الثالوث القدوس وفقًا لقانون إيمان نيقية
- Sermon By: أمجد بشارة
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
قيل في سياق البحث في طبيعة الله إن عقيدة الثالوث، وإن كانت لا تُكتَشَف بالعقل البشري، إلا أنها قابلة للدفاع العقلي متى اتضحت بالإعلان الإلهي. ولا ينبغي أن يغيب هذا عن الأذهان.
ومن اللافت للنظر أن الصيغ الأولى للثالوث كانت من أكثر الصيغ ميتافيزيقيةً وتأمليةً في تاريخ العقيدة. فقد أفرز الجدل مع الأريوسيين ونصف الأريوسيّين بيانًا ودفاعًا عن الحق، ليس فقط على أساس كتابي، بل أيضًا على أساس أنطولوجي. فمثل هذا الجدلي القوي أثناسيوس، رغم كونه كتابيًّا بالكامل وبشدَّة، ورغم انطلاقه من نصوص الكتاب المقدس وإخضاعها لتفسير دقيق، لم يتردَّد في ملاحقة جدليات الأريوسيين ونصف الأريوسيين حتى أدق مغالطاتهم في أعمق خباياها. ومن يشك في ذلك، فليقرأ الخُطَب الأربع لأثناسيوس ضد الأريوسيين ودفاعه عن قانون الإيمان النيقاوي.
وفي بعض أقسام العالم المسيحي، تم الادعاء بأن عقيدة الثالوث يجب أن تُقبل دون أي محاولة لإثبات عقلانيتها أو ضرورتها الجوهرية. وفي هذه الحالة، اعتُبرت عقائد الولادة الأزلية والانبثاق أنها تتجاوز المعطيات الكتابية، وإن لم تُرفض صراحة، فقد اعتُبر أنها تعيق الإيمان بالأقانيم الثلاثة الإلهية وإله واحد، بدلًا من أن تعينه. لكن تاريخ الآراء يُظهر أن هذه الأقسام من الكنيسة لم تكن من أقوى المدافعين عن البيان الكتابي، ولا من أنجح الكنائس في تجنب الانحرافات السابيليانية Sabellian[1] أو الآريوسية [2]Arian أو حتى السوسينية Socinian.[3]
أما الكنائس التي اتبعت الكتاب المقدس بأكبر قدر من الأمانة وخافت من التأملات البشرية، فهي ذاتها الكنائس التي أدرجت في قوانين إيمانها أكثر الصيغ التحليلية لعقيدة الثالوث التي وُضعت حتى الآن. فالثالوثية النيقاوية مدمجة في معظم قوانين الإيمان في المسيحية الحديثة؛ وهي تُحدّد على وجه الخصوص عقائد الولادة الأزلية والانبثاق مع نتائجها.
أما الكنائس المشيخية، المعروفة بتمسُّكها الشديد بالكتاب المقدس، فإنها تطلب من أعضائها أن يعترفوا بأن “في وحدانية اللاهوت يوجد ثلاثة أقانيم، من جوهر واحد، وقوة واحدة، وأزلية واحدة: الله الآب، الله الابن، والله الروح القدس. الآب ليس من أحد، لا مولود ولا منبثق؛ الابن مولود أزليًّا من الآب؛ الروح القدس منبثق أزليًّا من الآب والابن”.[4]
هذا يتضمن ثلاث تمايزات في الجوهر غير المحدود. فلا يمكن لله أن يتأمل ذاته، ويعرف ذاته، ويتواصل مع ذاته، ما لم يكن ذا بنية ثالوثية. فالموضوع يجب أن يعرف ذاته كموضوع، ويُدرك أيضًا أنه يفعل ذلك. وهذا لا يعني ثلاثة جواهر متميزة، بل ثلاث حالات متميزة لجوهر واحد. وبالتالي، يجب أن تكون وحدانية الله من نوع يتوافق مع نوع من التعدد. فالوحدانية في الكائن غير المحدود هي وحدانية مثلثة أو ثالوثية. الله هو وحدة متعددة.
