التنمية المستدامة… اقتراب اجتماعي
- Sermon By: د. ســامــح فـــوزي
- Categories: درسات نفسية وأجتماعية
التنمية Development في أبسط معانيها تعني التغيير الاجتماعي إلى الأفضل، وعنوانها الأساسي الحد من الفقر، بكل تبعاته، ولعل ذلك هو الأساس الذي تنطلق منه كل جهود التنمية منذ نشأتها.
تعريف التنمية
ارتبط مصطلح التنمية في تطوره زمنيًّا منذ منتصف القرن العشرين بالعديد من المعاني، والتفسيرات، والنظريات، ولاسيما أنه يمثل منطقة التقاء بين علوم مختلفة، حتى وإن كانت نشأته اقتصادية، قبل أن يكتسب أبعادًا إنسانيةً واجتماعيةً وثقافية. إذا نظرنا إلى التعريفات العديدة المقدمة لمفهوم التنمية، نجد أن معظمها يشترك إجمالًا في عدد من العناصر الأساسية أبرزها: النظر إلى التنمية بوصفها عملية تطورية، تهدف إلى تعزيز القدرات الإنسانية في بناء الهياكل المؤسسية، والتصدي للمشكلات، والتكيف مع التغيرات المستمرة في البيئة المحيطة، وتحقيق جملة من الأهداف بطريقة ابتكارية، في مقدمتها الحد من عدم المساواة، والقضاء على الفقر. وهكذا صار السؤال الأساسي للتنمية هو التصدي لقضية الفقر، مع اتساع أبعاد المفهوم، من عوز اقتصادي، وتهميش اجتماعي، وغيرها.
نظريتان للتنمية
تصدت نظرياتٌ عديدةٌ لتفسير حالة التخلف أو غياب التنمية، وهي تتصل بالبناء الثقافي والاجتماعي للمجتمعات، نذكر منها على سبيل المثال نظريتين: الحداثة Modernity والتبعية Dependency، حيث قسمت النظرية الأولى المجتمعات إلى قسمين، تقليدية ومتقدمة، حيث يغلب على المجتمعات التقليدية ثقافة تشمل قيمًا ومعايير تعيق التنمية، وبالتالي فإن غياب التنمية في تلك المجتمعات، التي وُصفت بالنامية، يعود في الأساس إلى أسباب داخلية، ثقافية واجتماعية، تنال من قدرتها على تحقيق التنمية. أما المجتمعات المتقدمة فهي صناعية حديثة، تعمل على تراكم رأس المال بها، ولديها الثقافة الحديثة التي تعينها على تحقيق التنمية. وبالتالي، إذا أرادت المجتمعات النامية تحقيق التنمية فليس أمامها سوى المضي على النهج الغربي، والتخلي عن ثقافتها المعوقة، والأخذ بالثقافة الحديثة. من هنا لم تكن نظرية الحداثة في مجملها سوى محاولة لترويج النموذج الرأسمالي الغربي من ناحية، وتحميل دول العالم النامي مسؤولية تراجع التنمية بها، وإسقاط أي حجة لإدانة الدول الاستعمارية السابقة من ناحية أخرى.
أما النظرية الثانية -أي التبعية- فقد تبنت رؤية عكسية، فذهبت إلى أن أزمة التنمية في الدول النامية ليست داخلها أو ناتجة عن عوامل هيكلية أو ثقافية بها، بقدر ما تعود إلى عدم العدالة في النظام الاقتصادي العالمي الذي أوجد دولًا تمثل مركز العالم، الصناعي، المتقدم، تستغل دول الأطراف، أي الدول النامية، وبالتالي فإن تحقيق التنمية يتطلب تغيير النظام الاقتصادي العالمي الذي يقوم على الاستغلال.
فكر الاستدامة
تعني الاستدامة Sustainability – في رأي كثير من الأكاديميين والباحثين والممارسين للتنمية- القدرة على الحفاظ على كيان مؤسسي، العملية التنموية، والمخرجات الناجمة عنها، وذلك بهدف التوزيع العادل للموارد بين الأجيال المتعاقبة، وبين أبناء الجيل الواحد، وهو ما اصطُلح على تسميته بالإنجليزية: Intra-generationally & Inter-generationally فالاستدامة، بقول آخر، هي نقطة توازن ديناميكية بين السكان والبيئة، إذ يحصل السكان على احتياجاتهم الإنسانية، دون تعريض البيئة إلى مخاطر مثل التآكل، والتلوث، والإنهاك الشديد، بما يؤثر سلبًا على حظوظ الأجيال اللاحقة من الموارد، ليس هذا فحسب، بل يشمل المفهوم تحقيق العدالة في التوزيع بين أبناء الجيل الواحد، بحيث لا تستأثر قلة قليلة من الموارد على حساب الغالبية من السكان. من هنا يشتبك مفهوم الاستدامة مع قضايا عديدة مثل مواجهة الفقر، والحد من التهميش، والحفاظ على البيئة، وغيرها.
