قانون الإيمان النيقاوي ودور الكنيسة المصرية
- Sermon By: د. ق وفيق وهيب وهبة
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
تحتفل الكنيسة في جميع أنحاء العالم بمرور 1700 سنة على صياغة قانون الإيمان النّيقويّ في عام 325 ميلاديّة نسبة إلى مدينة نيقيّة في آسيا الصّغرى (تركيا اليوم)، التي عُقِدَ فيها مجمع نيقيّة؛ إذ اجتمع قادة الكنيسة ليؤكّدوا إيمانهم في لاهوت وعمل المسيح في الفداء. وبهذه المناسبة الهامة يحين لنا أنْ نُلقي الضوء على أهمّية قانون الإيمان النّيقويّ الذي أصبح جزءًا جوهريًّا في تعبير الكنيسة عن إيمانها في لاهوت المسيح وعمله الكفاري في الفداء.
- الواقع التاريخيّ
شهدت الكنيسة الأولى أوقات عصيبة من الاضطهادات تحت الحكم الرّومانيّ. فالكنيسة التي تمركزت حول حوض البحر الأبيض المتوسّط في الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب أوروبا شهدت نموًّا فائقًا في خلال عصر الاضطهاد حتى إنّ عدد المسيحيّين في الإمبراطوريّة الرّومانيّة تجاوز ١٠٪ من تعداد سكان الإمبراطوريّة والذي بلغ حوالي٦٠ مليون نسمة نهاية القرن الثّالث الميلاديّ.
ومن المُلاحظ أنّ مِصرَ كان بها أكبر عدد مِن المسيحيّين في كل الإمبراطوريّة الرّومانيّة؛ حيث بلغ عدد المسيحيّين المصريّين حوالي ١٨٪ مِن تعداد سُكّان مِصر في نهاية القرن الثّالث الميلاديّ. لذلك فقد عانى المصريّون المسيحيّون أسواء عصور الاضطهاد على يد الرّومان في بداية القرن الرّابع الميلاديّ والذي يُشار إليه بعصر الشُّهداء إلى هذا اليوم.
هذه الزيّادة الملحوظة في تعداد المسيحيّين في الإمبراطوريّة فرضت على الإمبراطوريّة تبنّي سياسةٍ مُختلفة تجاه المسيحيّين بدلًا من سياسة الاضطهاد والقتل؛ إذ إنّ سياسة اضطهاد المسيحيّين لم تقلّل عددهم ولم تضع نهاية لهذا الدين الجديد بل بالعكس تسبَّبت في زيادة أعداد المسيحيّين بشكل ملحوظ.
وهكذا أمر الإمبراطور جاليروس في عام 311م بإعفاء المسيحيّين من عبادة الإمبراطور الرّومانيّ طالما أنَّهم يصلُّون إلى إلههم لحماية الإمبراطوريّة وسلامتها. في ظل هذا التّغيير في أسلوب التّعامل مع المسيحيّين مِن الأباطرة الرّومان، قرر الإمبراطور قسطنطين في عام 313م تبنِّي المسيحيّة دينًا أساسيًّا أو رسميًّا في الإمبراطوريّة الرّومانيّة. هذا القرار التّاريخيّ أعطى المسيحيّين في الإمبراطوريّة الحُرّيّة في مُمارسة العبادة، وأصبح مِن السّهل على قادة الكنيسة التّعبير عن آرائهم اللاهوتيّة بحُرّيّة وصراحة أكثر مِن قبل. أيضًا يحق لنا الإشارة إلى أهمّية الكنيسة المِصريّة في خلال هذه الحقبة في تأسيس أول مدرسة لاهوتيّة، مدرسة الإسكندريّة، والتي كانت رائدة في الفكر والتّعليم اللاهوتيّ على مستوى العالم في ذلك العصر.