ومن ثم، فإن فهم قانون الإيمان الرسولي بسحب ما ورد في صيغته النهائية في مجمعي نيقية والقسطنطينية يعد واحدًا من أهم النصوص التي يجب أن نحفظها ونعي معانيها.[5]
بالحقيقة نؤمن بإله واحد
تُعلِّم الكتب المُقدَّسة عقيدة الوحدانية الإلهية مناقضة للتعدديّة: «اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (تثنية ٦: ٤)؛ «الرَّبُّ هُوَ اللهُ وَلَيْسَ آخَرُ» (١ملوك ٨: ٦٠)؛ «لَيْسَ إِلَهٌ غَيْرِي» (إشعياء ٤٤: ٦)؛ «الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (مرقس ١٢: ٢٩)؛ «أَنَا وَالْآبُ وَاحِدٌ» (يوحنا ١٠: ٣٠)؛ «لَيْسَ إِلَهٌ آخَرُ إِلَّا وَاحِدٌ» (١كورنثوس ٨: ٤)؛ «رَبٌّ وَاحِدٌ، إِلَهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ» (أفسس ٤: ٦)؛ «اللهُ وَاحِدٌ» (غلاطية ٣: ٢٠). وليس هناك خطية أشد تحريمًا وتهديدًا من عبادة الأصنام.[6]
وعند الحديث عن وحدانية الله، فإن نوعًا خاصًّا من الوحدانية هو المقصود، أي الوحدانية التي هي مثلثة. وعندما يُشار إلى تثليث الله، فإن نوعًا خاصًّا من التثليث هو المقصود، أي التثليث الذي لا يُكوِّن إلا جوهرًا أو كيانًا واحدًا. فالوحدانية التي تستبعد التثليث ليست المقصودة، وكذلك التثليث الذي يستبعد الوحدانية ليس المقصود.
“عندما أقول ’واحدًا‘، فإن عدد الثالوث لا يُزعجني؛ لأنه لا يُضاعف الجوهر، ولا يُغيِّره، ولا يُقسِّمه. ومرة أخرى، عندما أقول ’ثلاثة‘، فإن مفهوم الوحدانية لا يُحرجني؛ لأنه لا يُربك تلك الكيانات الثلاثة، ولا يُوحّدها في فردٍ واحد”[7].[8]
بالتالي، وبالإشارة إلى الله، لا يجوز لنا أن نتحدث عن وحدةٍ محضةٍ وبسيطة، ولا عن ثالوثٍ محضٍ وبسيط؛ بل يجب أن نتحدث عن وحدةٍ في ثالوث، وثالوثٍ في وحدة (انظر Athanasius, Against the Arians 4.13–14). لا يجوز لنا أن نتصوّر “مونا- الوحدة” (monas) ليست في أصلها، وبحسب نظام الطبيعة، ثالوثًا، ثم تصير كذلك. فإن وُجدت “مونا”، وُجد “ترياس- الثالوث” (trias) في الحال. ولا يجوز لنا أيضاً أن نتصوّر “ترياس” ليس في أصله، وبحسب نظام الطبيعة، “مونا”، ثم يصير كذلك. فإن وُجدت “ترياس”، وُجدت “مونا” في الحال.
أُسبِّحُكَ، أيها الواحد (المُوناد)، أُسبِّحُكَ، أيها الثالوث (الترياد).
واحد أنت في ثالوث، وثالوث أنت في وحدانية[9].[10]
الثالوث المسيحي ليس هو ثالوث سابيليوس وفيثاغورس، أي ذلك “الوَاحَد الأوَّلي غير الثالوثي” الذي يصير لاحقًا، إما في الزمن أو في ترتيب الطبيعة، ثالوثًا؛ حيث تُدخَل أربعة عوامل أولية ومكوِّنة إلى المسألة، وهي: جوهر واحد وثلاثة أقانيم إضافية. فالله ليس “واحدًا وثلاثة”، بل “واحدًا في ثلاثة”. لا يوجد “وَاحَدٌ أوّلي” كائن بذاته ومن دون الثالوث، تُضاف إليه التمايزات الثلاثة كعوامل لاحقة. بل توجد فقط ثلاثة عوامل مكوِّنة في المسألة. لأن الجوهر لا يوجد خارج الأقانيم الثلاثة أو بمعزل عنها، بحيث يُشكِّل عاملًا رابعًا بالإضافة إلى هؤلاء الثلاثة. فالـ”وَاحَد”، أي الجوهر، لا يوجد أبدًا في ذاته وبنفسه غير مُثَلَّث، كما في نظرية سابيليوس وفي المخطط الفيثاغوري للـ”تتراكتيس Tetractys”،[11] الذي تبنّاه كوليردج.[12] بل يوجد فقط كما هو في الأقانيم، فقط كما هو مُثَلَّث.
