يأتي ليدين الأحياء والأموات
- Sermon By: القس رفعت فتحي
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
يُعَدّ مجمع نيقية (325م) لحظة مفصلية في التاريخ العقائدي للمسيحية؛ إذ شكّل المرجع الأول لصياغة قانون إيمان مسكوني جامع. ورغم أنَّ المحور الرئيس للمجمع كان الكريستولوجيا ومواجهة الأريوسية، فإن البعد الأخروي حضر بوضوح من خلال العبارة “ويأتي ليدين الأحياء والأموات”. يهدف هذا البحث إلى تتبّع حضور الأخرويات في نيقية، في ضوء المصادر النصية والجدالات اللاهوتية، وتحليل أثرها الليتورجي والرعوي، مع إبراز كيف تحوّلت تلك العبارة “ويأتي ليدين الأحياء والأموات” إلى عنصر تأسيسي في رجاء الكنيسة الجامعة عبر العصور.
المحور الأول: قراءة في التأثير الإسخاتولوجي لمجمع نيقية
تمهيدٌ منهجيّ: ما الذي نملكه فعليًّا عن نيقية؟
تبدأ أيّ دراسة أخروية لمجمع نيقية من واقعٍ نصّيٍّ لا بدّ من التصريح به: لم تحفظ لنا العصور الوسطى محاضر جلسات نيقية الأصلية، بل وصلتنا ثلاثة عناصر أساسية:
(أ) نصّ قانون الإيمان النيقاوي كما تداولته مصادر القرن الرابع وما بعده؛
(ب) عشرون قانونًا انضباطيًّا (canones)؛
(ج) رسائل ووثائق مرتبطة بالمجمع (رسائل قسطنطين، الرسالة السينودسيّة إلى مصر… وغيرها). أما محاضر المناظرات التفصيلية فمفقودة، وما بين أيدينا هو سرديات لاحقة (سقراط، سوزومين، ثيودورت، أعمال نيقية المنحولة عند جلاسيوس القيزقي)، تختلف في القيمة التاريخية ويجب قراءتها نقديًّا[1]. وقد لخّص فيليب شاف[2] هذا الواقع مبكرًا مؤكّدًا أنَّ المتوفر هو قانون الإيمان النيقوي والعشرون قانونًا الذين صدروا عن المجمع وبعض الرسائل، مع جداول مقارنة لنص 325م ونص 381م وطبيعة الإضافات فيه.
من هنا، فإن أيّ حديثٍ موثّق عما دار في المناقشات الأخرويّة داخل القاعة يجب أن يستند إمّا إلى:
(1) ما يمكن استنباطه يقينيًّا من نصّ القانون النيقاوي نفسه، أو
(2) الشهادات المباشرة لأساقفةٍ حضروا المجمع (مثل رسالة أوسابيوس القيصري إلى كنيسته)، أو
(3) السرديات التاريخية الأقرب زمنًا، مع وعيٍ بحدودها ومقاصدها الجدلية).
أوّلًا: نصّ قانون الإيمان النيقاوي (325م) وموضع العبارة الأخروية
تُجمِع الطبعات النقدية والمواقع المتخصصة في نصوص الكنيسة الأولى على أنّ صيغة نيقية 325م -على خلاف الشائع في بعض المقرّرات الحديثة- تشتمل بالفعل على العبارة الأخروية داخل فقرة المسيح: “ويأتي ليدين الأحياء والأموات”. ἔρχεσθαι κρῖναι ζῶντας καὶ νεκρούς. ويظهر ذلك بوضوح في النسخ اليونانية/اللاتينية التي توردها، حيث يرد السطر ضمن مقطع الاعتراف بالابن قبل “والروح القدس”، مع (الأناثيمات) بعدها.
كما أن جداول شاف المقارنة تُظهر أنّ الختْم الروحاني لصيغة 325م كان “ونؤمن بالروح القدس”، دون فقرات الكنيسة الواحدة والمعمودية وقيامة الأموات وحياة الدهر الآتي، التي أضيفت في 381م؛ لكنْ عبارة المجيء للدينونة موجودة في متن الفقرة الخاصّة بالمسيح في 325م نفسها. وهذا يفسّر الجمع بين ملاحظتَين تبدوان متعارضتين ظاهريًّا لدى الدارسين:
(أ) نهاية قانون 325م عند “والروح القدس”؛
(ب) وجود عبارة “لِيدين الأحياء والأموات” داخل الفقرة الكرستولوجية (التي تتحدث عن المسيح).