- أريوس (256-336م)
وُلِدَ أريوس عام 256م في مدينة القيروان بليبيا، وأصبح أحد أهمّ اللاهوتيين في مدرسة الإسكندريّة. إلا أنَّ تعليم أريوس عن طبيعة المسيح أثار اهتمامًا كبيرًا مِن قادة الكنيسة في مِصر؛ إذ إنْ تعاليمه كانت تُمثّل خطرًا على إيمان الكنيسة وعقيدتها في لاهوت المسيح وعمله في الفداء. فلقد علَّم أريوس أنّ المسيح ليس له نفس الطّبيعة الإلهية مثل الله. وإنَّهُ خُلِقَ في وقت لاحق، أي أنَّهُ ليس أزليًّا مِثل الله، بل مخلوق مِثل باقي الخليقة. هذا التّعليم له تأثير بالغ ليس فقط في عقيدة الكنيسة عن طبيعة المسيح ولاهوته، لكن له أبعاد خطيرة على عقيدة الفداء. فإن لم يكن للمسيح طبيعة إلهية (لاهوت) كاملة وطبيعة إنسانية كاملة، فلقد بات عمل الفداء الذي قدَّمه المسيح على الصّليب لا قيمة له.
في الوقت نفسه وصل لعلم الإمبراطور قسطنطين أخبار عن وجود انشقاق في الرّأي في التّعاليم اللاهوتيّة، والذي بدأ يؤثّر على وحدة الكنيسة في أرجاء الإمبراطوريّة مما أزعج الإمبراطور. فمِن وجهة نظر الإمبراطور مِن المُهم أنْ الكنيسة تتبنّى إيمانًا موحدًا حيث إن وحدة الإيمان المسيحيّ سوف تخدم وحدة الإمبراطوريّة السّياسيّة. فلا مجال هُنا للخلافات والتّشقُّق، فإن كان الإيمان المسيحيّ مُهم لوحدة الإمبراطوريّة فيجب أنْ يكون هذا الإيمان إيمانًا موحدًا لخدمة أغراضه السّياسيّة.
ج– أثناسيوس (293-373م)
يحق لنا أنّ نتحدّث عن أثناسيوس (293-373م) الذي كان له الدّور الكبير في صياغة قانون الإيمان النّيقويّ والذي كان هدفه الرّئيسيّ الرّد على الهرطقة الأريوسيّة، والتّأكيد على إيمان الكنيسة في لاهوت وعمل المسيح في الفداء.
وُلِد أثناسيوس عام 293 في مدينة الإسكندريّة بمِصر، وأصبح أحد أهم اللاهوتيّين في مدرسة الإسكندريّة، وتولّى عدَّة مناصب كنسيّة وأصبح فيما بعد البطريرك العشرين بعد مؤسِّس الكنيسة المصريّة، القدّيس مرقس، وخدم في هذا المنصب الهام مِن عام 328 وحتى وفاته في عام 373م.
تتمركز أهمّية القدّيس أثناسيوس في دوره الهام في صياغة قانون الإيمان النيّقويّ في عام 325 (ثلاثة أعوام قبل تولّيه منصب بطريرك الكنيسة المصريّة باعتباره بابا الإسكندريّة). مِن أهم أقواله المأثورة “إنْ كان العالم ضد الحقّ، فأنا ضد العالم.” يُعدُّ أثناسيوس واحدًا مِن أهم آباء الكنيسة، ليس فقط الكنيسة المصريّة، لكن الكنيسة على مستوى العالم، والذي استخدمه الله في التّأكيد على إيمان الكنيسة الصّحيح والتّعليم اللاهوتيّ الصّحيح عَن لاهوت وعمل المسيح.