التنمية المستدامة
يُقصد بمصطلح التنمية المستدامة Sustainable Development تلبية احتياجات الجيل الحالي دون الحد من قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها. ويعني ذلك مفهومين محوريين: الأول مفهوم الاحتياجات، والمراد بها احتياجات الفقراء كأولوية، والمفهوم الثاني هو القيود التي تفرض على التكنولوجيا من أجل الحفاظ على البيئة بهدف تلبية الاحتياجات الحاضرة والمستقبلية على السواء.
وقد تبلور المفهوم في عدة محطات تاريخية مهمة: أبرزها مؤتمر الأمم المتحدة في ستوكهولم عام 1972 عن البيئة الإنسانية، واتجه إلى الربط بين القضايا البيئية والاقتصادية والاجتماعية. وقد اعتبر أهم نقاش حول التنمية بعد الحرب العالمية الثانية. وقد جاء انعقاد المؤتمر بعد عدد من الكوارث البيئية التي حدثت في دول صناعية مثل بريطانيا واليابان والولايات المتحدة، وبدأ العلماء يتحدثون عن تأثير مخلفات المصانع، والمواد الكيميائية على البشر والبيئة، واللافت أن المبادرة التي قامت بها السويد في ذلك الحين قُبلت من المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وقد شكل ذلك نقطة تحول، ولاسيما أن ميثاق الأمم المتحدة دعا إلى تعزيز السلام والاستقرار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لكنه صمت عن الحديث عن قضايا البيئة. وفي منتصف ثمانينيات القرن العشرين، وبالتحديد في عام 1987 صدر تقرير برونتلاند Brundtland Report، بعنوان مستقبلنا المشترك، تلاه مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية عام 1992، الذي عرف بقمة الأرض، وقدم الحاجة إلى دمج التنمية الاقتصادية مع كل حماية البيئة، والعدالة الاجتماعية، والاستيعاب Inclusion. وطرح ما عرف بأجندة 21، وهي تشمل العديد من البرامج حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحفاظ على البيئة، وتدعم المشاركة في المجتمعات، والحوار، والمواطنة. وفي عام 1993 شكلت لجنة للتنمية المستدامة لمتابعة وتعزيز تطبيق أجندة 21، ثم قمة الأرض+5 عام 1997، وقمة الألفية عام 2000، التي نتج عنها أهداف الألفية، التي تضمنت الحد من الفقر المدقع، وتحقيق المساواة للمرأة، تبعها القمة العالمية للتنمية المستدامة في جوهانسبرج عام 2002، ثم قمة ريو+20، عام 2012 أي بعد عشرين عامًا من انعقاد قمة الأرض في ريو، ونتج عنه تطوير أهداف التنمية المستدامة، ووضع الأولويات التنموية بناء على أجندة 21، وما ترتبت من مخرجات عن قمة جوهانسبرج.
أعلنت أهداف التنمية المستدامة السبعة عشرة هدفًا (2015-2030)، وتشمل القضاء على الفقر والجوع، وتعزيز الصحة الجيدة والرفاه، والتعليم الجيد والمساواة بين الجنسين والمياه النظيفة والنظافة الصحية، والعمل اللائق، والمؤسسات وتعزيز العدالة، ويلاحظ التداخل والاعتماد المتبادل بين الأهداف، إذ يقود أحدها إلى تعزيز الآخر، والعكس، وجاء الهدف العاشر بمثابة “الهدف المحوري” الذي ينص على “الحد من أوجه عدم المساواة داخل البلدان، وفيما بينها”، وترسَّخ اقتناع أساسي أن عدم تحقيق الهدف العاشر -أي الإبقاء على عدم المساواة- يجهض جهود التنمية في الأهداف الستة عشر الأخرى.
لماذا يتصدر الفقر التنمية؟
يُعد الفقر Poverty مسألةً اقتصاديةً ترتبط بالحرمان، واجتماعيةً تتصل بالتهميش، وسياسيةً تقترن بالاستبعاد. وإلى جانب هذه الأبعاد المتعددة، يتسم الفقر بالتوريث. إذ كما يورث الأغنياء أبناءهم، أصولًا مادية ومالية وعلاقات نسب ومصاهرة ووضعًا اجتماعيًّا، يورث الفقراء أبناءهم العوز، والحرمان، والتهميش، والمشاعر الإنسانية المُحبطة، وهو ما يشبه الحلقة المفرغة المستمرة، حيث يتزوج الفقراء فيما بينهم، وينجبون أبناء فقراء، عادة بأعداد تفوق عدد أطفال الاسر الغنية، ولا يجد النشء الفقير فرص تعليم جيدة أو إمكانية للترقي الاجتماعي، مما يجعلهم يعيشون في عشوائيات اجتماعية وثقافية، ويتوالى الفقراء جيل وراء جيل يرث الفقر، مثلما يرث الأغنياء المال والجاه والمكانة الاجتماعية.