وتزداد الصورة وضوحًا إذا قرأنا قانون قيصرية الذي عرضه يوسابيوس القيصري على المجمع -والذي قبله الأساقفة بعد إضافة صيغٍ مضادّة للأريوسية؛ إذ يحتوي بدوره على عبارة “ويأتي ليدين الأحياء والأموات”. هذا يبيّن أن العبارة الأخروية لم تكن اختراعًا لاحقًا، بل كانت حاضرة في صيغ المعمودية والتعليم ما قبل نيقية، ثم حافظ عليها نص 325م.
ثانيًا: مقارنة موجزة مع صيغة 381م (القسطنطينية) في البُعد الأخروي
أما قانون 381م (المشهور كنسيًّا في الاستعمال الليتورجي)، فقد استبقى العبارة الأخروية عينها في فقرة الابن (وأيضًا يأتي بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات)، وأضاف -وهذا مهم لبحثنا- فقرةً أخروية صريحة في الختام: “ونترجّى قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي”. هذه الإضافة لا تعني غياب الأخرويات عن 325م، بل تعني أنّ مجمع 381م نقل الموضوع الأخروي، من كونه جملة ضمن الكرستولوجيا، إلى كونه أيضًا خاتمة لاهوتية-ليتورجية للقانون برمّته، مؤطِّرًا رجاء الكنيسة ككل[3].
بعبارةٍ أخرى: نيقية (325) تقرّ بالمجيء الثاني والدينونة داخل بند المسيح، فيما القسطنطينية (381) تُجمِل إيمان الكنيسة بالحياة الآتية وقيامة الموتى في خاتمةٍ عامة، فتغدو الأخرويات أفقًا كنسيًّا لا ملحقًا كرستولوجيًّا فحسب.
ثالثًا: أين تظهر الأخرويات في “قرارات” المجمع (القوانين الانضباطية)؟
لا تتناول قوانين نيقية العشرون مسائل أخرويةً بصورةٍ مباشرة، فهي قوانين انضباطية تتصل بالرسامة، والتنقل الكهنوتي، وقبول التائبين… وغيرها. ومع ذلك، يحظى القانون 20 بأهميةٍ رمزية-أخروية، حين يقرّر الوقوف للصلاة يوم الأحد وفي عيد الخمسين (البنتيكوست)، أي الامتناع عن الركوع، وهو تقليد تشرح خلفيته مصادر آبائية معتبرة (باسيليوس الكبير) بوصف الوقوف تذكارًا للقيامة، علامةً لعصرٍ جديد هو عربون الدهر الآتي. ومن ثم، يحمل القانون بُعدًا إسخاتولوجيًّا-ليتورجيًّا واضحًا: فالوقفة الأسبوعية للمؤمنين هي إعلانٌ كنسيٌّ لسلطان القيامة والرجاء في التمجيد.[4]
وإلى جانب القانون 20، ترتبط قرارات عيد الفصح (حسم الجدل القمري/اليهودي) بالرجاء الأخروي بصورةٍ تقليدية عبر ربط الفصح بقيامة المسيح، وإنْ كانت وثائق نيقية نفسها تحسمه في إطار وحدة الكنائس، أكثر من كونه نقاشًا أخرويًّا؛ وتكفي قراءة خطاب قسطنطين إلى كنيسة الإسكندرية بعد المجمع، لندرك أنَّ الدافع لتوحيد عيد القيامة هو سياسي-كَنسيّ، بقدر ما هو لاهوتي، مع لغة قطعية تجاه التقويم اليهودي. لكن في كل الأحوال، يُبنى توحيد الفصح على مركزية القيامة تاريخ الخلاص ورجائه.[5]
ليس ضمن القوانين الانضباطية تعاليم أخروية، لكن البنية الليتورجية التي يرسّخها القانون 20، وموقع الفصح في خطاب قسطنطين، يكشفان بوضوح أن الإعلان الذي يُعبّر عن القيَامة (وقوفُ الأحد) والتقويم الفِصحي، هما حاملان لاهوتيان لرجاء القيامة والحياة الآتية.