د- مجمع نيقية 325م
كما أشرت سابقًا دعا الإمبراطور قسطنطين إلى عقد أول مجمع كنسيّ مسكونيّ عام 325م في مدينة نيقيّة، والتي تقع في وسط آسيا الصغرى (تركيا اليوم) بناءً على نصيحة من أحد مشيريه لأهمّية حسم القضية اللاهوتيّة حول شخص وعمل المسيح، والتي طالما تسبّبت في انقسام الكنيسة، فبعد مناقشات طويلة ومُستفيضة مِن قِبَل الإمبراطور، وإرسال رسائل إلى قادة الكنائس محل الخلافات اللاهوتيّة، وجَدَ قسطنطين نفسه أمام الأمر الواقع بأنّ هذه الخلافات اللاهوتيّة تتزايد، وأصبح مِن الواضح أنَّهُ يجب عليه أنْ يتدخّل شخصيًّا لوضع حد نهائيّ لهذه الخلافات. وبناءً على اقتراح من أحد مشيريه، الذين أرسلهم إلى الإسكندريّة سابقًا لحل الخلافات، قرَّر الإمبراطور قسطنطين عقد هذا المجمع الكنسيّ المسكونيّ في مدينة نيقية؛ حيث يُسهّل عليه الحضور شخصيًّا لقيادة اجتماعات هذا المجمع التّاريخيّ. وهكذا دعا الإمبراطور ما بين 250-300 من أساقفة وقادة الكنيسة لحضور هذا اللقاء ومعهم عدد كبير مِن الشّمامسة وقادة الكنيسة الذي بلغ عددهم حوالي 1000 شخص معظمهم مِن الإسكندريّة، أنطاكيّة، سوريّا وفلسطين وأراضي ما بين النهرين (العراق اليوم) وبلاد فارس وشمال إفريقيا وبعض مُمثّلي الكنيسة في روما. كما حضر عدد مِن قادة الكنيسة في الخليج العربيّ مِن البحرين والبلاد العربيّة.
وتؤكّد بعض النّصوص التّاريخيّة أنّ الإمبراطور قسطنطين افتتح المجمع بنفسِهِ وشارك في المُناقشات اللاهوتيّة، لكن لم يكن له حق التّصويت على أي منها، كما يؤكّد بعض المؤرّخين أنّ مجمع نيقيّة تَبِعَ أسلوب المُناقشات المُتداولة في المجامع الرّومانيّة الرّسميّة”Roman Senote” ، حيث يُسمح لكُل مُمثّل بالتّحدّث مرة واحدة قبل أنْ تُعطى الفرصة لمُمثّل آخر بإبداء الرّأي في موضوع ما، وهكذا تُتاح الفرصة لجميع الحاضرين لإبداء آرائهم في القضيّة التي تنُاقش. أيضًا يؤكد المؤرّخون على أن مُمثّلي الكنائس في المجمع اجتمعوا في لجان صغيرة لصياغة آرائهم قبل تقديمها للمجمع كَكُل للموافقة النهائيّة عليها.
ه- أهمّية مجمع نيقيّة
نأتي الآن إلى صُلب الموضوع وهو ما الذي قدَّمه مجمع نيقية، وما أهمّية الصّياغة التّي تبنّاها بالنّسبة للكنيسة في القرون الأولى وحتى يومنا هذا. فلقد سار مجمع نيقية في نهج الصّياغات السّابقة، والتي عبَّرت عن الإيمان المسيحيّ وعقيدة الكنيسة في لاهوت المسيح. تبنّت كنائس كثيرة قبل كنيسة روما قانون الإيمان الرّسولي والذي كان مُستخدما في تأكيد الإيمان خاصة في حالة انضمام أشخاص جُدد إلى الكنيسة، وكان مطلوب منهم تأكيد إيمانهم فيما تؤمن به الكنيسة قبل قبولهم في المعموديّة. بالطّبع كانت الكنائس في القرون الأولى تستخدم صياغة مُختلفة، كالتي أشار إليها الرّسول بولس في فيلبي ٢: ٥-١١، والرّسالة الأولى إلى تيموثاوس ٣: ١٦، والتي كانت تُستخدم في الكنائس، لتأكيد الكنيسة على إيمانها في لاهوت المسيح وعمله في الفداء. نأتي الآن إلى الصّياغة التّي أقرّها مجمع نيقية وإلى أهمّيّتها اللاهوتيّة:
“نؤمن بإله واحد. آب ضابط الكُل، خالق السّماء والأرض، كُل ما يُرى وما لا يُرى. وبربٍّ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود مِن الآب قبل كُل الدّهور، نور مِن نور، إله حق مِن إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كُل شيء، الذي مِن أجلنا نحن البشر، ومِن أجل خلاصنا، نزل مِن السّماء، وتجسّد مِن الرّوح القُدُس ومِن مريم العذراء، وتأنّس، وصُلِبَ عنّا في عهد بيلاطس البنطيّ وتألَّمَ وقُبِرَ، وقام في اليوم الثّالث على ما في الكُتُب، وصعِدَ إلى السّماء، وجلس عن يمين الأب، وأيضًا سيأتي بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات، الذي لا فناء لمُلكِهِ. وبالرُّوح القُدُس، الرّبّ المُحيي، المُنبثق مِن الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له ومُمجّد، النّاطق بالأنبياء. وبكنيسةٍ واحدةٍ، جامعة، مُقدّسة، رسوليّة، وبمعموديّة واحدة لمغفرة الخطايا. ونترجّى قيامه الموتى والحياة في الدّهر الآتي. آمين”.
وهُنا يحقّ لنا أنّ نقف وقفة تحليليّة لمُحتوى وهدف قانون الإيمان النّيقويّ. فأول كُل شيء نُلاحظ أنّ جوهر هذا القانون هو الإيمان في طبيعة وعمل المسيح، أي أنّ قانون إيمان يتمحور حول لاهوت المسيح Christology ولاهوت الفداء Soteriology وهذا بالطّبع الموضوع الأساسيّ الذي اجتمع المجمع ليتعامل معه. في الوقت نفسه أكّد قانون الإيمان النّيقويّ على عقيدة وإيمان الكنيسة في عقيدة الرّوح القُدُس عقيدة الثّالوث بدون ذكر كلمة ثالوث؛ إذ إنّ أول ثلاث نقاط هامة في القانون تتعلّق بالعقيدة في الله، في شخص المسيح وعمله، العقيدة في الرّوح القُدُس. بصفة عامة يتناول قانون الإيمان النّيقويّ عقيدة وإيمان الكنيسة في ستة موضوعات أساسيّة:
- العقيدة في الله Theology.
- العقيدة في لاهوت المسيح Christology.
- العقيدة في عمل الفداء Soteriology.
- العقيدة في الروح القدس Pneumatology.
- العقيدة في الكنيسة Ecclesiology. بما في ذلك التّأكيد على أهمية المعموديّة.
- العقيدة في الحياة الأبديّة Eschatology.
وبالتّالي فقانون الإيمان النّيقويّ لم يشمل كل العقائد التي تؤمن بها الكنيسة، ولم يستطرد في تفاصيل كُل العقائد التي ذكرها ما عدا التّنبيه والاستفاضة في عقيدتيْ لاهوت المسيح وعمل الفداء. وهُنا يحقُّ لنا أنْ نتناول كلًّا مِن هذه العقائد السّت بنظرة أكثر تدقيقًا.
أولاً: العقيدة في الله Theology
يؤكد قانون الإيمان النّيقويّ إيمان الكنيسة في طبيعة الله وعمله. في الله بأنَّهُ إله واحد “لينفي أي لفظ أنّ المسيحيّين يؤمنون بتعدُّد الآلهة. ويصف هذا الإله بأنَّهُ “آب ضابط الكُل” أي أنَّهُ إله قريب ومحبّة وفي نفس الوقت له كُل السُّلطان والسّيادة والقُدرة. ثم يصف الله بأنَّهُ “خالق كُل شيء في السّماء والأرض، ما يرُى وما لا يرُى”. بالتّأكيد هُناك جوانب كثيرة عن طبيعة الله وعمله، وعلاقته بالبشر، والتي كان يُمكن أنْ يتطرّق لها قانون الإيمان، إلا أنّ هذا الوصف المُختصر جدًّا لطبيعة الله وعمله يُعتبر مُقدّمة لجوهر ما يُريد القانون أنْ يؤكّد عليه وهو طبيعة وعمل المسيح.
