قوانين الأحوال الشخصية: مسار تاريخي
- Sermon By: د. سامية قدري
- Categories: دراسات متنوعة
فتش عن المرأة! الأعم، ويعتبرها مظلومة في القليل* * *
“كتابة الجديد أيسر من ترقيع القديم”
الخوارزمي
تنطبق عبارة الخوارزمي “كتابة الجديد أيسر من ترقيع القديم” على قانون الأحوال الشخصية؛ إذ لم يشهد أيٌّ من القوانين التي صدرت في مصر على مدار تاريخ تدوين القانون جدالًا مثل قانون الأحوال الشخصية، سواء القانون الخاص بالمسلمين أو المسيحيين، إلا أن أوضاع المسيحيين كانت الأكثر جدالًا نظرًا لتمسك الكنيسة عبر تاريخها الطويل بما جاء في الكتاب المقدس من إشارةٍ إلى بعض الأمور، خاصةً ما يتعلق بالزواج والطلاق. كما ارتبط هذا الجدال بطبيعة السياقات الاجتماعية والسياسية التي ظهرت فيها تلك القوانين، ومدى تسامح المجتمع والسلطات السياسية والدينية مع الأقليات عامةً ومع النساء على وجه التحديد؛ فمنذ أول تقنينٍ للأحوال الشخصية الذي صدر منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتتنازع السلطات السياسية، والدينية والقضائية حول من يتولى شؤون الأسرة؛ المؤسسة الدينية، أم السلطة السياسية مُمثَّلةً في القضاء المدني أم سلطةٌ مدنيةٌ مستقلَّةٌ تمثِّل الناس. هذا بالإضافة إلى التعديلات التي أُدخِلت على القانون دون أن يتَّفق على نصٍّ قانونيٍّ واحد من قِبَل الطوائف المختلفة.
يظن بعض الناس أن تقنين المسائل المتعلقة بالأسرة المسيحية وليد مرحلةٍ متأخرةٍ من القرن التاسع عشر، القرن الذي شهد نهايته بدايات التنوير واكتمال الحداثة المصرية وصعود الحركة النسائية، التي كان لها دورها في وجود أول قانونٍ للأحوال الشخصية للمصريين عام ١٩٢٠. والواقع أن مسائل الأحوال الشخصية للمسيحيين، وخاصةً للأقباط الأرثوذكس، يعود تاريخها إلى أبعد من ذلك؛ فقد ظلت الكنيسة، منذ بداية المسيحية، هي المنظِّمة لشؤون الزواج وما يرتبط به من مسائل بالأحكام الكنسية المُستمدَّة من الكتاب المقدس، باعتباره المصدر الرئيسَ للتشريع في المسيحية، هذا إلى جانب القوانين الكنسية التي وضعها آباء الكنيسة الأوائل والتي عُرِفَت بـ(الدسقولية) أو تلك التي وُضِعت في مجامع مسكونيةٍ وإقليميةٍ. والجدير بالذكر أن هذه القوانين هي قوانين معترفٌ بها ونافذةٌ في العالم المسيحيِّ. هذا إلى جانب بعض النصوص التي جاءت لتحديد الأمور التي لم تَرِد في الكتاب المقدس، مثل مُحرَّمات الزواج. ظل هذا الوضع في مصر وجميع الولايات التابعة للإمبراطورية البيزنطية حتى قيام الدولة العثمانية.
ويُعَدُّ “المجموع الصفويُّ” أهم مجموعات القانون الكنسيِّ، وقد جمعه الشيخ “أبو الفضائل الصفي بن العسال” في القرن الثالث عشر الميلاديِّ. تضمنت هذه المجموعة جزأين: أولهما، من اثنين وعشرين بابًا عن الأحكام الكنسية، أي العبادات، وثانيهما من تسعة وعشرين بابًا عن الأحوال الشخصية والمعاملات. ويُعدُّ الصفي بن العسال في التاريخ الكنسي حجة زمانه في دراسة القانون الكنسيِّ، وكان له مركزٌ سامٍ في الكنيسة القبطية، حتى إنه انتُخِبَ ليكون كاتم أسرار المجمع الذى عُقِدَ في زمان بطريركية الأنبا “كيرلس بن لقلق” البطريرك الخامس والسبعين عام ١٢٣٩، لفض الخلاف بين هذا البطريرك من جانبٍ وبين الأساقفة والشعب من جانبٍ آخر حول سياسته في إدارة شؤون الكنيسة. وانتهى المجمع بوضع قوانين للإصلاح الكنسيِّ، وقَّعها المجتمعون والتزم بها البطريرك وقتها.