رابعًا: الشهادات المعاصرة واللاحقة المبكّرة: ماذا قال الحاضرون وما الذي فهموه أخرويًّا؟
- يوسابيوس القيصري: رسالة إلى الكنيسة وتقريرٌ عن نصّ القانون النيقوي
ترك يوسابيوس شهادةً ثمينة، حين كتب إلى جماعته في قيصرية يشرح لهم لماذا وافق على صيغة المجمع، وكيف فُهمت الألفاظ الثقيلةek tēs ousias, homoousios ، لكن الأهم لبحثنا أنه يُورد في نصّه مقاطع الإيمان التي تشمل “المجيء لدينونة الأحياء والأموات”، مما يُظهر أنّ هذا البند كان بديهيًّا في تعليم الكنيسة القيصريّة، ثم صار جزءًا من النصّ المعتمد. شهادة يوسابيوس هنا بريئة من الجدل الأخروي، لكنها تؤكد حضور “المجيء والدينونة” كبند اعترافي أصيل.
- أثناسيوس الإسكندري: في قرارات نيقية (De Decretis) و(عن المجامع)
لا يركّز أثناسيوس في مؤلفاته الدفاعية على الأخرويات كمبحثٍ مستقل، بل يوظّف قانون نيقية لإثبات ألوهية الابن ومساواته للآب؛ غير أنّه ينقل نص الرمز ويؤطّر عمل نيقية باعتباره “حَصْرًا للهرطقة” عبر الأناثيمات. ومن ثَمّ، فإن وجود “المجيء للدينونة” في نصّ 325م، يُعدّ عنده جزءًا من “إنجيل الخلاص”، الخلاص الذي لا يمكن أن يقوم بلا إلهٍ مخلّصٍ قادرٍ على الإحياء والدينونة، الأمر الذي يسنده بالكتاب والليتورجيا. وإن لم يكن نصّ القانون De Decretis بحثًا إسخاتولوجيًّا، إلا أنه يُثبت -بالمصادفة النصية- وجود العبارة الأخروية في القانون النيقوي وتداولها المبكر.[6]
- المؤرخون الكنسيّون: سقراط، سوزومين، ثيودورت
تُورد التواريخ الكنسيّة (القرن الخامس) نصّ قانون الإيمان النيقوي ومجرياتٍ من المجمع، وتهتم ببناء “سرديةٍ أرثوذكسية” تبرز قَطع نيقية مع الأريوسية. لا نجد في سردهم “مناظراتٍ أخروية” بذاتها، لكننا نجد تثبيتًا لنصّ قانون الإيمان بوصفه معيار الإيمان؛ وبما أن قانون الإيمان يشتمل على “المجيء للدينونة”، فإن الأخرويات حاضرة كجزءٍ عضوي من “المسيح الحقّ الإله الحقّ”، الذي سيأتي لدينونة الأحياء والأموات. وعند قراءة هذه التواريخ ينبغي التمييز بعناية بين الوقائع والقراءات اللاهوتية المتأخرة.[7]
- جلاسيوس القيزقي (القرن الخامس): “أعمال نيقية” المنقولة
تحتوي هذه “الأعمال” على مادة غزيرة لكنها غير موثوقةٍ دائمًا، إذ يُرجّح الباحثون وجود إسقاطاتٍ لاهوتية لاحقة إلى زمن نيقية (خاصةً قضايا الروح القدس). قيمتها التاريخية ثانوية في مسألة الأخرويات، لكنها دليل على كيفية تلقّي المجمع لاحقًا، حيث يتضخّم النصّ ويُعاد تفسيره وفقًا لجدالات القرنين الخامس والسادس.[8]
خامسًا: الطبيعة الأخروية في قانون 325م: ملاحظات لاهوتية
- اتحاد الأخرويات بالكرستولوجيا: إدراج “المجيء للدينونة” داخل بند “الابن” يعبّر عن “المركزية المسيحية” للأخرويات: فالآتي للدينونة هو ذاته “إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٍّ، مولودٌ غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر”، مما يجعل الدينونة فعلَ الله نفسه في المسيح، لا حدثًا كونيًّا “منعزلًا”. إنّ ربط الدينونة بألوهية الابن هو أحد أوجه جدلية نيقية مع الأريوسية: فمَن جعل الابن “مخلوقًا”؛ اضطر منطقيًّا إلى إضعاف معنى دينونته الكونية؛ أمّا مَن أقرّ بألوهيته فدينونته كونية خلاصية.