وبالتالي، فإن الجوهر ليس سابقًا، لا في ترتيب الطبيعة ولا في الزمن، على الأقانيم، ولا لاحقًا لها، بل متزامن معها. ومن ثم، فالجوهر ليس عاملًا مكوِّنًا منفصلًا بذاته عن الأقانيم، تمامًا كما أن الأقانيم ليست ثلاثة عوامل مكوِّنة منفصلة بذاتها عن الجوهر. فالجوهر الواحد هو في آنٍ واحد ثلاثة أقانيم، والثلاثة الأقانيم هم جوهر واحد. فالثالوث ليس تركيبًا من جوهر واحد وثلاثة أقانيم. وليس جوهرًا بلا تمايزات متّحدًا مع ثلاث تمايزات، بحيث يُشكّل مركّبًا. بل الثالوث بسيط وغير مركّب.
“إذا” قال توِستِن (Dogmatik 2.229)، “تمييزنا بين وضوح النور ودرجات الوضوح المختلفة، لا تعني أن النور مركّب من الوضوح ومن درجات الوضوح”. كذلك، فالله ليس مركّبًا من جوهر غير مُثَلَّث وثلاثة أقانيم.
يترتّب على ذلك، بالضرورة، أنّه لا يمكننا أن نتحدّث عن وحدة الله الإلهية بمعزل عن الثالوث، كما يسعى إلى ذلك كلٌّ من الربوبيين والسوسيانيين. فإنّ الثالوث ينتمي إلى الوحدة الإلهية بنفس القدر من الضرورة والجوهرية التي تنتمي بها الأزلية إلى الجوهر الإلهي. يقول أثناسيوس (“Orations 1.17”):
“إن لم يكن هناك ثالوث مبارك منذ الأزل، بل كانت هناك وحدة فقط في البداية، ثم صارت تنمو لتصبح ثالوثًا، فإنّه يترتّب على ذلك أنّ الثالوث القدوس كان في وقتٍ ما غير كامل، ثم صار كاملًا في وقتٍ آخر؛ غير كاملٍ إلى أن جاء الابن ليُخلَق، كما يزعم الأريوسيون، ثم كامل بعد ذلك”.
الاتحاد الضروري بين الوَحدة الإلهيّة والثَلاثيّة الإلهيّة يُشبه الاتحاد بين الجوهر الإلهيّ والصفات الإلهيّة. فجوهر الله ليس سابقًا أو منفصلًا عن صفاته؛ إذ لا يُمكن تصوّر الله كجوهرٍ بلا صفات. الجوهر والصفات متلازمان وغير قابلين للانفصال. لا يُمكن تصوّر الله على أنه يتطوّر من جوهرٍ بلا صفات إلى جوهرٍ بصفات. فالله ليس “جوهرًا وصفات”، بل هو “جوهرٌ في صفات”. إنّ الجوهر بكامله حاضر في كلّ صفة؛ كما أنّ الجوهر بكامله حاضر أيضًا في كلّ أقنوم من أقانيم الثالوث. وكما لا يمكننا منطقيًّا أن نُدرك أو نُناقش الجوهر الإلهيّ بمعزلٍ عن الصفات الإلهيّة، كذلك لا يمكننا منطقيًّا أن نُدرك أو نُناقش الوَحدة الإلهيّة بمعزلٍ عن الثَلاثيّة الإلهيّة.
[1] السابيلية (Sabellianism): المؤسس: سابيليوس (Sabellius، القرن 3م). الفكرة الرئيسية: رفض الثالوث الأقدس بمعنى “أقانيم متميزة”، واعتبر أن الآب والابن والروح القدس هم أسماء أو أدوار مختلفة للإله الواحد (مثل ممثل يلعب أدوارًا متعددة). أي أن الله يظهر كـ”آب” في الخلق، و”ابن” في التجسد، و”روح قدس” في التنزيل. الرد عليها: أدانها المجمع المسيحي (مثل مجمع نيقية 325م) لأنها تنكر العلاقة الأزلية بين الأقانيم.
