مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

لاهوت التنمية الاجتماعية في الكنيسة الأولى

Watch Now

Download

لاهوت التنمية الاجتماعية في الكنيسة الأولى

ما هو لاهوت التنمية؟
لاهوتُ التنمية هو حقلٌ لاهوتيٌّ حديثٌ نسبيًّا، نشأ في النصف الثاني من القرن العشرين، ولا سيَّما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، بوصفه استجابةً مسيحيَّةً لتحديات الفقر والظلم الاجتماعي. ويقوم جوهرُه على أنَّ التنمية ليست مجرَّد نموٍّ اقتصادي، بل هي تقدُّمٌ شاملٌ يمسُّ الإنسانَ والخليقةَ معًا، في انسجامٍ مع دعوة المسيح إلى “الحياة الفاضلة” وينطلق هذا اللاهوت من رؤيةٍ ترى الإنسانَ وكيلًا لله في استكمال الخليقة، بحيث يصبح العملُ من أجل التنمية مشاركةً في تحقيق مشيئة الله. كما يستند إلى الكتاب المقدس، الذي يبرز عدالةَ الله ورعايتَه للفقراء، وإلى التقليد الكنسي، الذي أكَّد قيمَ التضامن والمشاركة.
وقد تبلور هذا اللاهوت بوجهٍ خاصٍّ في إطار التعليم الاجتماعي الكاثوليكي، بدءًا من دستور «فرحٌ ورجاء»، ومرورًا برسالة البابا بولس السادس «تنمية الشعوب». ويتميَّز عن لاهوت التحرير بتركيزه على التنمية البشرية الشاملة، لا على الصراع الطبقي، وإن كان يشترك معه في التأكيد على أهمية العدالة الاجتماعية.
ويرى بعضُ الباحثين أنَّ لاهوتَ التنمية يمثِّل جهدًا لتجاوز مظاهر العجز لدى الإنسان والمجتمع، وصولًا إلى حياةٍ أكثرَ معنًى، تقوم على الإيمان. وفي النهاية، يقدِّم لاهوتُ التنمية رؤيةً مسيحيَّةً متكاملةً تجمع بين النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والنمو الروحي، بحيث يكون حضورُ الكنيسة خميرةً في العالم.

لاهوت التنمية عند الآباء
ضمن رؤيةٍ آبائيةٍ أوسع للازدهار الإنساني، بالنسبة للكتّاب الآبائيين (من القرن الثاني إلى القرن الخامس)، يتأسّس الازدهار الإنساني على قصد الله الخلّاق للخليقة المادية، بما في ذلك الطبيعة والخيرات المادية، التي جُعلت لتُشارَك من أجل المنفعة العامة والصالح العام، ولتكون أيضًا وسيلةً للعدالة التوزيعية. وبناءً على محبة الله للبشر ذاتها، «فيلانثروبيا» (philanthropia: محبة البشر)، أي الكرم الرحيم، عندما يمارس المسيحيون ذلك، بشكلٍ رئيسي، من خلال إعطاء الصدقة للفقراء والمشاركة، فإنهم يعكسون الصورة (eikon: أيقونة) الأصلية لله، ويبطلون جريمة عدم إنسانيتهم، ويحتفظون بالهوية والفضيلة المسيحية، وبذلك يستردّون شبهًا بقصد الله الخلّاق من أجل الصالح العام.
هذه الفضيلةُ الاجتماعيةُ الأساسيةُ، «الفيلانثروبيا»، هي في الواقع فضيلةٌ ملازمةٌ للخلاص (هدف الخليقة، بما في ذلك البشرية)، إذ تُسهم في عكس آثار السقوط واستعادة الازدهار الإنساني.
إنَّ الأشياءَ الماديةَ وُجدت لتُساعِد في الحياة؛ فهل أُعطيت، حقًّا، لتكون إمدادًا للشر؟ إنها تُشكِّل فديةً للنفس؛ فهل وُفِّرت، حقًّا، لتكون فرصةً لهلاكك؟