ثانيًا: العقيدة في لاهوت المسيح Christology
وهذا هو مِحور ما قدّمه قانون الإيمان النّيقويّ، واستطرد في شرحِهِ باستفاضة، تُمثّل الجانب الأكبر مِن صياغة القانون. وهُنا يبدأ بالتّأكيد على إيمان الكنيسة “بربٍّ واحدٍ، يسوع المسيح” وهي عبارة هامة تؤكّد على إيمان الكنيسة في وحدانية الله (وعدم تعدُّد الآلهة). فإيمان الكنيسة في ألوهيّة الله وألوهيّة المسيح هو إيمان في ربّ وإله واحد. وفي نفس الوقت تؤكّد هذه العبارة طبيعة المسيح اللاهوتيّة، فالمسيح يشترك مع الله الآب في الألوهيّة، فكلمة “رب” تُشير إلى الله وتُشير أيضًا إلى الرّبّ يسوع المسيح “ابن الله الوحيد” للتّأكيّد على خصوصيّة العلاقة بين الآب والابن. ثم يبدأ القانون في سرد حقائق جوهريّة عن طبيعة المسيح، تؤكّد لاهوت المسيح وطبيعته الإلهيّة. فأوّل تأكيد يأتي في الكلمة “المولود مِن الآب قبل كُل الدّهور” والمأخوذة مِن رسالة يوحنّا الأولى ٥: ١ للتّأكيد على أنّ المسيح مولود مِن الأب وليس مخلوقًا كما ادّعى أريوس وأنّ هذه الولادة أزليّة أي لا تُحدّ بزمن كما ادّعى أريوس أنّ المسيح خُلق في وقت مُعيّن وأنَّهُ ليس أزليًّا ابديًّا.
ثم يؤكّد القانون على أنّ المسيح “نور مِن نور، وإله حق من إله حق” أي أنّ طبيعته مساوية تمامًا لطبيعة الله الأب، مؤكّدًا على طبيعة الله والمسيح أنَّهُ نور وحق مولود أو موجود بصورة ازليّة مِن ومع النوّر والحقّ الأزليّ. يذكر يوحنّا عن المسيح “كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ. كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ.” (يوحنا١: ٩-١٠) ونُلاحظ هُنا التّرابط بين المسيح مصدر النّور وبين كلمات سفر التكوين. “وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ.” (تكوين١: ٣) فالله هو مبدأ الخليقة مِن خلال النّور الذي هو أساس كُل عمل الله في الخلق، وهُنا تأكيد على أنّ الله والمسيح في طبيعته نور، وأنّ كُل عمل الخليقة مُنبثق مِن هذا النّور الإلهي. ونحن نعرف اليوم أنّ النّور مبدأ أساسيّ في الخليقة، كما أنّ مقياس الزّمن يتحدّد بسرعة الضّوء أو النّور في نفس الوقت أكّد الرّبّ يسوع أنَّهُ “النّور الآتي إلى العالم” (يوحنا ٨: ١٢)، في الوقت نفسه قانون الإيمان يؤكد على طبيعة المسيح أنَّهُ حق مُماثل للآب الذي هو حق فلقد أكّد المسيح “الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَق” (يوحنا ٨: ٢٦)، كما أنّ المسيح أكّد مرارًا كثيرة أنَّهُ هو الحق ذاته، مثل الآب “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ.” (يوحنا ١٤: ٦)، مؤكِّدًا لتلاميذه: “وتعرفون الحقّ والحقّ يحرركم” كما شهد المسيح لبيلاطس أنَّهُ هو الحقّ، “وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي” (يوحنا ١٨: ٣٧).