[2] الأريوسية (Arianism): المؤسس: أريوس (Arius، 256–336م). الفكرة الرئيسية: أن الابن (المسيح) مخلوق من العدم بإرادة الآب، وليس مساويًا له في الجوهر (“كان هناك وقت لم يكن الابن موجودًا فيه”). الروح القدس منفصلٌ أيضًا وأدنى من الآب. الرد عليها: أدانها مجمع نيقية (325م) وأكدت العقيدة المسيحية أن الابن “مساوٍ للآب في الجوهر” (ὁμοούσιος).
[3] السوسينية (Socinianism): المؤسس: فاوستوس سوسيني (Faustus Socinus، 1539–1604). الفكرة الرئيسية: رفضت ألوهية المسيح، واعتبرته مجرد إنسان مُعلَّم من الله (نفي الثالوث والتجسد الإلهي). رفضت فكرة الكفارة بالدم، ورأت أن خلاص الإنسان يكون بالاقتداء بأخلاق المسيح. الرد عليها: اعتبرتها الكنائس المسيحية (الكاثوليكية والبروتستانتية) هرطقة لأنها تناقض عقيدة الفداء والتجسد.
[4] Westminster Confession 2.3
[5] William Greenough Thayer Shedd and Alan W. Gomes, Dogmatic Theology, 3rd ed. (Phillipsburg, N.J.: P & R Pub., 2003). 220.
[6] (مزمور 19: 1) «السَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ». (إشعياء 45: 18) «لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ هُوَ اللهُ، مُصَوِّرُ الْأَرْضِ وَصَانِعُهَا. هُوَ أَكْمَلَهَا. لَمْ يَخْلُقْهَا بَاطِلًا. لِلسَّكَنِ صَوَّرَهَا».
[7] Cum dico unum, non me trinitatis turbat numerus, qui essentiam non multiplicat, non variat, nec partitur. Rursum, cum dico tria, non me arguit intuitus unitatis, quae illa quaecumque tria, seu illos tres, nec in confusionem cogit, nec in singularitatem redegit.
[8] Bernard, On Consideration 5.8
[9] سينيسيوس القيرواني (370- 413 م) Synesius of Cyrene، أسقف مدينة بتولمايس (في ليبيا الحالية)، وهو تلميذ هيباتيا الفيلسوفة السكندرية الشهيرة، أسقف ولاهوتي وشاعر مسيحي. ويأتي هذا النص من الترنيمة الثالثة له.
[10] Hymnō se monas, hymno se trias (ὑμνῶ σε μονάς, ὑμνῶ σε τριάς)
monas ei trias ōn, trias ei monas ōn (μονάς εἶ τριάς ὤν, τριάς εἶ μονάς ὤν).
[11] الـ Tetractys (التتراكتيس): الرمز السري والعلمي عند الفيثاغوريين (باليونانية: Τετρακτύς، وتعني “الرباعية” أو “المجموعة الرباعية”) هو *رمز عددي مقدس* في الفلسفة الفيثاغورية، يتكون من *10 نقاط* مرتبة في 4 صفوف هرمية (1 + 2 + 3 + 4 = 10). اعتبره الفيثاغوريون *أساس الخلق والكون*، وارتبط بعدة مفاهيم. منها:
الميتافيزيقا:
– الصف الأول (1): الوحدة الإلهية (الموناد).
– الصف الثاني (2): الثنائية (المادة والروح).
– الصف الثالث (3): الثالوث (السماء، الأرض، العالم السفلي).
– الصف الرابع (4): العناصر الأربعة (نار، هواء، ماء، تراب).
وكان الفيثاغوريون يقسمون بـ *التتراكتيس* كرمز للقسم المقدس، ويقولون: “باسم الذي منح روحنا التتراكتيس، المصدر الجوهري للطبيعة الأبدية!” ولا يُخلط بينه وبين تتراغراماتون (YHWH) في اليهودية، رغم اشتراكهما في فكرة “الرباعية”.
[12] Works 5.18–19, 404