استمر الوضع إلى قيام الدولة العثمانية؛ إذ عمل السلطان محمد الغازي (الفاتح) على انتهاج سياسة التسامح الديني تجاه شعائر غير المسلمين في البلاد التي فتحها، وخصوصًا بعد فتح القسطنطينية ١٤٥٣. وضع العثمانيون منذ بداية إمبراطوريتهم قوانين أشبه بالقوانين الأوروبية أُطلِقَ عليها قوانين “نامة” وظلوا ملتزمين بها طوال عصر الإمبراطورية، مع إدخال بعض التعديلات وفقًا للمستجدَّات التي كانت تحدث آنذاك. كانت هذه النظم بمثابة دستور العثمانيين وظلُّوا ملتزمين به إلى أن جاء عصر التشريعات الكبرى التي نظمت رعاياها من غير المسلمين، أنشأ محمد الفاتح نظام المِلَل، وهو نظامٌ إداريٌّ وقانونيٌّ يسمح لكل طائفةٍ دينيةٍ (مِلَّةٍ) من غير المسلمين إدارة شؤونها الدينية والشخصية وفقًا لشريعتها الخاصة، تحت حماية الدولة العثمانية. وبعد أن أصبحت مصر ولايةً عثمانيةً، رأى السلطان الفاتح أن الكنيسة منذ العصور الوسطى لها نفوذٌ فيما يتعلَّق بشؤون رعاياها، مما جعله يقر بهذا الوضع معتبرًا ذلك نوعًا من الإصلاح العام للشؤون الإدارية والسياسية والقضائية.
وفي أيام السلطان الغازي عبد المجيد خان الأول، أعلنت الدولة العثمانية دستورًا قائمًا على المبادئ الحديثة. فكان أول دستور هو الدستور الذي عُرِف بدستور “لكخانة” نسبةً إلى المكان الذي وُضِع فيه، وقد تضمَّن هذا الدستور المبادئ العامة في الحرية والمساواة بين الرعايا وفقًا للشريعة الإسلامية. ويُعَدُّ “الخط الهمايوني”، أهم وثيقةٍ في تاريخ الدولة العثمانية، وله تأثيره في بعض جوانب التشريع، خاصةً فيما يتعلق بإنشاء دور العبادة، وهو يُعدُّ قانونًا إصلاحيًّا وضعه السلطان “عبد المجيد خان الأول” في فبراير ١٨٥٦، وقت أن كان سعيد باشا يحكم مصر، وصدر هذا القانون في أعقاب حرب القرم بين الإمبراطورية وبعض القوى الأوروبية (بريطانيا وفرنسا)؛ إذ مارست هذه القوى ضغوطًا على الباب العالي لضمان المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع رعايا الدولة، مسلمين وغير مسلمين. ومن أهم نتائج هذا المرسوم الإصلاحيِّ “الخط الهمايوني” هو إنشاء المجالس المِلِّية التي تتكون من رجال الدين والعلمانيين لإدارة الشؤون المالية والإدارية والشخصية للطوائف غير المسلمة؛ ففي المادة ١٨، من هذا الخط، إشارةٌ إلى الأحوال الشخصية وتشمل الزواج وما يتصل به من مسائل، الذي أطلق عليها الخط “الدعاوى الخاصة” من اختصاص القضاء المِلِّي الاستثنائي، وإذا اختلفت المِلَّة بين المتنازعين تدخل في قضاء الدولة العامِّ وتُطبَّق الشريعة الإسلامية.
وفي العام ١٨٧٤، في عهد الخديوي إسماعيل، صدر الأمر العالي بتشكيل أول مجلسٍ مِلِّيٍّ للأقباط الأرثوذكس، وعهد للمجلس أن يحدِّد اختصاصاته وأن يضع لنفسه لائحةً داخليةً. وبذلك يُعَدُّ هذا المجلس أول التشريعات الوطنية التي نَظَّمت أحوال الأقباط الأرثوذكس بالقضاء في مسائل الأحوال الشخصية. والجدير بالذكر، أن هذا الاختصاص تناول مسائل الأحوال الشخصية كما هي واردةٌ في كتاب “مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان” لمحمد قدري باشا، الذي وضع أول تقنينٍ للأحوال الشخصية في هذا الكتاب، وظل مرجعًا رئيسًا للمحاكم الشرعية والمِلِّية حتى صدور أول قانون في عام ١٩٢٠. كما كان كتاب “الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية” بمثابة وثيقة أخرى للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وقد وُضِعَ عام 1896 وجُمِعَت فيه المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية، التي تتعلق بالزواج وتحقق النسب والولاية على القُصَّر والوصية والهبة والوقف والمواريث.
وفي السياق التاريخي ذاته، كان الباب العالي قد بدأ في تقنين أوضاع الطوائف غير الأرثوذكسية؛ ففي العام ١٨٥٠، كان الباب العالي قد أصدر للطائفة الإنجيليّة الفرمان الهمايوني بجعل الإنجيليين طائفةً قائمةً بذاتها، كما نُظِّم القضاء المِلِّيُّ للطائفة الإنجيليّة بمقتضى الدكريتو الصادر في أول مارس ١٩٠٢ فيما يتصل بالأوقاف والأحوال الشخصية بما فيها الميراث. وأُصدِر لطائفة الأرمن الكاثوليك فرمان همايوني في أغسطس ١٨٧٩ لينظِّم القضاء المِلِّيَّ للأرمن الكاثوليك بمقتضى الدكريتو الصادر في ١٨ نوفمبر ١٩٠٥ بالتصديق على المجلس الملِّيِّ لهذه الطائفة. ويختصُّ المجلس، وفقًا للمادة ١٦ بسماع وفصل جميع المسائل المتعلِّقة بالأوقاف.