يجدُر بنا هُنا الإشارة إلى أنّ الحقّ المُطلق هو الله الثّالوث، الآب والابن والرّوح القُدُس. فالمسيح يؤكّد أنّ الرّوح القُدُس “هو رُوحُ الْحَقِّ” (يوحنا ١٦: ١٣)، يعود قانون الإيمان فيؤكّد مرةً أُخرى على طبيعة ولاهوت المسيح بالكلمات “مولود غير مخلوق” مؤكّدًا على أنّ المسيح له نفس الطّبيعة الإلهيّة مثل الله الآب، وإنَّهُ كان موجودًا مع الله مُنذ الأزل، وإنَّهُ لم يُخلَق. ثم يؤكّد على مساواة الآب والابن في الطّبيعة الإلهيّة “مساوٍ للآب في الجوهر”، ويختتم هذا الجُزء الخاص بطبيعة ولاهوت المسيح بالتّأكيد على عمله في الخلق طالما أنَّهُ كان مع الله مُنذ الأزل، وله نفس طبيعة الله ويُشارك الله في الخلق “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.” (يوحنا ١: ٣).
ثالثًا: العقيدة في عمل الفداء Soteriology
وهُنا نأتي إلى الجُزء الخاص بعمل المسيح الكفاريّ في الفداء. فبعد أنْ أكّد قانون الإيمان على طبيعة المسيح الأزليّة الأبديّة ولاهوته المساوي للآب في الجوهر، يبدأ هذا الجُزء بشرح عمل الفداء بالكلمات “الذي مِن أجلنا نحن البشر، ومِن أجل خلاصنا نزل مِن السّماء وتجسّد مِن الرّوح القُدُس ومِن مريم العذراء، وتأنّس.” أي يأخذ جسدًا بشريًّا، مشيرًا إلى كلمات يوحنا “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا” (يوحنا ١: ١٤) مؤكّدًا أنّ المسيح الكائن مُنذ الأزل أخذ جسدًا بشريًّا. فالمسيحيّون لا يعبدون إنسانًا ألَّهوه، بل الله الذي بيّن محبته لنا تجسد وأصبح “عِمَّانُوئِيلَ الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا” (متى١: ٢٣) مِن أجل فدائنا.
ثم يستطرد قانون الإيمان في شرح حقيقة تجسّد الكلمة الأزليّ بالعبارات الهامة، أنّ هذا التّجسد هو مِن الرّوح القُدُس (الطّبيعة الإلهية) ومِن مريم العذراء (الطّبيعة الإنسانيّة/البشريّة) مؤكدًا كلمات الوحي لمريم العذراء “اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.” (لوقا ١: ٣٥). وهُنا نرى الثّالوث المُقدّس يتجلّى بوضوح في عمل التّجسد والفداء. “اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ (الآب)، الْقُدُّوسُ (أي المسيح) الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ”.
بعد التّأكيد على حقيقة تجسّد المسيح مِن الرّوح القُدُس ومِن مريم العذراء يشرح قانون الإيمان الهدف مِن تجسّد المسيح وهو عمل الفداء الكفاريّ على الصّليب بالعبارة، “وصُلِبَ عنّا في عهد بيلاطس البنطيّ، وتألّم، وقُبِرَ” مؤكِّدًا على أنّ الصّليب حقيقة تاريخيّة حدثت في عهد الوالي الرومانيّ بيلاطس البنطيّ، الذي قام بمحاكمة المسيح المحاكمة السّياسيّة. ويؤكّد أيضًا قانون الإيمان أنّ المسيح تألّم بطبيعته البشريّة، وأنّ الصّليب لم يكن مُجرّد شكل لم يؤثّر عليه جسديًّا، ثم يستطرد بالتّأكيد على أنّ المسيح بعد ما تألّم مات وقُبِرَ. وهكذا يردّ قانون الإيمان على الهرطقات الأخرى التي نادت بأن تجسّد المسيح لم يكن حقيقيًّا، أو أنَّهُ لم يجُز أي آلام بدعوى أنّ المسيح كإله له طبيعة إلهيّة لم يعاني الآم الصّليب.