بالطبع قد تتبدد الثروة والوضع الاجتماعي من جراء سوء استخدام جيل لاحق من الأغنياء لفرص الحياة التي ورثها عن جيل سابق، وقد ينتقل الفقراء من دائرة الفقر إلى عالم الأثرياء نتيجة تقلبات وتحولات المجتمع، مثل الطفرة الشديدة في العائد المادي الناجم عن بعض المهن الطفيلية التي يعمل فيها سكان العشوائيات، والتي قد تنطوي على بعض الممارسات غير القانونية. في الحالتين لا تحدث جهود منظمة لتحرير المواطنين من الفقر، بأبعاده المتعددة، أو تنمية تستوعب كل مكونات المجتمع، فضلًا عن أن القضاء على جانب من جوانب الفقر، لا يعني بالضرورة انتهاء جوانبه الأخرى. فمثلا قد يحصل للفقراء طفرة مالية، لكنهم لا يستطيعون ترجمة ذلك في تمكين سياسي واجتماعي وثقافي، وهو ما يلفت الانتباه إلى قضية مهمة، أن ليس كل سكان العشوائيات فقراء بالمعنى الكلاسيكي للفقر، فقد يكونوا أغنياء أو لديهم دخل مالي يضعهم في مصاف الطبقة الوسطى، لكنهم على الصعيد العملي فقراء في حياتهم الاجتماعية، وفرصهم السياسية، وممارساتهم الثقافية. نخلص من ذلك أن القضاء على الفقر متعدد الأبعاد يتطلب تنمية متعددة الأبعاد أو ما يطلق عليه في بعض الأحيان تنمية استيعابية.
التنمية متعددة الأبعاد
ظهر مصطلح التنمية الاستيعابية Inclusive Development في أواخر القرن العشرين، وبدأ استخدامه على نطاق واسع منذ عام 2008. وكما يتضح من المصطلح، فهو يعبر عن تنمية تستوعب كل مكونات المجتمع، وبخاصة المهمشين، والفقراء، والمستضعفين من جانب، وتنطوي على كافة أبعاد التنمية: اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا من جانب آخر. بقول آخر، فهو يتضمن التنمية التي تستوعب الفئات المستبعدة Excluded، وتحولها إلى فئات مُستوعبة Included إلى جانب ذلك فهي تتعامل مع قضية الفقر من منظور أعم وأشمل، لا يقف عند حدود الاقتصاد، لكنه يمتد ليشمل أيضا الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية.
مما سبق يتضح أن الهدف الأساسي للتنمية هو مواجهة الاستبعاد أو التهميش، وهذا هو جوهر الاقتراب الاجتماعي للتنمية، ونظرا لأن التهميش له أبعاد متعددة، فإن التنمية ينبغي أيضًا أن تتحلى بأبعاد متعددة. وهو ما سعى قادة العالم إلى تبنيه في سياق ما عرف بالتنمية المستدامة Sustainable Development، عام 2015 وهي تعبر عن أجندة كونية طموحة للتنمية المستدامة 2030، تتطلع إلى عالم يسوده العدل، والمساواة، والتسامح، ويستوعب كل سكانه. وظهر ذلك الشعار العاطفي المؤثر No one will be left behind .
ويعني ذلك بداهة استيعاب كل واحد، أي مواجهة الاستبعاد بكافة صوره. وتمثل أجندة التنمية المستدامة 2030 التأكيد على التنمية الاقتصادية، ومواجهة التغيرات المُناخية والتأثيرات السلبية على البيئة، والتنمية البشرية سواء التعليم، والصحة، وخلافه، كل ذلك بغية تعزيز العدالة الاجتماعية، والمساواة، وخلق مجتمعات استيعابية. وذلك انطلاقًا من مبدأ أساسي: إن لم تكن التنمية استيعابية فلن تكون مستدامة.
وهكذا تأخذ التنمية المستدامة في اعتبارها الأبعاد الاجتماعية والبيئية إلى جانب الأبعاد الاقتصادية لحسن الإفادة من الموارد المتاحة بهدف تلبية احتياجات الجيل الحالي، واحترام حقوق الأجيال القادمة، وتنطوي على سبعة عشرة هدفًا تجسد التنمية متعددة الأبعاد، ولا يمكن أن تتحقق دون الاستيعاب الاجتماعي Social Inclusion.
إذا نظرنا إلى الأهداف الــ 17 للتنمية المستدامة نجدها:
• تحريرًا لكل المجتمعات والأفراد من الفقر والجوع.
• ضمانًا لحياة صحية، والحصول على التعليم، والطاقة النظيفة، والصناعة والابتكار.
• التزامًا بالتنوع الطبيعي في الحياة البرية والبحرية على السواء.
• إدراكًا بأن تحقيق هذه الأهداف ينبغي أن يشمل ترتيبات مؤسسية تحقق حكم القانون، والوصول إلى مؤسسات العدالة، والمشاركة في صنع القرار.