- الحدث الأخروي والرجاء الكنسي: عدم ذكر “قيامة الأموات والحياة الآتية” في خاتمة 325م لا يعني غيابهما من الإيمان الرسولي، بل يعني أنّ قانون 381م (مجمع القسطنطينية)، أراد نقل ذلك من السياق المحليّ (نصوص معمودية متنوّعة) إلى “معيارٍ مسكونيٍّ جامع”. والمقارنة النصّية بين 325 و381 تُظهر تطوّرًا في “بنية” قانون الإيمان أكثر مما تُظهر تبدّلًا في جوهر الإيمان الأخروي[9]
- الليتورجيا كحاملٍ إسخاتولوجي: يضبط القانون (20) وضعية الجسد في الصلاة بوصفها “علامة قيامة”؛ وهذا يبيّن أن الأخرويات في نيقية ليست بندًا اعترافيًّا فحسب، بل ممارسة جسدية-جماعية أسبوعية تجعل “الآتي” حاضرًا “سَرْمديًّا” في زمن الكنيسة. من هنا سيُطوّر الآباء (باسيليوس، ثم كيرلّس الأورشليمي) تأويلاتٍ وعظية تربط الرجاء الأخروي بالحياة المسيحية العملية.[10]
سادسًا: ما لم يناقشه مجمع نيقية في الأخرويات (تصحيح وتوضيح)
من الشائع في بعض الأدبيات الشعبية القول إن نيقية “أدان الألفيّة” أو “حسم تفاصيل المجيء الثاني”، وهذا لا سند له في الوثائق المحفوظة. فليس في يوجد في قوانين نيقية العشرين، ولا في رسائله ولا في نصّ قانون الإيمان النيقوي، أيّ ذكرٍ لرفض الفكر الألفي أو تقرير تفاصيل زمنية/تأويلية لسفر الرؤيا. صحيح أنّ تيارًا آبائيًّا قويًّا (أوريجانس، يوسابيوس) انتقد الفكر الألفي وهاجم حرفية بابياس، لكن هذا تيارٌ سابق/لاحق لا قرار مجمعيًّا به في 325م. لذا ينبغي التفريق بين:
(أ) “مزاجٍ لاهوتيٍّ عام” في القرن الرابع يميل ضدّ حرفية المُلك الألفي، وبين
(ب) “قرار مجمعي” لا وجود له في نيقية.[11]
سابعًا: التلقّي المبكّر بعد نيقية: كيرلس الأورشليمي أنموذجًا
يمثّل كيرلس الأورشليمي (†386م) شاهدًا مبكرًا على كيف تُفهَم الجملة النيقوية “ويأتي ليدين الأحياء والأموات”، كجزءٍ عضوي من كرازة المعمودية. في “المحاضرات التعليمّية”، يخصّص كيرلس عظة كاملة للبند “وسيأتي بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات”، ويشرح بُعده الرعوي: رجاء المكافأة، ورهبة الحساب، وأثر الإيمان بالقيامة على الطهارة الأخلاقية. هذا التلقّي -على أبواب 381م- يبيّن أنّ الأخرويات النيقوية صارت جزءًا من تعليم الموعوظين لا مجرد سطرٍ في قانون الإيمان.
الخُلاصة:
- نصّ قانون إيمان 325م يشتمل صراحةً على عبارة “ويأتي ليدين الأحياء والأموات” داخل فقرة الابن؛ هذا ثابت في الشهود اليونانيّة/اللاتينيّة للنص كما تداولتها مصادر مبكّرة وجداول مقارنةٍ نقدية.[12]
- قرارات المجمع الانضباطية لا تتناول الأخرويات نظريًّا، لكن قانون الـ20 يُرسّخ ممارسةً ليتورجية تحمل معنى القيامة والدهر الآتي (الوقوف يوم الأحد وبين الخمسين).[13]
- السرديات المعاصرة/اللاحقة المبكرة (يوسابيوس، أثناسيوس، سقراط/سوزومين/ثيودورت) تُثبت حضور البند الأخروي في قانون الإيمان، دون أن تنقل لنا “مناقشات أخروية” مستقلة؛ لأن موضوع نيقية المركزي كان ألوهية الابن ومساواته للآب.[14]
- في مجمع القسطنطينية 381م يكتمل البناء بإضافة خاتمةٍ أخرويةٍ صريحة (قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي) دون أن يبتدع مضمونًا غير موجودٍ ضمنيًّا في 325م.[15]
[1] Kelly,J.N.D.Early Christian Creeds,3rd.pp215-220.
[2] Philip Schaff, The Creeds of Christendom, vol. 1 (New York: Harper, 1877), 325/381
[4] newadvent.org
[5] earlychurctextes.com
[6] newadvent.org
[7] ccel.org/ccel/schaff/creeds1
[10] newadvent.org
[11] wikisource.org
[12] ccel.org/ccel/schaff/creeds1
[13] newadvent.org
[14] catholic.com/encyclopedia/councils-of-nicaea