من العهد الجديد
كما هو معروفٌ، فإنَّ الكلماتَ التي أعلن بها المسيحُ نفسُه رسالتَه علنًا، بحسب إنجيل لوقا، تصف رسالةً تحريريَّةً.
“رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لِأَنَّهُ مَسَحَنِي لِأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لِأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لِأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالْإِطْلَاقِ وَلِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ” (إنجيل لوقا 4: 18-19).
وهذا الاقتباس هو الذي أصبح، منذ عقد السبعينيات، أرضيةً مشتركةً في لاهوت التنمية المعاصر. ومن المهم، على وجه الخصوص، أن ننظر إلى هذا الاقتباس في سياقه الكتابي والتاريخي. فوفقًا لإنجيل لوقا، تُعدُّ هذه الكلمات مقتطفًا من سفر إشعياء النبي (61: 1-2)، وقد تلاها المسيح ببساطة بصوتٍ عالٍ في المجمع. ولكن إذا انتبهنا، فسنرى أن في نص إنجيل لوقا إضافةً؛ إذ إن عبارة «وأرسل المنسحقين في الحرية» قد أُخذت من موضعٍ آخر في سفر إشعياء، حيث تؤدي هناك دورًا في تحديد ماهية الصوم الذي يرضي الله. وهذا الصوم الحقيقي — يقول الله نفسه على لسان إشعياء — لا يتمثل في مراعاة الطقوس، ولا في «أَنْ يُحْنِيَ كَالأَسَلَةِ رَأْسَهُ، […] وَأَنْ يَفْرِشَ تَحْتَهُ مِسْحًا وَرَمَادًا». إن الصوم الذي يرضي الله هو: «حَلُّ قُيُودِ الشَّرِّ، فَكُّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلَاقُ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعُ كُلِّ نِيرٍ» (إشعياء 58: 5-6). وبالتالي، فإن أثر هذه الإضافة في الإنجيل هو تأكيدٌ أشد على أن العصر الذي افتتحه يسوع هو، في جوهره، عصرُ تحرير.
وبعد نحو أربعة عشر قرنًا، نصادف نصًّا لغريغوريوس بالاماس، يحاول أن يوضح أيَّ صومٍ يرتضيه الله. يقتبس غريغوريوس المقتطف المذكور آنفًا من سفر إشعياء («حلُّ قيودِ الشرِّ…») ثم يتابع:
«إن الشرهين والظالمين لن يقوموا ليلتقوا بالمسيح وجهًا لوجه ويُدانوا، بل سيُحكم عليهم مباشرةً؛ لأنهم في هذه الحياة الحاضرة لم يأتوا حقًّا وجهًا لوجه مع المسيح. إن الممتلكات الضخمة هي، في الحقيقة، مشاعية؛ لأنها مستمدة من الرصيد المشترك للثروة التي توفرها الطبيعة، والتي خلقها الله. فكيف، إذن، لا يكون الذي يستأثر بهذه الثروة المشتركة طمَّاعًا في الواقع، حتى لو لم يكن كالذي يسرق خيرات الآخرين؟ وهكذا، فإن الأول — وا أسفاه — سيعاني عقابًا رهيبًا كعبدٍ رديء، أما الآخر فسيحتمل عقوباتٍ أشدَّ وأكثر فظاعة. ولا يمكن لأيٍّ منهما أن ينجو من الدينونة إذا لم يقبل الفقير في حياته. وفي الدينونة الأخيرة، سيقول الأبرار: “إن ذلك الموقف المعبَّر عنه بعبارة: «هذا لي وهذا لك» قد طُرد منذ زمنٍ طويل من هنا؛ لأننا أبغضناه في حياتنا الأرضية. ولهذا السبب ورثنا ملكوت السموات”. إن آباء الكنيسة يصفون عبارة «هذا لي، أو هذا لك» بأنها باردة، وحيثما سادت غابت رابطة المحبة، ودُفع المسيح بعيدًا».
أعتقد أنه يمكننا أن ننظر إلى هذا النص لغريغوريوس بالاماس بوصفه حالةً دراسيةً توضيحيةً. وتحديدًا، يمكننا التأكيد على النقاط الثلاث الآتية:
1- وفقًا لبالاماس، فإن الثروة، حتى تلك التي تُكتسَب بطرقٍ مشروعة، تشكل معضلةً في حد ذاتها. وهذه المعضلة، في جوهرها، تنشأ من هوس الإنسان بالتملك. وكما سنرى أدناه، فإن هذه الرؤية تشكل العمود الفقري للاهوت الكتابي والآبائي، وهو أمرٌ كان بالاماس نفسه على درايةٍ به وأشار إليه. وإن كون عبارة «لي ولك» عبارةً «باردة» بالفعل، هو أمرٌ سلَّط يوحنا ذهبي الفم الضوء عليه قبل عشرة قرون، وربما سبقه إلى ذلك أيضًا آباءٌ آخرون للكنيسة لم يلتفت إليهم المؤلف.
2- أرى أن عبارة بالاماس: «…إذا لم يقبل الفقير في حياته» عبارةٌ بالغة الأهمية. ومن الواضح أنه يقصد هنا ما هو أكثر بكثير من مجرد إحسانٍ عابر. ووفقًا لتقليدٍ عريقٍ بدأ منذ العهد القديم، فإن الأرامل والفقراء والضعفاء (أي أولئك الذين لا يستمدون هويتهم من النفوذ الاجتماعي ولا يؤسسون رجاءهم على الغنى) هم أصدقاء الله. ومن المثير للاهتمام أن هذا التقليد قد أسهم في صياغاتٍ كنسيةٍ ملموسة، أو بعبارةٍ أخرى، في قوانين مقدسة تُلزم الأساقفة بحماية الفقراء والضعفاء من طغيان الأقوياء. فعلى سبيل المثال، ينص القانون السابع لمجمع سرديقا (343م) على أن القادة الكنسيين لا يزورون الحكام السياسيين إلا لتقديم طلباتٍ ترمي إلى حماية الضعفاء. كما يحظر بحزم أيَّ زيارةٍ أخرى، منعًا للمبادلات المصلحية بين قادة الكنيسة ومسؤولي الدولة. وإذا لم يعمل الأسقف حاميًا للضعيف، كما قال المصلح الرهباني ثيؤدور الستوديتي (أواخر القرن الثامن– أوائل القرن التاسع الميلادي)، فإنه يُدان؛ لأنه لا يتصرف بصفته أسقفًا، بل تاجرًا. وكما أشار بيتر براون، فإنه بحلول نهاية القرن الرابع، كان انتخاب الأسقف يعني أن فقراء المدينة أصبحوا قادرين على إسماع أصواتهم بوصفهم جماعةً ذاتَ وضعٍ خاص.
3- وفي السياق نفسه، يمكن العثور على أحكامٍ أخرى. فعلى سبيل المثال، نصَّ القانون الثاني عشر للمجمع المسكوني السابع (787م) على أنه إذا دعت الضرورة إلى بيع حقلٍ تملكه الكنيسة، وجب على الأسقف أو رئيس الدير أن يحرص على ألا تُباع الأرض للنبلاء والأغنياء، بل للإكليروس أو صغار المزارعين. وكان الأمر يتعلق، بوضوح، بالصراع طويل الأمد بين السلطة الإمبراطورية المركزية وكبار ملاك الأراضي، الذين كانوا يمارسون الاستبداد، على نحوٍ خاص، تجاه صغار المزارعين. كما نصَّ القانون الرسولي الحادي والأربعون (الذي يرجع، على الأرجح، إلى نهاية القرن الثالث) على أن دخل الممتلكات الكنسية يجب أن يُوزع على المحتاجين. ويوضح نيقوديموس الآثوري أن عبارة «المحتاجين» تعني الأرامل والفقراء والغرباء، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في عصرنا. وبالفعل، وفقًا للقانون الخامس والعشرين لمجمع أنطاكية (341م)، إذا كان الإكليروس غير مبالين بما يتعرض له الفقراء من اضطهاد، وجب أن ينظر مجمع الأساقفة في الأمر. ويشكل هذا المنظور، في رأيي، نقطةَ التقاءٍ بين اللاهوت التقليدي ولاهوت التحرر الحديث. ويذكِّر هذا بالمفهوم الرئيس «الخيار الانحيازي للفقراء» (preferential option for the poor)، الذي صاغه غوستافو غوتيريز عام 1967، وسلَّط مؤتمرُ مديين للأساقفة الكاثوليك الضوء عليه عام 1968.
يربط بالاماس الأخرويات (الإسخاتون) بالتاريخ، والخلاص بالعمل، وتحديدًا بالتضامن. ففي لاهوته، يغدو الخلاص مستحيلًا من دون التضامن مع الضعفاء (إذ يتحدث عن إقصاء المسيح نفسه!). وهذا يذكِّرنا بكلمات جون سوبرينو:
«لا خلاص خارج الفقراء (Extra pauperes nulla salus). وبالمعنى الدقيق للكلمة، لا نقول إن الخلاص حاضرٌ تلقائيًّا مع الفقراء، بل نقول إنه من دونهم لا يمكن أن يوجد على الإطلاق».