وظلَّت التشريعات العثمانية تحكم مسائل الأحوال الشخصية لغير المسلمين إلى أن انفصلت مصر عن تركيا عام ١٩١٥. ورغم انتهاء الحكم العثمانيِّ، استمرَّ العمل بالقضاء الدينيِّ (الشرعيِّ للمسلمين، والملِّيِّ لبقية الطوائف غير الإسلامية) في ولاية الحكم القائمة بها حتى صدور القانون ٦٤٢ لسنة ١٩٥٥ بإلغاء المحاكم الشرعية والمِلِّية.
- المجلس المِلِّيُّ للكنيسة الأرثوذكسية:
وهو يمثل أحد أبرز المؤسسات داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وهو الذي يمثل دور العلمانيين داخل الوسط القبطيِّ المدنيِّ والكنسيِّ، ومن ثم فهو جسرٌ بين الوسط الاجتماعيِّ القبطيِّ والإكليروس.
وبدأ أول مجلسٍ ملِّيٍّ في القرن التاسع عشر، للسبب السياسيِّ الذي سبق ذكره، إلى جانب نشاط النخبة المسيحية من الإنتلجينسيا (المثقفين) الذين سافروا للدراسة بأوروبا وتأثروا بالثقافة الغربية. عندما عاد هؤلاء، حاولوا أن يُحدِثوا نوعًا من الديموقراطية في الكنيسة؛ فظهر المجلس المِلِّيُّ العامُّ بوصفه نوعًا من محاولة استرجاع السلطة من رجال الدين وتشكيلًا لقيادةٍ شعبيةٍ في الكنيسة. وتأسَّس المجلس عام ١٨٧٢، وانتُخِبَ أعضاؤه في ١٦/١١/١٨٧٤، واختير بطرس غالي باشا وكيلًا للمجلس؛ إذ كانت الرئاسة للبطريرك. بدأ المجلس يباشر مهامَّه في العام نفسه، إلا أن البطريرك وقتها رأى أن المجلس يمثل اعتداءً على سلطانه، فحلَّ المجلس عام ١٨٧٥، أي بعد عامٍ من تشكيله، إلا أن بطرس غالي سعى لدى الدولة بشأن إعادة تشكيله مرَّةً أخرى عام ١٨٨٣، وأعيد انتخابه وكيلًا له. ونصَّت لائحة المجلس الملِّيِّ على أن يُشكَّل المجلس للنظر في كافة المصالح الداخلية للأقباط، وأن يختصَّ بحصر أوقاف الكنائس والأديرة والمدارس وجمع حججها ومستنداتها وتنظيم حسابات الإيراد والمنصرف وحفظ الأرصدة، وأن يكون من اختصاصاته إدارة المدارس والمطابع ومساعدة الفقراء، وحصر الكنائس وقساوستها والأديرة ورهبانها والأمتعة والسجلَّات بهذه الجهات. هذا علاوةً على اعتبار المجلس محكمةً للأحوال الشخصية للأقباط تنظر في منازعات الزواج والطلاق وغيرها.
والجدير بالذكر، أن المجلس قد حُلَّ وأعيد تشكيله أكثر من مرَّةٍ في السنوات التالية، بسبب الصراع بين المجلس والبطريرك حول نزع بعض الاختصاصات من سلطة الكنيسة. استمر الصراع بين المجلس والإكليروس حول لائحة المجلس كلما جرى انتخابه في الفترة من ١٩٣٠ إلى ١٩٣٩. ولعلَّ أهم لائحةٍ تهمُّنا في هذه الدراسة هي لائحة ١٩٣٨، التي مازالت تعمل بها المحاكم المدنية حتى الوقت الحاليِّ وتختصُّ بالأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس وكانت أيضًا محلَّ اتفاقٍ بين الطوائف.
- المجلس الملِّيُّ الكاثوليكيُّ:
يمثل هذا المجلس الكنائس الكاثوليكية الشرقية وهي سبع كنائس (الأقباط الكاثوليك، الروم الكاثوليك، السريان الكاثوليك، الموارنة، الأرمن، الكلدان، اللاتين) ويجتمع رؤساء الكنائس السبع ضمن مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك بمصر لتنظيم شؤون الكنيسة الكاثوليكية بمصر. ويتمثَّل دور المجلس في تصريف الشؤون الإدارية والمالية والاجتماعية للأبرشية أو الكنيسة المحلية تحت الرئاسة الروحية للمطران أو النائب البطريركي. ويتشكل المجلس من الإكليروس (رجال الدين) وأعضاء مُنتَخَبين أو مُعيَّنين من أفراد شعب الكنيسة من الذين يتمتعون بالخبرة في المسائل الدينية والاجتماعية والقانونية ذات الصلة بأعمال المجلس.


