فالإنسان الساقط لا يزال يحتفظ ببعض الصلاح والإرادة الحرة، ولا يزال قادرًا على الاستجابة لنعمة الله. أمَّا الكنيسة الأرثوذكسية، فقد اعتقدت أنه، بالرغم من خطيئة السقوط، لا يزال الإنسان الساقط يحمل بعض الصلاح. ويذكر الأسقف الأرثوذكسي الإنكليزي تيموثي واير: «أن الفكر الديني الأرثوذكسي يركِّز كثيرًا على صورة الله في الإنسان… مهما كنَّا خطاةً، فنحن لم نخسر صورة الله فينا بالسقوط. فبمجرد أن الإنسان هو صورة الله، فإنَّ من الأمور التي لا يزال يمتلكها: الإرادة الحرة، والقدرة على القيام بأعمال حسنة».
شدَّد المصلحون الإنجيليون على الدمار الكبير الذي سبَّبته خطيئة السقوط في صورة الله في الإنسان. وآمنوا أن الخطيئة محت، بشكل كامل، صورة الله في الإنسان، وأفسدت جميع قواه الفكرية، والإرادية، والعاطفية. لذلك، لم يعد يحمل في داخله أيَّ شيء صالح، وأصبح في حاجة ماسَّة إلى تدخُّل إلهي من خارج ذاته، حتى يستعيد صورة الله فيه. قال المصلح مارتن لوثر: «قبل السقوط، امتلك آدم عقلًا مستنيرًا، ومعرفةً حقيقيةً عن الله، ورغبةً صادقةً في محبة الله والقريب. لكن في السقوط، فُقدت صورة الله فيه بشكل كامل. لذلك، ليس أحد سوى الإنجيل يستطيع إعادة صورة الله إلينا، حتى نتشكَّل، بالإيمان الحقيقي والتبرير أمام الله، ثانيةً على صورة الله الخالق».
وفي تعليقه على المعرفة التي أصبح الإنسان يمتلكها بعد السقوط، قال جون كلفن: «كل الناس لديهم معرفة فطرية بالله من خلال الأمور التي خلقها وصنعها، ولا سيما في الطبيعة. لكن هذه المعرفة لا تُخلِّص، ولا تقود الإنسان إلى المعرفة الأسمى، وهي أن الله هو المخلِّص. وذلك لأن الخطيئة أوقعت الإنسان في الخراب. فبعد السقوط، لم يعد أحد يستطيع اختبار الله أبًا متمِّمًا للخلاص، لكن الله يأتي إلينا في ابنه يسوع المسيح، الوسيط بينه وبيننا، حتى يصالحنا معه. وبالتالي، نحن بحاجة ماسَّة إلى أن تأتينا معونة أخرى من خارجنا تقودنا إلى خالق الكون نفسه. وهذا الأمر يتحقَّق من خلال نور كلمة الله، التي تقودنا إلى الإيمان بالمسيح، فنستعيد صورة الله فينا، باستعادة المعرفة الحقيقية المخلِّصة، والبرِّ، والقداسة».
أمَّا المصلح هينريخ بولينغر، فقد قال: «إن هذا الفساد في طبيعتنا ما هو إلا محوٌ وإزالةٌ لصورة الله فينا، التي هي: المعرفة الحقيقية، والبرُّ، والقداسة». ويضيف قائلًا: «ما الذي تمكَّن من محو صورة الله فينا غير الخطيئة الأصلية، التي هي كراهيتنا لله، وأنانيتنا، ونجاستنا، وكذبنا، وشرُّنا، وجهلنا به، مما أفقدنا السعادة الأبدية معه؟ فهذا الفساد وصل إلينا جميعًا في سقوط آدم». أمَّا اللاهوتي وليم باركينز، فقد قال: «عندما أخطأ آدم، حرم نفسه أولًا من صورة الله، ثم حرم نسله منها. وبسقوطه مثَّل كل الإنسانية الساقطة والفاسدة. وهذا ما يعلنه الكتاب المقدس، فبعد سقوط آدم لم يعد نسله يولد على صورة الله، بل على صورة آدم الساقط، أبيهم، كما ذكر كاتب سفر التكوين: “وعاش آدم مئةً وثلاثين سنة، وولد ولدًا على شبهه كصورته” (تكوين 5: 3)».
في القرون اللاحقة التي تلت عصر الإصلاح الإنجيلي، ظهر بين بعض الكنائس الإنجيلية ما يُسمَّى «المفهوم الأضيق» و«المفهوم الأوسع» لصورة الله. فالمفهوم الأضيق هو مفهوم المصلحين الإنجيليين الأوائل، الذين رأوا أن صورة الله تتضمَّن الفضائل الروحية: المعرفة، والبرَّ، والقداسة، التي فُقدت بالكامل عند السقوط. أمَّا المفهوم الأوسع لصورة الله، فهو الادعاء أنها تتضمَّن أيضًا قوى الإنسان العقلية، والإرادية، والعاطفية. وادَّعى أصحاب هذا الرأي أن هذه القوى لم تتأثَّر بسقوط آدم في الخطيئة، ولم تفسد، وإنما الذي فسد هو الفضائل الروحية، أي: المعرفة، والبرُّ، والقداسة.
وقد أوصل هذا الرأي بعض الإنجيليين إلى القناعة بأنه لا يزال لدى الإنسان الخاطئ القدرة العقلية على التفكير الصحيح، كما أنه لا يزال يملك حرية الإرادة لاتخاذ القرار الصحيح، بما في ذلك العودة إلى الله. وعليه، لا يمكن أن يكون الإنسان فاسدًا فسادًا كاملًا. يقول اللاهوتي لويس باركهوف: «ليس بين جميع الكنائس الإنجيلية إجماع على تحديد مضمون صورة الله في الإنسان. ويعترض بعض اللاهوتيين الإنجيليين على التمييز بين المفهومين: الأضيق والأوسع، ويرون في هذا التمييز خطورةً كبيرةً؛ لأنه يفتح الطريق للاعتقاد بأن بعض صفات الله لا تزال موجودة في الإنسان الساقط، فيأخذ الموضوع بُعدًا فلسفيًّا، لا بُعدًا كتابيًّا».
كما برز إنجيليون آخرون فسَّروا صورة الله في الإنسان بأنها تظهر في منح الله الإنسان القدرة على السيادة والتسلُّط عند خلقه إياه. ولتبرير اعتقادهم اقتبسوا قول سفر التكوين: «وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلَّطون على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى جميع دبَّابات الأرض كأجناسها» (تكوين 1: 26). واعتبروا أن السيادة على الأرض من خلال الدول والحكومات المسيحية هي مظهر من مظاهر صورة الله في الإنسان السيِّد.