إن الصلة بين التاريخ والأخرويات (الإسخاتون / eschaton) تعني أن عمل المسيحيين في التاريخ يتسم بسمةٍ تميزه من أي أعمال تضامن يقوم بها غير المسيحيين. وينبغي لعمل المسيحيين أن يكون نبويًّا، أو بعبارةٍ أخرى، نشاطًا يكشف للعالم طبيعة الملكوت الذي يرجوه المسيحيون. إنه شهادةٌ للعالم الآتي. وبعبارةٍ أخرى، يجب أن يُشكِّل عمل المسيحيين شهادةً حقيقيةً على رؤية موت الموت، وكلِّ نوعٍ من أنواع الموت، وكلِّ نوعٍ من أنواع السلطة التي تقاوم المحبة. ومن هذا المنظور (وعلى خلاف الأحادية الإفخارستية الحديثة (Eucharistic monism)، التي تفهم الاحتفال بالإفخارستيا بوصفه العلامة الوحيدة للملكوت الآتي، وتفصل الملكوت عن العمل الاجتماعي)، تُشكِّل المحبةُ والتضامنُ الفعلي في التاريخ علامةً على الملكوت.
لماذا، في رأيي، تكتسب هذه النقاط في نص غريغوريوس بالاماس أهميةً خاصة؟ لأن بالاماس هو، بامتياز، صوت العقيدة المتعلقة بالتأليه (ثيؤسيس / theosis)، أي قدرة الإنسان على أن يصير، في هذه الحياة نفسها، شريكًا في القوة الإلهية (الأنيرجيا/ energies)، وبالتالي شريكًا في غير المخلوق. ولكن المسألة هنا ليست الجدل حول طبيعة القوة الإلهية. إنني أورد نصَّ بالاماس المذكور أعلاه؛ لأن له أهميةً رمزيةً خاصةً في وقتنا الحاضر. فغالبًا ما يُفهم اللاهوت المتعلق بتأليه الإنسان على أنه صوفية، أو انكفاءٌ داخلي للكائن البشري على ذاته، أو مجرد محاربةٍ للأهواء، وما إلى ذلك، من دون أي صلةٍ عضوية بالعمل وبالقريب، وغالبًا من دون صلةٍ بالتجديد الأخروي للعالم بأسره. وبالفعل، فإن الانشغال بقضايا التضامن يُعد، في كثير من الأحيان، ضارًّا بالحياة الروحية؛ لأنه ــ وفقًا لهذا المنحى الفكري ــ يشتت المؤمن عن تكريسه الأساسي الهادف إلى التطهير الشخصي (كاتارسيس/ catharsis). وفي الواقع، توجد نصوصٌ آبائية، إلى جانب أعمالٍ لاهوتية أحدث، تُعبِّر عن هذا التوجه. ومع ذلك، فإن ما ينبغي الحذر منه هو أن الأدب الكنسي ليس جوهرًا مصمتًا، ولا يشكل مادةً غير تاريخية هبطت من السماء، كما يكاد يجادل أتباع «التلمودية الآبائية». إن الحضور الكنسي في التاريخ يتكون من تياراتٍ تتلاقى أو تتباعد، ومع ذلك يجب فحصها في سياقها التاريخي والحكم عليها في ضوء المعايير الجوهرية للحدث الكنسي.
بناءً على ذلك، فإن نشاط التنمية الاجتماعية له بالفعل جذورٌ في تيارات التقليد الآبائي، ولا يتعارض مع الجهاد الروحي الشخصي. ويفيدنا القديس مكسيموس المعترف (حوالي 580–662م) على نحوٍ خاص في فهم الكيفية التي تتشابك بها الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع. وإكليل الفضائل، كما يقول، هو محبةٌ ذات شقين لا ينفصمان: محبة الله، ومحبة القريب. ومع ذلك، يمتلك الإنسان القدرة المربكة على أن يسير عكس طبيعته، وأن يستبدل المحبة بنسخةٍ مشوهةٍ منها، أي بمحبة الذات. ولذلك، يسعى وراء اللذة، ويتشبث بالعالم طلبًا للإشباع الفردي. وهكذا يُسجن الإنسان في فرديته، وتتفكك شركته مع البشر الآخرين. والطمع -كما يقول مكسيموس بأسلوبه المميز- هو هوى الإنسان الذي يأخذ بفرحٍ ويعطي بحزن. وقارن هذا بما قاله كريستوفر لاش:
«إن الرأسمالية الاستهلاكية تركز تركيزًا شديدًا على الإشباع الفوري للرغبات الطفولية، ومن ثمَّ تزرع الانشغال بصورة الذات إلى حدٍّ تُنتج معه شخصياتٍ نرجسيةً عاجزةً، في الواقع، عن إقامة علاقاتٍ قائمةٍ على الرعاية والانفتاح».